]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نماذج بشريّة في الميزان ( نموذج رقم 1 ) : ( برّ الوالدين ) ؟

بواسطة: تاجموعتي نورالدين  |  بتاريخ: 2012-09-23 ، الوقت: 20:07:38
  • تقييم المقالة:

 

 

  

 

 

 

   ( نماذج بشريّة في الميزان ) : ( برّ الوالدين ) . 

 

 

الدكتور(ع)،(ق) 34 سنة ، إنسان عصامي و مثقفٌ حديث العهد بالعمل بإحدى الجامعات   ، متزوّج

من عائلة ثريّة وله طفلة في سنّ الزهور، يقطن إحدى الشّقق الفاخرة وسط المدينة ، حيث يوجد داخل

إحدى غرفها شيخٌ تجاوز مرحلة الخريف بشوط غير قصير ،وكعادته بعد صلاة العصر ، كان يخرج

بجهدٍ جهيدْ إلى شرفة البيت ، لينتظر بشغفٍ كبير قدوم حفيدته من الرّوض ، ملاكه الوحيد الذّي كان يُزيح

عنه كثيراً من الرّتابة والمللْ ، بلْ وبمجرّد مداعبته لها والحديث معها تنْجلي كلُّ سُحب الكآبة منْ مخيّلته ..

وكيف لا؟! و زوجته وأليفته التحقتْ بدار البقاء منذ مدّة لا تزيد عن أربعة أشهر .. وبالفعل وبعد شوط من

القيل والقال معها .. وبدافع الفضول البريء لدى الأطفال .. همستْ في أذنيه قائلة :

-   لماذا يا جدّي تريد أنْ تتركنا وترحل بعيدا عنّا ؟

الشيخ ضاحكاً  يجيبها على قدّ نيّته :

- أتركُ أنا ملاكي .. وقرّة عيني ! هذا هو أكبر المستحيلاتْ

الصبيّة بإصرار :

- لا يمكن لأمّي أن تكذب علي .

الشيخ مرّة ً أخرى :

- إنْ قالتْ لك هذا الكلام .. فهو فقط على سبيل الضحك والمزاح .

الصبيّة :

- إذن ستعاهدني أن لا تتركنا أبداً يا جدّي ؟

الشيخ وهو لا يعلم أنّ هذا هو آخر كلام معها إلى الأبد :

- طبعاً .. طبعاً .. أعاهدك بذلك .. ما دام  للعمر بقيّة يا ملاكي.

يأتي الصّباح .. تدخل الخادمة إلى غرفة الشيخ ، وتبدأ في جمع كلّ أغراضه الشخصيّة ، لتضعها في

حقيبتين ، ثمّ تنصرف ليدخل بعدها مباشرة سيادة الدكتور قائلا لأبيه :

-  هيّا يا أبي سنقوم معاً برحلة قصيرة .. وأثناء الطريق سأفسّر لك كلّ شئء .

الأب بامتعاض :

-   لا يا ولدي ، سألتزم الفراش .. فأنا على غير ما يرام .

سيادة الدكتور بقلق وهو ينظر إلى ساعته اليدويّة :

-  قلت لك قمْ !  فورائي عمل كثير..و لا أريد مضيعةً للوقت .. هيّا قمْ !

وبالفعل.. وأمام النبرات العالية ، والأوامر المتتالية .. يطأطئ الشيخ رأسه في ذهول ، محاولاً أنْ يجد

رابطاً موضوعيّاً ما .. بين إلحاح و غِلظة ولده المتشنّج وبين حديث حفيدته بالبارحة .

في غضون ساعة تقريبا من الجولان بالسيارة ، أيْقن الشيخ الوالد من خلال الحديث مع ولده ، أنّ هذا الأخير منذ

حوالي عشرين يوماً ، قام بكلّ الإجراءات الإدارية والقانونيّة لكي يضمن له إقامة مريحة داخل دار العجزة ..

وأنّه أوصى به خيراً عند الإدارة المشرفة على هذه الدّار وبالتـّالي عليه أن يتأقلم مع واقعه الجديد ، حيث هناك

ثلّة من العجزة يستطيع كسب صداقتهم والتمتّع بصحبتهم .. وأنّه سيحاول زيارته كلّما سمحتْ له الظروف للقيام

بذلك .

 بجفن مغْروْرق ٍبالدّمع ،نظر الشيخ الوالد إلى ولده قائلاً :

-  لماذا فعلتَ بي هذا ؟

سيادة الدكتور يجيب :

بيني وبين زوجتي نفور وشقاق ، سببه أنت .. ومباشرة الرّعاية بك تتطلّب معاملة خاصّة ، لا يمكن أنْ تحصل

عليها باستمرار إلاّ بدار العجزة .. ثمّ هناك أمور أخرى ..

الشيخ الوالد يقاطعه :

-  كفى .. لقد وصلتني الرسالة .. وقريباً ستصلك رسالتي.

نعم .. ما هي إلاّ لحظات ويفترق الاثنان .. وكلّ ٌ ذهب إلى عالمه .

بعد شهر ونيف .. اتصال هاتفي مستعجل بين إدارة دار العجزة وبين سيادة الدكتور مفادها أنّ البقاء لله

وأنّ المرحوم ترك له رسالة مفتوحة بمكتب المدير .

تقول الرسالة :

 ولدي يقول الحقّ سبحانه :

( إنّ من أزواجكم وأولادكم عدوّاً لكم فاحذروهم ، وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإنّ الله غفور رحيم) صدق الله العظيم .

أقول لك يا ولدي ، طمعاً في رحمة الله ، فقد عفوت عنك .. لكن قبل أن أنهي رسالتي .. عليك أن تعلم ، أنّه

قبل أن تغادر بلدك إلى فرنسا من أجل الحصول على الدكتوراه وكنّا ساعتها نمرّ بضائقة ماليّة شديدة ..

وحبّاً فيكْ .. وطمعاً في أن أراك سعيداً في حياتك .. وطمعاً في أنْ أكون فخورا بك .. أتيتُ لك بالمال الذي

أنت تعلم مقداره ، ليكفيك لمدّة أربع سنوات .. بينما أنا قضيت ثلاث سنوات وراء القضبان بسبب

شيك بدون رصيد ، دفعته من أجل إنقاذ مستقبلك ، وفي كلّ مرة كنتَ تريد الدخول إلى المغرب ،

كانتْ أمك الراحلة تلحّ على بقائك هناك ، حتّى تكمّل مشوارك ، وذلك كلّه خوفاً من أنْ تعرف الحقيقة ..

وبعد خروجي من السجن ولم يبق على مجيئك إلا سنة تقريبا .. قمتُ ببيع الدّار وردّ الدّيون إلى أصجابها

حتّى لا ألقى الله ظالماً ومتعدّياً .. وما بقي من المال نصفه للكراء والباقي كان وكما تعلم عبارة عن سيارة

جديدة أهديْتها لكَ بمجرّد أنْ وطئتْ قدماك أرض المطار .. يا لسخريّة القدر .. منْ أجلكَ أبيع بيتاً فتقوم أنتَ

بإخراجي من بيتك .. وأهديك سيّارة فتحْملني فيها إلى دار العجزة .

وأخيراً .. كانت أمنيتي أن أرى حفيدتي .. لأقول لها شكراً فإنّكِ الإنسانة الوحيدة التّي أسعدتني في هذه

الدنيا بعد رحيل الغالية ...............................في رعاية الله يا ولدي .

 

 

بقلم : الكاتب و الشاعر تاجموعتي نورالدين ( فاس ) .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق