]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

حمورابي ونبوخذنصر//قصة قصيرة

بواسطة: الان صباح  |  بتاريخ: 2012-09-23 ، الوقت: 14:35:43
  • تقييم المقالة:

   في ليلة من ليالي بغداد المثيرة للجدل.. وفي حي من احيائها الشعبية التي تعج بالمفاجات المنضوية تحت جنح الظلام.. خرج سعيد من بيت اقاربه الذين كان يزورهم سالكا" الطريق في زقاق ضيق مشيا" على قدميه قاصدا" الطريق العام حيث ترك سيارته في مراب هناك اذ ان السيارات ممنوعة من الولوج الى ذلك الحي لمحاذير امنية وما الى ذلك.

   وبينما كان سعيد يمشي على مهل مستمتعا" بالجو اللطيف ونسمات الهواء المنعشة استعاد ذكريات طفولته عندما كان يلعب كرة القدم مع اترابه في ذلك الزقاق حيث كان اهله يسكنون في الماضي.. انه حيه القديم الذي يحبه ويفخر به والذي عرف اهله بالطيبة والكرم والمروءة ولم تتغير اخلاقهم رغم كل المصائب والويلات التي مر بها العراق .. انه الحي الذي انجب الكثير من الادباء والشعراء واساتذة الجامعات والاطباء والمهندسين والضباط........الخ.. حي جدير ان يمثل العراق ففيه يسكن اناس من كل القوميات والاديان والمذاهب التي يتكون منها وبكل مايحمل من مجد وشموخ.

   كان سعيد مواطنا" صالحا" اربعيني العمر اكمل دراسته الجامعية بتفوق والتحق كأي مواطن صالح بالخدمة العسكرية ليلقى به الى جبهات القتال ويؤسر في حرب 1991..وكأي عراقي يعتز بوطنه وتقاليده العريقة رفض العرض الذي قدم له في الاسر وهو ان يهاجر الى الولايات المتحدة الامريكية مفضلا" العودة الى الوطن ليعمل موظفا" حكوميا" في زمن الحصار وبراتب شهري يكفيه ليوم واحد فقط او ليومين  في افضل الاحوال..ولم يجد بدا"  من ان يعمل كسائق سيارة اجرة في المساء اضافة لوظيفته حنى يتمكن من توفير المتطلبات الرئيسية لاسرته الصغيرة..ووسط ذلك الانغماس في العمل كان يجد كل متنفسا" بقضاء ساعة او ساعتين بعد منتصف الليليمارس فيها هواية المطالعة.. فكان يقرأ مايحب من كتب الادب والتاريخ وخاصة دواوين الشعراء العراقيين وكتب تاريخ حضارة وادي الرافدين ..بقي سعيد على تلك الحال حتى سقطت بغداد بيد قوات الاحتلال في عام 2003 فتغيرت عنده بغض الامور  الا ان ولعه بالادب وبالتاريخ ظل كما هو .

   وبينما كان سعيد مسترسلا" في استعادة ذكريات طفولته توقف فجأة عن المشي وتسمرت قدماه في مكانهما عندما سمع صوت اطلاقة نارية..تبعتها اطلاقة اخرى.. ثم رشقة من الاطلاقات.. ثم رشقات متصلة من كل الجهات تصحبها اصوات سيارات مسرعة.. ارتعدت فرائصه ووجد نفسه مطلقا" ساقيه للريح.. وبينما هو يجري تعثرت قدماه بشئ اسقطه ارضا".. نهض ونظر الى ذلك الشئ فكان جثة رجل مضرج بالدماء.. تحسس بيده الشريان السباتي للرجل فوجده قد فارق الحياة.. لمح بيد القتيل قرصا" مرنا" فالتقطه سعيد وهوه خائف واناره بقداحة السكائر فوجد ان القرص مكتوب عليه (اسد بابل)..تمالك نفسه واخذ نفسا" عميقا"  فالامر مهم ويتطلب منه ان يسيطر اكثر على اعصابه .. اخذ يفكر بسرعة ولكن بشكل منطقي:(( قد يكون هذا القرص هو المفتاح للغز والسبب للقتال الدائر الان ..وهذا القتيل هو اما انه عميل لم يفلح بايصال القرص الى سيده او انه وطني حافظ على القرص .. وفي الحالتين فأن اعداء العراق لم يحصلوا عليه بعد.. اذن سيواصلون البحث عنه .. انه واجب وطني مقدس القي على عاتقي الان وعلي ان احافظ على القرص حتى اسلمه الى الجهات المختصة.. ولابد من ان اعداء العراق ليسوا من اهالي هذا الحي  وعليه فأنهم على الارجح متواجدون عند مداخله ومخارجه ليحكموا سيطرتهم .. ولو وجدوا القرص معي فسوف يقتلونني ويأخذوه.. من الافضل ان لااحاول ان احمل القرص معي الى خارج الحي الان بل اتركه عند اناس امناء  واعود الى البيت بهدوء ثم اعود في الغد لاخذ القرص واقوم بتسليمه.. سأودعه الان عند اقاربي))

   سلك الطريق نحو بيت اقاربه.. سار بضع خطوات الا انه لمح من بعيد ثلاثة مسلحين قرب البيت.. اذن فالعودة اليهم ليس بقرار حكيم.. فكر بسرعة فقرر ان يودع القرص كأمانة عند اي مواطن من اهالي الحي... فهم عراقيون شرفاء او على الاقل معظمهم كذلك.. هذا هو الخيار الوحيد المطروح امامه الان.. غير اتجاهه مرة اخرى وما ان ولج زقاقا" حتى رأى رجلين واقفين بباب بيت من البيوت القديمة.. كانت المصابيح في ذلك الزقاق متوهجة  فرأى وجهيهما..واي وجهين.. وجهين مليئين بالهيبة والوقار.. قال في نفسه((هذان عراقيان حتى النخاع.. ارى في وجهيهما عراقة الوسط ووفاء الشمال وطيبة الجنوب وكرم الغرب وهمة الشرق..كل خلية من خلايا جسميهما يصرخ :عراقي انا!.. انهما بلحيتيهما وكأنهما حمورابي ونبوخذنصر اراهما امامي هنا..انهما اهل للثقة دون ادنى شك))

   اقترب منهما وقال لهما((الوضع حرج جدا" وليس لدي وقت كاف للشرح..سأسلمكما هذا القرص الذي يحوي معلومات مهمة جدا" تتعلق بأمن الوطن وسأعود في الغد لاخذه منكما واسلمه الى الجهات المختصة))

   تناول احدهما القرص منه وقال مبتسما"((لاتقلق.. غدا" ستجدني هنا.. وهذا هو باب بيتي ورائي))

   توقفت اصوات الاطلاقات .. شعر سعيد بالاطمئنان وتركهما ليعود الى بيته واول ماسيفعله هو ان يحكي لزوجته قصة بطولته وواجبه الوطني المقدس الذي بدأ به وعليه ان يتمه في الغد.. لقد امسى سعيد اسعد رجل في العراق ..لقد اصبح بطلا" وطنيا".

   اما الرجلان فما ان غادرهما سعيد حتى سأل احدهما الاخر:((Who is that guy?...I dont know him))

فأجابه الاخر:

((Whose care?..we got theCD))

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق