]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

المُؤاخاةُ في الإسلامِ (عبد الله بن مسعود)

بواسطة: أحمد عكاش  |  بتاريخ: 2012-09-23 ، الوقت: 10:43:42
  • تقييم المقالة:

عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ  رضيَ اللهُ عنهُ

بقلم: أحمد عكاش

قالَ رسولُ اللهِ صَلّى الله عليه وسلّم: والذي نفسِي بِيَدِهِ إنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ مسعودٍ أَثْقَلُ فِي الميْزَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ أُحُدٍ.

-ومرَّ رسولُ اللهِ  صلّى الله عليه وسلّمَ بابنِ مسعودٍ وهوَ يقرأُ القرآنَ حرْفاً حرْفاً، فقالَ: منْ سرّهُ أنْ يقرأَ القرآنَ غَضّاً كمَا أُنْزِلَ، فَلْيَسْمَعْهُ منِ ابنِ مسعودٍ.

وقالَ (عمرُ بنُ الخطَّابِ) tفِيهِ: هوَ كَنِيفٌ مُلِئَ عِلْماً.

فمنْ هوَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، ابنُ أُمِّ عبدٍ؟.

اسْمُهُ:عبدُ اللهِ بنُ مسعودِ بنِ غافلِ بنِ هذيلٍ، حليفُ بني زُهْرَةَ أَخْوالِ النبيِّ r. وكُنْيَتُهُ: أبو عبدِ الرحمنِ، الهذليُّ، كنّاهُ النبيُّ rبذلكَ قبلَ أنْ يُولَدَ لَهُ. ولَقَبُهُ: صاحبُ السِّوادِ والسِّواكِ. (السِّوادُ هوَ الحديثُ والنجوى بَيْنَ اثنينِ) فهوَ صاحبُ سرِّ النبيِّ صَلّى الله عليه وسلّم وحاملُ سِواكِهِ.

صِفَاتُهُ: أهمُّ صفاتِهِ التي اشْتُهِرَ بها حمُوشةُ ساقيْهِ (أي: دِقَّتُهما) وقِصَرُ قامتِهِ ونُحُولُ جِسْمِهِ، فَكانَ شديدَ السُّمرةِ، عليه مِسحَةُ أهلِ الجاهليَّةِ، لَهُ ضفيرتانِ، حَسَنَ الخُلُقِ، لطيفاً فَطِناً، مِنْ أذكياءِ العلماءِ، يشبِهُ النبيَّ صَلّى الله عليه وسلّم في حركاتِهِ وسكَنَاتِهِ وكلامِهِ، ويتشبَّهُ بما استطاعَ مِنْ عبادتِهِ، أجودَ النَّاسِ ثوباً أبيضَ، وأطيبَ النَّاسِ ريحاً، عظيمَ البطنِ.

إِسْلامُهُ: أسلمَ قبلَ أنْ يدخلَ النبيُّ صَلّى الله عليه وسلّم دارَ الأَرقمِ، فقدْ كانَ يقولُ: لقدْ رأيْتُني سادسَ ستَّةٍ، ما على ظهرِ الأَرضِ مسلمٌ غيْرُنا، ولْنستمعْ إليهِ tيروي لنا أوَّلَ عهدٍ لَهُ برسولِ الهدايةِ rقالَ: كنتُ غلاماً يافعاً أَرْعى غنماً لـ (عُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ) بمكّةَ، فأتى رسولُ اللهِ صَلّى الله عليه وسلّم وأبو بكرٍ، وقدْ فرّا منَ المشركينَ.

فقالَ: يا غلامُ! أَعِنْدَكَ لبنٌ تَسْقِينا؟

فقلْتُ: إنّي مُؤْتَمَنٌ، ولسْتُ بِسَاقِيكما.

فقالَ: هلْ عندَكَ مِنْ جَذَعةٍ لم ينْزُ عليها الفَحْلُ بعدُ؟.

(أي: صَغيرةٌ لا حليبَ فيها).

قلْتُ: نعم.

فأتيتُهما بها، فاعْتَقَلَها أبو بكرٍ وأخذَ رسولُ اللهِ صَلّى الله عليه وسلّم الضَّرْعَ فدعا، فَحَفِلَ الضَّرْعُ (أي: امتلأَ لبناً) وجاءَ أبو بكرٍ بصخرةٍ مُقَعّرَةٍ فحلبَ فيها ثُمَّ شربَ هو وأبو بكرٍ وسَقَيَانِي، ثُمَّ قالَ للضَّرعِ: اقْلُصْ بإذنِ اللهِ.

فَقَلَصَ، فلمَّا كانَ بعدُ، أتيْتُ رسولَ اللهِ صَلّى الله عليه وسلّم فقلْتُ: علّمني منْ هذا القولِ الطيّبِ.

فَمَسَحَ رَأْسِي وقالَ: يَرْحَمُكِ اللهُ، إنَّكَ غلامٌ مُعَلَّمٌ.

فَأَخَذْتُ منْ فِيهِ بضعاً وسبعينَ سورةً، ما ينازعُنِي فيها أَحَدٌ.

(أيْ: بعدَ إسلامِهِ وصُحْبَتِهِ أَخَذَها عنْهُ مُباشَرَةً).

المؤاخاةُ في الدِّينِ: عبدُ اللهِ tصاحبُ هجرتينِ: إلى الحبشةِ ثُمَّ إلى المدينةِ المنوّرةِ، ولَمّا نزلَ المدينةَ يومَ الهجرةِ آخى رسولُ اللهِ rبينَهُ وبينَ الصَّحابِّي المدنيِّ (مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ) رضيَ اللهُ عنْهما، فكانَتْ أُخُوّةً بينَ عِملاقيْنِ مِنْ عَمَالِقَةِ المُسْلِمِينَ.

فَضَائِلُهُ:

1- مُلازَمَتُهُ النبيَّ صَلّى الله عليه وسلّم: كانَ ابنُ مسعودٍ tيرعى الغنمَ قبلَ إسلامِهِ، وبعدَ أنْ عانقَ الإِسلامُ روحَهُ، صارَ مُرافِقاً لراعي الأُمَمِ، رسولِ اللهِ صَلّى الله عليه وسلّم، وكانَ بحقٍّ مثلَ ظِلِّهِ، لا يفارقُهُ إلا سوادَ ليلِهِ بعدَ أنْ يأْوِيَ عليهِ السَّلامُ إلى فراشِهِ، وما إنْ يفتحُ عينيْهِ حتَّى يكونَ ابنُ مسعودٍ يحملُ لَهُ سِواكَهُ ونَعْلَيْهِ، وكانَ صاحبَ طَهُورِ النبيِّ صَلّى الله عليه وسلّم، يجلبُ لَهُ ماءَ وُضوئِهِ وغُسلِهِ بيدِهِ، وفي السَّفرِ إذا اغتسلَ يسترُهُ، ويمشي أمامَهُ ويُلْبِسُهُ نعليْهِ، حتَّى إذا أتى مجلسَهُ نزعَ نعلَيْهِ فأدخلَهُما في ذراعَيْهِ داخلَ كُمِّهِ، وأعطاهُ العصا، فإذا أرادَ rأنْ يقومَ ألبَسَهُ نعلَيْهِ ثُمَّ مشى بالعصا أمامَهُ، حتَّى يدخلَ الحُجْرَةَ قبلَ رسولِ اللهِ صَلّى الله عليه وسلّم، وكانَ يوقظُ رسولَ اللهِ صَلّى الله عليه وسلّم إذا نامَ، وقدْ أَذِنَ لَهُ النبيُّ rبالدُّخولِ عليهِ في كلِّ حينٍ، قالَ: يا عبدَ اللهِ إِذْنُكَ عليَّ أنْ ترفعَ الحجابَ، وأنْ تسمعَ سِوادي (أيْ: تسمعَ حديثي إلى منْ يجلسُ معي) حتَّى أَنْهاكَ.

حتَّى إنَّ بعضَ الوافدينَ جديداً يحسِبونَ عبدَ اللهِ وأهلَهُ منْ أهلِ بيتِ رسولِ اللهِ صَلّى الله عليه وسلّم منْ كثرةِ دُخُولِهِمْ وَخُرُوجهمِ إِلى بيتِ رِسُول اللهِ صَلّى الله عليه وسلّم.

2- حَامِلُ القُرْآنِ: لقدْ جنى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ tمِنْ صحبةِ النبيِّ صَلّى الله عليه وسلّم rوملازمتِهِ لَهُ؛ ثمرةً يانعةً مُباركةً، وهي أنَّ ابنَ مسعودٍ أخذَ عنِ النبيِّ بضعةً وسبعينَ سورةً، أخذَهَا منْ فمِ النبيِّ، شرِبَها من كأسِهِ قطرةً قطرةً، وخيرُ الشَّهاداتِ على ذلك ما جاءَكَ بها عَلَمٌ منْ أَعْلامِ الإِسلامِ، مثلُ الفاروقِ (عمرَ بنِ الخطَّابِ)، tفَقَدْ جاءَ (قيسُ بنُ مروانَ) إلى (عمرَ بنِ الخطاب) وهوَ بـ (عَرَفةَ) فقالَ: يا أَميرَ المؤمنينَ تركْتُ بالكوفةِ رجلاً يُمْلي المصاحفَ عنْ ظهرِ قلبِهِ.

فغضبَ عمرُ حتَّى احمرَّ وجهُهُ، ثُمَّ قالَ: وَيْحَكَ انظرْ ما تقولُ.

فقالَ: ما جئْتُكَ إلا بالحقِّ.

قالَ: منْ هوَ؟.

قالَ: عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ.

فسكنَ عُمرُ حتَّى ذهبَ عنْهُ غضبُهُ ثُمَّ قالَ: للهِ أَبُوكَ، ما أعلمُ أحداً أحقَّ بذلكَ منْهُ، وسأحدّثكَ عنْ عبدِ اللهِ: إنَّا سَمَرْنَا ليلةً في بيتِ أبي بكرٍ t، في بعضِ ما يكونُ منْ حاجةِ النبيِّ r، ثُمَّ خرجْنا ورسولُ اللهِ يمشي بيني وبينَ أبي بكرٍ، فلمَّا انتهيْنا إلى المسجدِ، إذا رجلٌ منَ المهاجرينَ يصلِّي يقرأُ، فلمَّا حاذى بِهِ رسولُ اللهِ قامَ يستمعُ لقراءَتِهِ، ما أدري أنا وصاحبي منْ هوَ، فقلْتُ: يا رسولَ اللهِ: رجلٌ منَ المهاجرينَ يصلِّي، لو رجعْتَ وقدْ أَعْتَمْتَ (أي: تأخّرْتَ عنْ بيتِكَ ليلاً) فغمزَني بيدِهِ: اسكتْ (أيْ: ضربَ جنْبِي حتَّى أسكُتَ) فقرأَ (النِّساءُ) وركعَ وسجدَ وجلسَ يدعو ويستغفرُ، فقالَ النبيُّ t: سَلْ تُعْطَهُ، سَلْ تُعْطَهُ.

ثم قالَ: منْ سَرَّهُ أنْ يقرأَ القرآنَ رَطْباً غَضّاً كما أُنْزِلَ فلْيقرأْهُ على قراءةِ ابنِ أمِّ عبدٍ.

قالَ عمرُ: فعرَفْتُ أنا وصاحبي أنَّهُ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، وكان دعاؤه الذي لا يكادُ يَدَعُهُ في صلاتِهِ: اللهمَّ إني أسألك إيماناً لا يرتدُّ، ونعيماً لا يَنْفَدُ، ومُرافقةَ نبيِّكَ محمَّدٍ rفي أعلى جنَّةِ الخلدِ.

كانَ أحدَ أربعةٍ يُرجَعُ إليهمْ في قراءةِ القرآنِ الكريمِ، فَقَدْ قال رسولُ اللهِ r: اقرؤوا القرآنَ منْ أربعةِ نَفَرٍ: منْ ابنِ أُمِّ عبدٍ -فبدأَ بِهِومنْ أُبيِّ بنِ كعبٍ، ومنْ سالمٍ مولى أبي حُذيفةَ، ومنْ معاذِ بنِ جبلٍ.

وكمْ هوَ شرفٌ عظيمٌ لعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أنَّ النبيَّ rقالَ لَهُ: اقرأْ عليَّ القرآنَ.

فقالَ ابنُ مسعودٍ: يا رسولَ اللهِ أقرأُ عليكَ القرآنَ وعليكَ أُنْزِلَ؟.

قالَ: فإنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ منْ غَيرِي.

فقرأَ عليهِ سورةَ (النِّساءُ)، حتَّى بلغَ: )فَكَيْفَ إذا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمّةٍ بِشَهِيدٍ وجئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً(فغَمَزَنِي بِرِجْلِهِ، فالتفَتُّ فإذا عيْنَاهُ تذْرِفانِ، وقالَ: منْ سَرَّهُ أنْ يقرأَ القرآنَ كما أُنزلَ فلْيقرأْهُ قراءةَ ابنِ أُمِّ عبدٍ.

3-عِلْمُهُ: إنْ كانَ عبدُ اللهِ قصيرَ القامةِ ضئيلَ الجسمِ، فقدْ كانَ عملاقاً لا يُطاوَلُ في العلمِ والفِقْهِ وتفسيرِ كتابِ اللهِ تعالى، ويشهدُ لَهُ بهذا السَّبْقِ كلُّ منْ عرَفَهُ منْ صحابةِ رسولِ اللهِ r، فهذا (عمرُ بنُ الخطَّابِ) يقولُ عنه: كَنِيفٌ (أي: وِعَاءٌ) مُلِئَ فِقْهاً.

-وقالَ أبو موسى الأَشْعريُّ: لا تسأَلُوني عنْ شيءٍ ما دامَ هذا الحَبْرُ (أيْ: العَلاَّمَةُ) بينَ ظَهْرَانَيْكُمْ (يريدُ: عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ).

وقالَ الشعبيُّ فيهِ: ما دخلَ الكوفةَ أحدٌ منَ الصَّحابةِ أنفعُ علماً، ولا أفقهُ صاحباً منْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍt.

كما أنَّ أعْرَفَ النَّاسِ بالذَّهبِ (الصَّائغُ)، كذلكَ أعرفُ النَّاسِ بصحابةِ رسولِ اللهِ r، همُ الصَّحابةُ أنفسُهمْ، لأَنَّهمْ عاشرُوا بعضَهمْ في السرّاءِ والضرّاءِ، ولأَنَّ اللهَ أعطاهمْ صِدْقَ التَوَسُّمِ، وحُسْنَ الفِراسَةِ، ولأَنَّ الأَحداثَ الجسامَ التي عَبَرَتْ بهم أظهرَتْ معدِنَ كلٍّ منهم، وأبرزَتْ صفاتِهِ، وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ أحدُ كبارِ الصَّحابةِ رضوانُ اللهِ عليْهمْ، فمَا يقولُ الصَّحابةُ فيهِ:

مرَّ بنا أنَّ عمرَ tقالَ فيهِ: (كَنيفٌ مُلِئَ فِقْهاً)، وقدْ ولاَّهُ قضاءَ الكوفةِ زمناً، وكتبَ عمرُ إلى أهلِ الكوفةِ يقولُ: إِنِّي قدْ بعثْتُ (عمّارَ بنَ ياسرٍ) أميراً، و(عبدَ اللهِ بنَ مسعودٍ) معلّماً ووزيراً، وهما منَ النُّجباءِ منْ أصحابِ محمَّد r، منْ أهلِ بدرٍ وأُحُدٍ، فاقتَدُوا بِهِما، واسمَعُوا منْ قولِهِما، وقدْ آثرْتُكمْ بعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ على نفسي. (أي: فَضَّلْتُكُمْ فيهِ على نفسي، لِحَاجَتي إلى عِلْمِهِ).

وقالَ أصحابُ عليٍّ t: كنَّا جلوساً عندَ عليٍّ، فقالُوا: ما رأيْنا رجلاً أحسنَ خُلُقاً ولا أرفقَ تعليماً، ولا أحسنَ مجالسةً، ولا أشدَّ وَرَعاً منِ ابنِ مسعودٍ، قالَ عليٌ: أَنْشُدُكمُ اللهَ أهوَ الصِّدْقُ منْ قلوبِكمْ؟. قالوا: نعم. قال: اللَّهُمَّ اشهدْ أنّي أقولُ مثلَما قالُوا وأفضلَ: قرأَ القرآنَ، وأحلَّ حلالَهُ، وحرَّمَ حرامَهُ، فقيهٌ في الدِّينِ، عالمٌ بالسُّنَّةِ.

-وحدّثَ علقمةُ قالَ: كنَّا عندَ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، فجاءَ (خبّابُ بنُ الأَرتّ)، حتَّى قامَ عليْنا وفي يَدِهِ خاتمٌ منْ ذهبٍ، فقالَ خبَّابٌ: أكلُّ هؤلاءِ يقرؤونَ كما تقرأُ؟ فأَسْمَعَهُ عبدُ اللهِ كيفَ يقرؤونَ على قراءتِهِ، فقالَ عبدُ اللهِ: أَلَمْ يَأْنِ (أي: أما حانَ وجاءَ وقتُ) لهذا الخاتم أنْ يطرحَ؟ فنَزعَهُ خبّابٌ ورمى بهِ؛ وقالَ: واللهِ لا تراهُ عليَّ أبداً.

4- عِبَادَتُهُ t:

* كانَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ إذا هدأَتِ العيونُ قامَ فسمعْتَ لَهُ دويّاً كدويِّ النَّحْلِ، منْ قراءةِ القرآنِ والدُّعاءِ، وقدْ كانَ حسنَ الصَّوتِ بالقرآنِ.

* وكانَ يخافُ جدّاً أنْ يرويَ الحديثَ عنِ النبيِّ rحَذَراً منْ أنْ يغيّرَ فيهِ شيئاً دونَ أنْ يدريَ، وقدْ حدّثَ أبو عمرٍو الشَّيبانيُّ قالَ: كنْتُ أُجَالسُ ابنَ مسعودٍ حوْلاً (أي: سنةً) لا يقولُ: قالَ رسولُ اللهِ r؛ فإذا قالَ: (قالَ رسولُ اللهِ r)، استقبلَتْهُ الرِّعدةُ، وتغيّرَ وجهُهُ وعَرِقَ ورعدَ حتَّى رعدَتْ ثيابُهُ ويقولُ بعد رواية الحديثِ: هكذا.. أوْ: نحوُ هذا. أوْ: قريبٌ منْ هذا(أي: من خشْيَةٍ أنْ يُغَيِّرَ لَفْظَ الحديثِ الشّريفِ).

* عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ منْ أولئكَ الذينَ يسهرونَ يعبدونَ اللهَ، ويقومونَ سَحَراً يستغفرونَ والنَّاسُ نيامٌ، فعنْ (محاربِ بنِ دثارٍ) عنْ عمِّهِ قالَ: كنْتُ أَمُرُّ على دارِ (عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ) سَحَراً فَأَسْمَعُهُ يقولُ: اللَّهُمَّ إنَّكَ دعوتَنِي فَأَجَبْتُ، وأَمَرْتَني فأَطعْتُ، وهذا سَحَرٌ، فاغفرْ لي.

* ومِنْ صفاتِهِ كثرةُ البُكاءِ خوفاً منَ اللهِ حتَّى ظهرَ أثرُ ذلكَ في وجهِهِ tوعَيْنَيْهِ، وقدْ قالَ زيدُ بنُ وهبٍ: رأيْتُ بعينيْ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ أَثَرَيْنِ أَسْوَدَيْنِ منَ البكاءِ.

* وعلى الرَّغمِ منْ صلاحِهِ وتُقاهُ ورضا النَّبيِّ rعنهُ وثنائِهِ عليهِ، فقدْ كانَ ابنُ مسعودٍ يُدِينُ نفسَهُ، ويضعُها دائماً موضعَ التُّهمةِ، ويرى نفسَهُ مذنِباً محتاجاً لعفوِ اللهِ ورحمتِهِ، ويرى الناسَ يرفعونَهُ مكاناً عليّاً ليسَ لَهُ أهلاً.

* ومنْ تواضُعِهِ وبُعْدِهِ عنْ مظاهرِ العَظَمَةِ والسِّيادةِ أَنَّهُ خرجَ ذاتَ يومٍ فاتَّبَعَهُ ناسٌ، فقالَ لهمْ: أَلَكُمْ حاجةٌ؟. قالوا: لا، ولكنْ أردْنا أنْ نمشيَ معَكَ. قالَ: ارْجِعُوا، فإنَّه ذِلَّةٌ للتَّابِعِ، وفِتْنَةٌ للمَتْبُوعِ.

5- أَمْرُهُ بالمعْرُوفِ وَنَهْيُهُ عَنِ المنْكَرِ:هذا دأبُ ابنِ مسعودٍ، فكلّما رأى انتهاكاً لحرمةِ اللهِ سارعَ إلى تقويمِهِ، فقدْ رأى مرّةً رجلاً قدْ أسبلَ رداءَهُ كِبْراً ومُفاخرةً، فقالَ لهُ: ارفعْ إزارَكَ. فقالَ الرجلُ: وأنتَ يا بنَ مسعودٍ ارفعْ إزارَكَ.

قالَ: إنَّ بساقيَّ حموشة،ً وأنا أَؤُمُّ النَّاسَ.

فبلغَ ذلكَ (عمرَ بنَ الخطَّابِ) t، فجعلَ يضربُ الرَّجُلَ ويقولُ: أتردُّ على ابنِ مسعودٍ؟.

-ودخلَ مسجدَ الكوفةِ مرّةً، فرأى طلاّبَ العلمِ تحلّقوا فيهِ حلقتيْنِ، ولكلِّ حَلَقَةٍ معلّمٌ، فخشيَ الاختلافَ والفرقةَ والتنافسَ بينَ طلاَّبِ العلمِ، فقامَ فقالَ: أيَّتُكما كانتْ قبلَ الأُخرى؟.

قالَتْ إحداهما: نحنُ. فقالَ لأَهلِ الحلقةِ الأُخرى: قومُوا إليها. فجعلَهمْ حلقةً واحدةً.

6- جِهَادُهُ:

يُرْوَى أنَّهُ tأوَّلُ مَنْ أسمعَ قريشاً في مكَّةَ القرآنَ الكريمَ بعدَ النبيِّ rوجهرَ بهِ: فقدِ اجتمعَ يوماً أصحابُ رسولِ اللهِ rفقالُوا: واللهِ ما سمعَتْ قريشٌ هذا القرآنَ يُجْهَرُ بِهِ قطُّ، فَمَنْ رجلٌ يُسْمِعُهُمُوهُ؟. فقالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: أنا. قالُوا: نَخْشاهمْ عليكَ؛ إنَّما نريدُ رجلاً لَهُ عشيرةٌ يمنعونَهُ (أيْ: يحمونَهُ) منَ القومِ إنْ أرادُوهُ بِسُوءٍ. قال: دعوني فإنَّ اللهَ سيمنَعُني (أي: سَيُقَوِّيني ويحميني).

فغدا ابنُ مسعودٍ حتَّى أتى القومَ في الضُّحى، وقريشٌ في أَنْدِيَتِها حتَّى قامَ عندَ المقامِ، ثُمَّ قرأَ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنُ عَلَّمَ القُرْآنَ) رافعاً بها صوتَهُ، ثُمَّ استقبَلَهَا يقرؤُهَا، فتأمَّلُوهُ، فجعلُوا يقولونَ: ماذا قالَ ابنُ أُمِِّ عبدٍ؟.

قالُوا: إنَّهُ لَيَتلو بعضَ ما جاءَ بِهِ محمَّدٌ.

فقامُوا إليهِ، فجعلُوا يضربونَهُ في وجهِهِ، وجعلَ يقرأُ حتَّى بلغَ منها ما شاءَ اللهُ أنْ يبلغَ، ثُمَّ انصرفَ إلى أصحابِهِ وقدْ أثّروا في وجههِ.

فقالوا لَهُ: هذا الذي خَشِينا عليكَ.

فقال: ما كانَ أعداءُ اللهِ أهونَ عليَّ منهمُ الآنَ، ولئنْ شئتمْ لأُغادِيَنَّهمْ بمثلِها غداً.

قالوا: لا، حَسْبُكَ، (أي: يكفيك) قدْ أَسْمَعْتَهُمْ ما يكرهونَ.

وقدْ خاضَ عبدُ اللهِ tمشاهدَ النبيِّ rكلَّها، وفي(بدرٍ) أمرَ رسولُ اللهِ rأن يُلْتَمسَ أبو جَهْلٍ في القتلى وكانَ (معاذُ بنُ عمرِو بنِ الجموحِ) قدْ ضربَهُ فبترَ قدمَهُ، ثُمَّ جاءَ (مُعَوِّذُ بنُ عفراءَ) فضربَهُ وتركَهُ وبِهِ رمقٌ، فمرَّ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ بأبي جهلٍ، فصَعِدَ على صدرِهِ وأَمْسَكَ بِلِحْيَتِهِ فقالَ لَهُ أبو جهلٍ: لقدْ رَقِيتَ مُرْتَقًى صعباً يا رُوَيْعِيَ الغنمِ.

 فقالَ ابنُ مسعودٍ: هلْ أَخْزاكَ اللهُ يا عَدُوَّ اللهِ؟.

فقالَ: وبماذا أَخْزاني؟ أَعَنْ رَجُلٍ قتلْتُموهُ؟! أَخْبِرْنِي: لِمَنِ الدَّائرةُ اليومَ؟.

قالَ ابنُ مسعودٍ: للهِ ولِرسولِهِ.

فأخذ عبدُ اللهِ سيفَ أبي جهلٍ واحتزَّ بِهِ رأسَهُ وحملَهُ إلى رسولِ اللهِ ففرحَ rبقتلِهِ وقالَ:

-الحمدُ للهِ الذي أخْزاكَ، هذا فرعونُ هذهِ الأُمَّةِ، جُرُّوه إلى القليبِ.

(أي: ارْموهُ في البِئْرِ).

وَنفَلَ النبيُّ عبدَ اللهِ سيفَ أبي جهلٍ. (أي: أعطاهُ إيّاهُ غنيمةً).

وفي أُحُدٍ: صمدَ ابنُ مسعودٍ مع النبيِّ rفي حينَ فرَّ الكثيرُ منْ أبطالِ المسلمينَ، ويشهدُ بذلك عبدُ اللهِ بنُ العبَّاسِ tفقدْ قالَ: ما بقيَ معَ النبيِّ rيومَ أُحُدٍ إلاَّ أربعةٌ أحدُهم عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ.

 شهدَ tغزوةَ تَبُوكٍ وَفِيها سَمِعَ النبيَّ عليهِ السّلامُ يقولُ عنْ (عبدِ اللهِ ذي البجادينِ) (البِجَادُ: الكِسَاءُ) وهُوَ يُنْزلُهُ في قَبْرِهِ: اللَّهُمَّ إنِّي قدْ أمسيْتُ راضياً عنهُ، فارضَ عنهُ.

قالَ ابنُ مسعودٍ: يا ليْتَنِي كنْتُ صاحبَ الحفرةِ.

وَشَهِدَ tحروبَ أبي بكرٍ وعُمَرَ، وقسماً منْ حروبِ عثمانَ بنِ عفَّانَ رضيَ اللهُ عنْهُمْ أجمعين.

مَوْتُهُ: لما حضَرَتْهُ الوفاةُ أَوْصى أنْ يدفنَ ليلاً، وأنْ يصَلِّيَ عليهِ (الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ)، ودُفِنَ في البقيعِ، سنةَ اثنتينِ وثلاثينَ وهوَ ابنُ بضعٍ وستِّينَ سنةً.

ونختمُ الحديثَ عنهُ بما قالَهُ عنهُ (أبو الدَّرْداءِ) لما بلغَهُ نبأُ موتِهِ: ما تَرَكَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ t.

انتهت

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق