]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

أيتامنا

بواسطة: سامية يوسف  |  بتاريخ: 2012-09-23 ، الوقت: 04:28:53
  • تقييم المقالة:

 

  طفل يولد وأهله في غاية الاشتياق إليه ربما ولي عهد ينتظر أن يحكم بعد عمر طويل أو ربما  جاء بعد طول حرمان ، أو كان  وريثا يتحرق والداه إليه ليرث  كل هذه الأموال والعقارات ،  أو طفل عادي يولد في ظروف عادية لأهل يرغبون بشدة في أن يتمتعوا بنعمة الأبوة والأمومة ، أو حتى أهل فقراء يرهق كاهلهم كثرة الأولاد وأتي على غير رغبة ،  ولذا فلا يستقبلون القادم على أنه شيء من زينة الحياة الدنيا ، ولكن مع ذلك فهذا الطفل محظوظ ، فالوالدين لن يستطيعا أن يخالفا مشاعرهما الفطرية التي خلقها الله وأودعها فيهما ، أكيد سيحتضنونه ويحاولون إسكاته عندما يبكي ، لن يتأففوا من تنظيفه وتغيير ملابسه  ، سيشقون من اجل توفير الغذاء والكساء له ، لن يحرموه من الاستمتاع بشيء من الهدهدة والتدليل ، سيشعر بسعادتهم عندما يبدأ في المشي أو ترديد بعض كلماته الأولى ، سيشعر بقلقهم عليه عندما يمرض وحرصهم على أن يروه سليما معافى، سيشعر أن حقيبة والدته أو حذاءها شيء يخصه فيتمسك بها إذا أراد أحدهم أن يأخذها ، لأنه يشعر أن والدته كائن مميز عن باقي خلق الله كائن يخصه هو يهرع إلى أحضانها إذا شعر بألم أو خوف ، هذه نعمة ما بعدها نعمة ، هذا الطفل الصغير العاجز الضعيف ، أشد ما يحتاج إليه  هو كائن قوي حنون من تدابير الله الحكيمة العظيمة أن أودع الله فيه من المشاعر ما لا تستطيع أموال الدنيا أن تخلقه في إنسان لمدة لحظة ، ليكون تحقيق هذه المصلحة العظيمة لهذا الصغير عن طريق تحقيق  مصلحة مقابلة هي إشباع كل هذه المشاعر والعواطف التي لا يستطيع أحد دفعها ، ولكن ماذا إذا كان هذا الطفل الذي لا ناقة له ولا جمل في سلوكيات والديه ضحية ونتيجة لهذه السلوكيات ، ماذا لو كان هذا الطفل قد أتي لأم حاولت التخلص من دليل الجريمة الباقي فضربته على رأسه الضعيف بآلة حادة لتقتله فلم يمت ولكن الضرب أدى إلى تدمير مركز الإبصار في المخ ليعيش الطفل بعاهة مستديمة ، فقد البصر على يد أقرب الناس إليه ، أو أم وضعته في القمامة فـأكل القطط بعض أجزاء من أنفه ، أو وضعته في كيس مغلق على أحد الطرق السريعة بين المحافظات لتدهسه احد السيارات المارقة ، فخيب الله أملها وأنقذه  ، هذه بعض الحالات التي رأيتها على شاشة التليفزيون والتي قيض الله لأصحابها بعض القلوب الرحيمة التي احتضنتها ، ولكن ماذا عن غيرها؟ ماذا عن مثل هؤلاء من نزلاء بعض دور الأيتام الذين لا يفهم القائمون عليها لماذا عليهم أن يقدموا لهؤلاء ما امتنع من هم أولى منهم عن تقديمه ، أو بأسلوب أدق لماذا عليهم وهم مجرد موظفون أغراب أن يشعروا هؤلاء المساكين ببعض العطف والاهتمام بينما المتسبب في وجودهم هناك هم والديهم ، أقرب الناس إليهم ، التصرف المنطقي بالنسبة لهؤلاء الموظفين هو أن يحملوا هذه الضحية جريمة الجاني ، أن يذلوهم ، أن يصموهم صباحا ومساء فأفعال ذويهم ، أن يعملوا فيهم ساديتهم وعقدهم ولن يجدوا أفضل من هؤلاء ، لهذا الغرض ، لن يغضب احد لهم ، لن يراجعهم أحد ، والحجة أن الشدة مطلوبة مع هؤلاء لأنه من المؤكد أنهم يحملون جينات الأم الخاطئة  الآثمة التي يجب أن يذكروهم بفعلتها في كل وقت ، ألا يكفي هؤلاء  كل هذا الحرمان ؟  ، طفل يولد لا يعرف له أما أو أبا مع أنهم موجودون في الدنيا ، ومع أنهم لا يفتقرون إلى مشاعر الأمومة والأبوة التي تميز غيرهم الذين  سمحت لهم سلوكياتهم الطبيعية أن يمارسوها كيفما شاءوا بينما تسببت مخالفتهم أوامر الله وشرعه في أن تنقلب هذه المشاعر إلى مشاعر مضادة ، بدلا من الخوف على أصبح  الخوف من ، أليست هذه نفوس بائسة لها حقوق على الجميع ، استنكر بشدة أي نظرة سيئة أو محتقرة لأمثال هؤلاء ، أنا ليس لي ناقة ولا جمل في النعمة العظيمة التي منحني الله إياها ، آتي لأبوين بينهما علاقة شرعية كانا ينتظراني بلهفة ، أنا لم أفعل شيئا استحق عليه هذه المكافأة ، كما أن هؤلاء لم يرتكبوا إثما ابتلوا بسببه هذا الابتلاء ، هذا الابتلاء في حقيقته موجه لنا جميعا ، تماما مثل أي شيء آخر ، يخطئ من يظن أن الفقر أو المرض ، أو اليتم هو ابتلاء لأصحابه فقط ، مع كل ما يعانون ويقاسون فربما كان ابتلاؤهم هو أهون الابتلاءات ، ظروف عليهم أن يتحملوها بأي صورة في هذه الحياة  القصيرة ، وعندما تنتهي سيتساوى ساكن القصر مع مجاور القبر ، كل شيء سينتهي ، المتعة ، والعذاب ، ولكن ابتلاؤنا هو الأصعب والأشق ، نعمة الله علي لابد أن أشكرها ، نعمة الصحة ، نعمة المال ، نعمة النشأة السليمة الطبيعية ، وشكري لها أن أشعر بمن حرموا منها  ، أن أترجم شعوري في كل لحظة كيف أن الله عافاني بما ابتلى به كثيرا من خلقه إلى محاولة لتعويض هؤلاء ، هذا التوجيه نفهمه بكل وضوح من   آيات الله العظيمة التي تذكرنا بأنه من قبيل شكر النعمة علينا أن نكرم   اليتيم  الذي فقد والده في سن ما قبل البلوغ     ، لنتدبر هذه السورة الكريمة  سورة الضحى التي  يطمئن الله فيها رسوله بأنه ما ودعه وما قلاه ويذكره بما كان عليه من يتم وضلال وفقر وكيف بدل  الله حاله فآواه     ، وهداه وأغناه ، لا يختتم الآية إلا بعد أن يوجهه كيف يكون شكر الله على كل هذا : ﭲ  ﭳ       والآيات التي تتحدث عن إكرام اليتيم كثيرة ، أما الأحاديث فمع كثرتها  فيكفينا هنا  هذا الحديث الذي يعد كافل اليتيم بمرافقة النبي في الجنة ، وإذا كان هذا هوحال اليتيم الذي فقد والده ، عائله ، ولكنه ينتمي إلى أسرة معروفة ، وينعم بحنان أم أو قد لا ينعم ، فيكون في حاجة ماسة ليس فقط إلى المال والرعاية المادية ولكن أن يحتضنه المجتمع ويوليه من الاهتمام ما يتمتع به غيره من المعافين من هذا الحرمان ،  فما بالنا بحال مجهول النسب الذي لا يعلم له أهل ، ليتخيل كل منا لو كان مكان هذا المسكين ، ماذا سيكون شعوره عندما يعلم ويفهم ويدرك هذه الحقيقة لأول مرة ؟ وما يتبع ذلك من مشاعر مختلطة متباينة عميقة أبدية ،  ، مشاعر نحو والديه المجهولين الذي تسببا له في هذا المصير وهذا النوع من الحياة ، نحو الآخرين الذين ينظرون إليه باحتقار ويعاملونه على أنه مجرم بالوراثة ، نحو المجتمع ، نفس  منكسرة ، ضائعة  نفس بشرية تنتمي إلى الجنس الذي ننتمي إليه ، نتحمل جميعا  بعد والديها مسئولية ما تكابد وتقاسي ، نفس ميتة من احياها فكأنما احيا الناس جميعا ، الإنسان يختلف عن كل مخلوقات الأرض بأنه وحده هو المكلف ، الذي سيحاسب عن أفعاله ، ولذا فالعلاقة بين والديه علاقة تختلف عنها في الكائنات الأخرى ، أتوقف أمام آية قرآنية كريمة تتحدث عن كيف تبدأ  مشاعر الأبوين تجاه فلذة كبدهما وهو ما يزال جنينا في علم الغيب ، تقول : " فلما أثقلت دعوا الله ربهما لأن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين " الأعراف:  فبمجرد ما يثقل الحمل ويبدو له كيان  داخل رحم الأم يتوجه كلا الأبوين بالدعاء إلى الله أن يأتي هذا القادم العزيز سليما معافى قرة عين لهما ، لم تتوجه الأم التي أثقلها الحمل وحدها ، ولكن في نفس الوقت يتوجه هذا الأب الذي يرتبط مع الأم بهذا الميثاق الغليظ الذي وحد هدفهما ،  ووفق مصلحتهما ، هذا التوحيد وهذه الرغبة والحرص والخوف على هذا القادم المنتظر قبل أن يأتي وقبل أن تكتحل عينيهما برؤيته وقبل أن يتجادلا هو أقرب شبها لأيهما هو ما يحتاجه هذا الكائن المسمى بإنسان ليكون سليما نفسيا ، قادرا على العطاء و منح الحنان لغيره ، لا يشعر بالعداء نحو المجتمع والحقد على أفراده .

لا يكفي لإحياء هذه النفس أن نمنحها المال ،أو نلبي احتياجاتها المادية  ليتذكر كل إنسان عندما يحمل طفله عندما يبكي ويتحمل بكاؤه الطويل بصبر بالغ ، ويكاد يبكي معه إذا عجز عن معرفة سبب البكاء ، أن يسعد إذا نجح ابنه أو حصل على درجة متقدمة وأظهر له هذه السعادة وكافأه عليها ،  أنه يوجد حوله طفل صغير لا حول له ولا قوة   لا يكترث أحد لبكائه ولا يشعر أحد بوجوده ،ولا تختلف حياته أو موته بالنسبة لأحد ، نريد أن نتطور ملاجئ الأيتام مجهولي النسب ونحدث فيها ثورة ، نتعاون جميعا لنحدث  ، ثورة في عقلية القائمين عليها ليدركوا أن التعامل مع هؤلاء الأحباب ، إما أن يرفعهم عند الله وإما أن يخسفهم ، وأن ما هم فيه هو نعمة عظيمة وفرصة لا تعوض ، يجب أن يدربوا ويوجهوا إلى ذلك قبل أن يمارسوا عملهم ، يعلموا جيدا على أي شيء هم مقبلون حتى لا يضيعوا أنفسهم من لا يرحم لا يرحم ،  إذا كان علينا أن نشعر أي طفل بآدميته ونحترم عقله ولا نهينه ، فهؤلاء أولى لأنهم في حاجة إلى تعويض نفسي أيضا ، المجتمع كله يجب أن يتعاون ، بعض الجمعيات الخيرية التي تستضيف مثل هؤلاء الأطفال تمنع أي زائر من حمل الطفل حتى لا يعتاد على ذلك ، هذا الطفل بالذات يجب أن يحمل وأن يحتضن ، وأن يهدهد ، وأن يظهر له الحب ، وأن يستضاف من حين لآخر فيعامل أفضل معاملة للضيوف ، أن يظهر له المجتمع انه جزء منه يهمه أمره ، أسأل المختصين في علم النفس والعلوم الاجتماعية والشئون الاجتماعية هل هناك من وسيلة أو نظام يجعل كل مجموعة من الأطفال يتعاملون مع مشرف أو مشرفة على أنها الأب وأنها الأم بل وينادونهم بأمي وأبي حتى لا يحرموا أبدا من هذه الكلمات الثمينة  ،   والأفضل من ذلك أن تقوم بعض الأسر بكفالتهم في بيوتهم ليعاملوا مثل أطفالهم ، وينشئوا النشأة الطبيعية ، والإسلام وشريعته هو أفضل ما يتيح مثل هذه المعاملة الكريمة ، بل ويعطي الفرصة لمثل هؤلاء أن ينعموا بصلات بنوة وأخوة تقترب من صلة النسب عن طريق الرضاعة ، طوبى لمن يسر الله مثل هذا الفضل .


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق