]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

لغتنا الجميلة

بواسطة: سامية يوسف  |  بتاريخ: 2012-09-23 ، الوقت: 04:18:33
  • تقييم المقالة:
  أما أنها جميلة فهذا مما لا شك فيه ومع ذلك فهي مع جمالها مظلومة ومبتلاة بأهلها الذين لا يقدرون هذا الجمال ولا يشعرون به ولا يحرصون على الاستزادة منه  ، كل بلاد العالم تفخر بلغتها الأم وبعض البلدان لا يتعلمون سواها ،احترام  اللغة يعكس  الحرص على الهوية   ،ولكننا لا نفعل وعلى العكس نتخذ منها أحيانا مادة للتندر والاستهزاء وتقليل الشأن ، صورة مما نعانيه من شعور بقلة شأن المواطن ،  لا أدري إذا كان من أهداف هذه الثورة العظيمة التي تحث هذا المواطن المضطهد أن يرفع رأسه عاليا فخورا بمصريته أن تجعله يفخر أيضا   بلغته الأصيلة وأن يحرص على تعلمها ؟ آمل .

مزحة أطلقها ذلك الشاعر والصحفي المعروف ,  غفر الله له  جابت الآفاق واستقرت في عقول الكثير من المثقفين على أنها حقيقة , يقول فيها إن المجمع اللغوي أراد أن يضع مقابل عربي لكلمة " ساندوتش " الأجنبية فلم يجد بعد مشقة ومجهود  غير تعبير " شاطر ومشطور وبينهما طازج " ويتخذ البعض من هذه الواقعة المزعومة دليلا على عجز اللغة العربية  وفقرها وضحالتها , والمعلومة الخاطئة سريعا ما تأخذ طريقها إلى عقول الناس طالما  أن  علمهم بلغتهم الأصيلة  ولغة أجدادهم قد حل محله جهل معيب , وطالما أن انتمائهم إلى جذورهم الثقافية ومن أهمها اللغة قد فتر وضعف وحل محله رغبة في الارتماء في أحضان الثقافات الأخرى بكل ما فيها من عيوب وميزات , ولا تحتاج عبارة ذلك الشاعر  لكثير من التمحيص لاكتشاف أنها عارية تماما عن الصحة   .                                            

  فأولا :  كلمة ساندوتش الأجنبية يقابلها في اللغة العربية كلمة  شطيرة  في المعجم الوسيط , وجمعها شطائر وهي كلمة معبرة وكثيرة الاستعمال , فالمجمع اللغوي إذن لم يسقط في يده كما يظن البعض .                   ثانيا : كلمة ساندوتش الأجنبية ليست كلمة لها معنى لغوي ولكنها تحمل اسم الشخص الذي لم يبتكر هذه الطريقة لتناول الطعام ولكن التصق اسمه بها لأنه  لم يكن يستعمل غيرها حتى لا يغادر  مائدة القمار أثناء اللعب  , والأسماء تترجم عادة كما هي فلو أردنا أن نطلق عليها بالعربية نفس الكلمة الأجنبية فلا مانع من ذلك ومع ذلك وجد لها مرادف عربي له معنى لغوي وهذا يدل على ثراء اللغة العربية .                                                                                                   

  ثالثا العبارة " شاطر ومشطور وبينهما طازج " التي تبدو وكأنها تعريف وليست كلمة مرادفة  , عبارة واضحة التهافت , لأن كلمة شاطر اسم فاعل , وهي حسب العبارة تعني أحد شقي الشطيرة وكلمة مشطور هي اسم مفعول وتعني الشق الآخر , الحقيقة أن كلا الشقين مشطور  لم يشطر أحدهما الآخر , الشاطر هو السكين فهل من المفروض أيضا أن يشتمل التعريف على السكين الذي قام بالشطر ؟ !  معذرة إذا كنت قد اضطررت إلى الاستغراق في هذا الحديث التافه ولولا أن العبارة شائعة والفكرة المترتبة على انتشارها فكرة شديدة الخطورة ما استغرقنا فيها .                                                                                              أقول إن الآثار المترتبة شديدة الخطورة لأنه ما ذا يبقى لنا إذا استهنا بلغتنا الأصيلة وإذا نظرنا إليها تلك النظرة الدونية , نحن عندئذ نكون على وشك أن نفقد هويتنا .                                                           يجب أن نعلم أن قيمة أي لغة يأتي من الناس المنتمين إليها , الناس هم الذين يعلون من شأن  لغتهم القومية أو يخفضونه ,                                                                                                                               

تقول الكاتبة البريطانية " كارين أرمسترونج " في كتابها محمد , قصة حياة النبي " وكان معظم أهل أسبانيا يعتزون بانتمائهم إلى تلك الثقافة الرفيعة فقد كانت تسبق سائر أوروبا سبقا يقاس بالسنين الضوئية , وكان كثيرا ما يطلق عليهم المستعربون المسيحيون مولعون بقراءة الأشعار والقصص العربية , وهم يدرسون فقهاء الإسلام وفلاسفته , لا  ليدحضوا  ما يقولون ولكن لتصحيح لغتهم العربية وتنميق أسلوبهم " هل يتصور أحد الآن أن بعض الأوروبيين كان  لهم كل هذا الحرص على  دراسة اللغة العربية والتباهي بمعرفتها  بين أقرانهم ؟  .                                                                                                       وأظن أنه  من سوء حظ اللغة العربية أنها ابتليت بنا الآن , اللغة العربية التي من المفروض أنها أفضل اللغات جميعا , ليس تعصبا ولا تحيزا ولكن لأنها لغة كتاب الله ,  الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه , فهل من بعد ذلك شرف , من بين مئات اللغات , اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم  , إذا كان أعداؤنا يروجون للأفكار التي تقلل من شأن هذه اللغة العظيمة , فهل نسير على نهجهم  ؟ , أليس لدينا عقل نحتكم إليه ؟  , هل فقدنا قدرتنا على التمييز  , ألا يشعر كل من ينتمي إلى هذه اللغة  بالنعمة القيمة  التي من الله بها عليه , كل إنسان يفخر أكثر ما يفخر بدينه الذي ينتمي إليه ويؤمن به إيمانا راسخا , ويعتقد أنه وسيلته إلى رضوان الله والفوز بجنته  , وبالنسبة للمسلمين على وجه الخصوص , عندما يشعر المسلم أن نعمة الله العظمى عليه والتي لا تدانيها أي نعمة أخرى هي كونه مسلما  , لأنها نعمة تتعلق بآخرته  وحياته الأبدية , فإن النعمة التي تليها مباشرة والتي لا يجب أن يغفل عنا هي انتمائه إلى هذا اللسان العربي المبين , لأنه هكذا يستطيع أن يتفهم قرآنه الكريم الذي هو أساس عبادته وعقيدته , يستطيع أن يتذوق آياته , ويتفهم حكمه وأحكامه , يستطيع أن يقرأ ويعلم تفسيره , يستطيع أن يدرس كل ما كتب الأقدمون من فقه وسيرة وغيرها .       المسلمون من غير العرب نرى البعض منهم ممن ليس لديهم إمكانية تعلم اللغة العربية , يبذلون جهودا مضنية  في تعلم قراءة القرآن الكريم ,   والشيء المذهل هو قدرة الكثيرين منهم على قراءة   كتاب الله باللغة العربية برغم جهلهم التام بها  , كنت اعتقد أنهم يحفظون آيات الله ولذلك فهم فقط يتلون ما حفظوه , ولكني اختبرت بعضهم , وكلما أشرت إلى كلمة في القرآن وجدتهم يقرأونها  قراءة   سليمة , ولكنهم لا يدرون  معناها , والبعض يحاول التعرف على المعاني في التراجم , أذكر فرحة بعض الباكستانيين عندما وفق في الحصول على ترجمة مسجلة على شريط باللغة الأردية لبعض آيات القرآن الكريم , وكيف سالت دموعه وهو يستمع إلى الترجمة التي أنارت ظلام جهله بالمعنى القرآني العظيم وأحسست ما نحن فيه من نعمة عظيمة , كيف أننا  من بين البلايين من البشر في جميع أنحاء المعمورة , اللغة العربية هي لساننا الأم فأي حظ هذا لا دخل لنا فيه وأي تقصير هذا يقع علينا العبء كله في حدوثه !؟                                          والبعض الآخر من المسلمين  الذين لا ينتمون إلى هذا اللسان  ,لا يألون جهدا في تعلم اللغة العربية ويعتبرون هذه الغاية هي أشرف الغايات جميعا ,  ومع الأسف نجد البعض منهم يتقن هذه اللغة ويتذوقها أكثر من الكثير من أهلها , الشيخ حمزة يوسف ألأمريكي الجنسية يذكر أنه عندما اقتنع بالإسلام وهو في الثامنة عشرة من عمره ترك الدراسة في الجامعة  وتفرغ لدراسة اللغة العربية حتى أتقنها وحفظ الكثير من الشعر وتفوق كثيرا على كثير من المثقفين العرب الذين لا يدركون قيمة ما هم فيه من نعمة وفضل تفضل  الله به سبحانه وتعالى عليهم , بل بدلا من ذلك تراهم يفخرون بمعرفتهم اللغات الأجنبية , وطبعا لا اعتراض أبدا على تعلم أي لغة أجنبية , ولا اعتراض أبدا على الانفتاح على الثقافات الأجنبية , بل هذا مطلوب , أمة الإسلام ليست أمة منغلقة على نفسها , إنها تأخذ من الحضارات والثقافات أفضل ما فيها أو هكذا كانت في عصر ازدهارها ,  أما الآن فهي تأخذ من الحضارة الأجنبية أسوأ ما فيها , وتتنصل من أهم مقومات حضارتنا   .

كيف هانت علينا لغتنا إلى هذا الحد ؟ هذه اللغة أمانة في أعناقنا جميعا , سنسأل عنها بين يدي الله سبحانه وتعالى إذا فرطنا فيها , نحن أكثر من أي أصحاب لغة أخرى , كل إنسان مسئول : الأسرة مسئولة مسئولية شديدة عن تعليم أبنائها  اللغة العربية السليمة , مسئولة عن زرع حب هذه اللغة والفخر بها والاعتزاز بالانتماء إليها في الأطفال منذ نعومة أظافرهم , لماذا لا نستخدم في حديثنا معهم مصطلحات عربية فصيحة نطعم بها لغتنا العامية , لماذا لا نحرص على تعليمهم مخارج الألفاظ  كما يجب أن تنطق ؟ لماذا لا نشعرهم أنها المرادف الراقي للغة العامية كما هو الحال فعلا ,؟ لما ذا لا نولي مادة اللغة العربية اهتماما خاصا لأنها واجب قومي , المدرسة مسئوليتها جسيمة , مدرس أو مدرسة اللغة العربية لا بد أن تكون على مستوى  عال جدا وليس هذا المستوى الهزيل ,                                                                                               هل يكفي أن تكون مادة اللغة العربية مادة أساسية والنجاح فيها على وجه الخصوص لا يقل عن خمسين بالمائة لنقول أننا نهتم بها الاهتمام الواجب ؟ ألا يخجلنا أننا نرى بعض الطلبة في مراحل دراسية متقدمة تمتلئ كتاباتهم  ليس بالأخطاء النحوية ولكن  الإملائية   الفاضحة ؟ خطأ من هذا ؟ خطأ النظام التعليمي الذي يسمح بمرور هذه المستويات الضعيفة اعترافا منه وتقديرا للقصور الشديد في عملية التعليم وأن وجود أمثال هؤلاء الضحايا شيء طبيعي , لا بد أن نفعل شيئا لرفع مستوى اللغة , نحن نهتم الآن بتعليم اللغات الأخرى , الإنجليزية على وجه الخصوص  في مراحل التعليم الأولى وهذا شيء محمود ولكن ينبغي أن يكون اهتمامنا بتحسين مستوى لغتنا القومية أضعاف ,  أضعاف ,  ذلك , تبذل الجهود لتحسين مستوى التعليم والنهوض به , يجب أن يكون للغة العربية نصيب خاص من هذا الاهتمام حتى بالنسبة للمدارس الأجنبية , لأن تلاميذها ليس من المفروض أن يفوق احترامهم للغة الأخري احترامهم للغتهم الأم  , قبل تعيين مدرسي اللغة العربية يجب أن يجرى لهم اختبار مثل اختبارالتويفل                                                                               والآن إلى الإعلام , هل أبالغ إذا قلت إنني أشعر بكثير من الاحترام للمذيع أو المذيعة التي تفرق في نطقها بين ال الشمسية والقمرية , فالعرف السائد في إعلامنا أن جميع ال  قمرية حتى في كلمة الشمس , النطق بهذه الكيفية يا سادة يصدم الأذن يكاد يخالف الفطرة , معرفة الحروف بعد ال التي تكون فيها ال شمسية أو قمرية ليست نوعا من المعلومات الخاصة جدا , من المفروض أن الطفل يتعلمها في بداية تعليمه , هذا بالإضافة  إلى مخارج الحروف التي لا نستطيع فيها أحيانا أن نفرق بين الطاء  والتاء ,الصاد والسين ,  ناهيك عن القافات , نطق الحروف بهذه الكيفية يعكس عدم احترام لغتنا القومية  هل نستنتج أن  جميع هؤلاء المذيعين لا يستطيعون قراءة القرآن الكريم ؟ أين القائمون على التليفزيون أين هؤلاء الذين يزعمون أن ارتداء المذيعة للزي الشرعي وظهورها بالمظهر الإسلامي اللائق ,  وتنفيذ أوامر الله لا يتمشى مع قيامها بواجبها الإعلامي على ما يرام !  ويزعمون أنهم أعلم بصالح العمل الإعلامي !  , فهل من صالح العمل الإعلامي هذا المظهر الثقافي المخجل الذي يمسه في  الصميم  ؟ هل من الصعب جدا ضمن الاختبارات التي تجرى للمذيعين أن نهتم بكيفية نطقهم للحروف , وقواعد النحو البسيطة ؟ أقترح أنه  كما تقوم بعض القنوات التليفزيونية مشكورة بتعليم قواعد تجويد القرآن الكريم , لماذا لا نخصص وقتا  أيضا لتعليم أساسيات اللغة العربية , لماذا لا تكون هناك دورات في هذا  مثل دورات تعليم الكمبيوتر ؟

يزعم كثير من الناس أن اللغة العربية لغة صعبة , وأن قواعد النحو والصرف كثيرة ودقيقة , فليكن ,إنها لغتنا ولا مفر من تعلمها , ليس مطلوبا من الجميع أن  يكونوا على علم بجميع قواعد النحو والصرف وغيرها  هذا عمل المتخصصين , , ولكن على الأقل بالقواعد الأساسية ,  لا يليق مثلا أن نأتي بالاسم بعد حرف الجر من أو على وعلى آخره  ضمة  أو فتحة  , ثم هل  نحن أقل كفاءة أو ذكاء من أهل الكثير من اللغات الأخرى الأكثر صعوبة , هل نحن أقل عزما  من أصحاب الألسن الأخرى الذين يتعلمون اللغة العربية ويتقنونها , الدكتور موريس بوكاي الطبيب الفرنسي صاحب المقارنة المعروفة بين الإنجيل والقرآن والتوراة في ضوء المعارف الحديثة ذكر أنه في البداية لم يكن له أي معرفة بالقرآن الكريم ولكن عندما فوجئ بوفرة الآيات القرآنية ذات الطابع العلمي  صمم على أن يدرس القرآن من مصدره الأصلي وليس من الترجمة فقام بدراسة اللغة العربية , ثم قام بدراسة القرآن الكريم آية آية , أي مجهود بذله هذا ؟ أليست معرفتنا بلغة القرآن الكريم التي هي من حسن حظنا لغتنا القومية غاية عظيمة تهون معها كل الجهود ؟.

 

 .

 .

 

 
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق