]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فر من المدخن

بواسطة: سامية يوسف  |  بتاريخ: 2012-09-23 ، الوقت: 03:55:16
  • تقييم المقالة:
   أنا سيجارة عادية لا أزعم أني من النوع الفاخر أو الغالي ، ومع ذلك أشعر  بالفخر بقدراتي العظيمة على إحداث كل هذا التأثير على من يدخنني ، عندما يخرجني من علبة سجائره  ثم ينفضنى ، ويقوم بإشعالي ويقبض علي بإصبعين ، فيضعني في فمه ، ثم يحلق في السقف ويبدأ في نفث الدخان فأعطيه هذا الشعور وكأنه ملك العالم ، وقد يكون فقيرا معدما ينتزع ثمني من فم أطفاله الجياع ، أو مريضا بالقلب ، يحذره طبيبه ألا يأتي إليه مرة أخرى إذا لم يستطع أن يتخلص من ضعفه أمامي ، أو صائما يعد الدقائق والثواني على انتهاء وقت الحرمان والجميع يحذر الاقتراب منه ، لأنه بعيدا عني لا يمكن توقع ردود أفعاله ، أو طالبا يحصل على مصروفه من والده فيشتريني ويدخنني خلسة بعيدا عن أعين من في البيت ،  وكثيرا ما سألت نفسي ، هل هذا  الإنسان مسير أم مخير ؟ هل الأفعال التي يقوم بها من أول شرائي على حساب ميزانية المنزل أيا ما كان حالها ، إلى أن يلقي بالبقية الباقية مني ، أحيانا يطأها بقدمه ، وأحيانا لا يفعل ، هل هي أفعال لا إرادية ؟ أم هل هذا الإنسان كائن مسلوب الإرادة ، مهما  كانت هذه المتعة التي أحققها له ماذا تساوي بجوار الأضرار العظيمة التي يعلم في أغلب الأحيان أني أسببها ، الأطباء يحذرون : أمراض قلب ورئة ، ودم ، وأورام ، وعيون ، وأسنان كريهة ، لو كنت مكان هذا الإنسان لقلت لنفسي : أنا إنسان ، كائن كرمه الله على كثير ممن خلقه وفضله عليهم تفضيلا ، الله أعطاني عقلا مميزا عن جميع الكائنات الأخرى على الأرض ، وجعل لي  سيطرة كاملة على رجلي التي تحملني لبائع السجائر وعلى يدي التي تشتري السيجارة وتشعلها ، وأعطاني إرادة قوية  استطعت أن أصل بها إلى القمر    ،  أنا وحدي الذي خلقني الله لأكون خليفة في الأرض ، أنا وحدي الذي أسند إلى مهمة إعمار هذه الأرض ، وهداني لمعرفة القوانين والسنن ،  أنا وحدي الذي جعلني مكلفا أحاسب على أعمالي على مستوى مثقال الذرة ، فلا تزول قدمي أمام الله  حتى أسأل عن مالي كيف كسبته وفيم أنفقته ، فماذا سأقول : أنفقته على دخان نفثته  في الهواء بعدما يكون فعل بي الأفاعيل ، لو كنت مكان الإنسان لقلت لنفسي ، لماذا هذه الازدواجية ، ألست أنا الذي أرفض العبودية والذل والخضوع ، ألست أنا الذي أرفع شعار الحرية والتحرر من كل القيود المقيته  ، ألست أنا الذي ضحيت بروحي ، وعلى استعداد أن أضحي بها ، وأضحي ببصري وأنا غير نادم من أجل غيري أن يعيش عزيزا ولكي اشعر بإنسانيتي وآدميتي التي لا تقف طلباتها عند الماديات مثل المخلوقات الأخرى ؟ ،فكيف أكون أنا نفسي سببا في الأذى لهذا الغير ؟ وكيف أكون أسير هذه الماديات في أسوأ صورها؟ و لماذا تقصر نفس هذه المشاعر الإنسانية الراقية عن إدراك ما يمكن أن تعانيه   أرملة معدمة تعول أيتاما لهم أعين لا تفوتها رؤية الفاكهة عند بائعها وأنوفا لا تعجز أن تشم رائحة الأطعمة الممنوعة ،  أو  عليهم أن يقنعوا بالنظرة الحسيرة  إلى طفل مثلهم حملته أمه بكل ما أشار إليه أصبعه من أصناف وأسماء مبتكرة لأشكال من الأطعمة النافعة والضارة بينما أنفق مالي على دخان في الهواء  ، لماذا لا يسأل نفسه : إذا كنت انشد المتعة والسعادة فماذا لو استبدلت بعلبة السجائر أو بثمن بضع علب ، شيء من اللحم أو الفاكهة أو حتى الخبز أدخل به السرور على قلوب هؤلاء الذين كان من الممكن أن أكون أحدهم ،وكوني لست هكذا هو فضل الله المطلق الذي لا ناقة لي فيه ولا جمل ، سرورا يشعرهم ويشعرني بآدمية كلينا وإنسانيته ، وأنصرف وأنا أؤمن على دعوات هذه الأم  لي واسترجع نظرات أطفالها الممتنة كلما لاح لخاطري شيطان السيجارة ، هل هذا الكلام مثالي ، غير قابل للتطبيق ؟ كيف ؟ هل يعجز شعب ضحى الكثير من أفراده   بنعمة البصر  أن يضحي بنقمة السيجارة   ؟ تقول الهدف مختلف ،كلا لو دققت ستجد أنه نفس الهدف ، رفض العبودية والخضوع ، من أجل مصلحة الوطن  العامة  وأفراده  نعم الإصرار على التدخين يعني أن هذا الإنسان قد أصبح عبدا للسيجارة  أو للمتعة الزائفة المؤقتة للتدخين ، وإلا فما هو التفسير المنطقي المعقول وراء الإصرار على سلوك ليس فيه فائدة واحدة ولكن أضرارا من كل صنف ولون ، ولماذا يحتاج نفس هذا الإنسان إلى مرض عضال يجبره على استجماع عزيمته للتخلص من هذه العبودية  ؟ لو كنت مكان هذا الإنسان لتفهمت حديث النبي عليه الصلاة والسلام: " فر من المجذوم كما تفر من الأسد " أنا لا أفهم أن النبي كان يعطي محاضرة علمية عن كيفية اتقاء الأمراض المعدية الخطيرة ، فليست هذه مهمته ، ولكن يوجهنا توجيها دينيا رشيدا حكيما ، يقول لنا إن صحة الإنسان أمانة في عنقه سيحاسب أمام الله إذا فرط فيها ، وأن  التوكل على الله لا يعني ألا نأخذ بالأسباب فلا نتهاون في  وقاية  أنفسنا ولا نلقي بها إلى التهلكة ، والعلم يخبرنا أن المدخن لا يؤذي نفسه فقط ولكن وربما بصورة أسوأ كل المحيطين به أسرته ، أطفاله ، زملائه ، مجالسيه ، فهم يدخنون إجباريا معه ، وعلى ذلك أنا لا أرى أن حال المدخن   يختلف كثيرا عن حال المجذوم إلا في أن الأخير غالبا لا ناقة له ولا جمل فيما ابتلاه الله به ، بينما الأول هو الذي يصنع كل هذا بنفسه وبمن حوله ، فكيف يقبل إنسان باختياره بدلا أن يكون مصدر سعادة وتيسير لهم يكون مصدر إزعاج وتخوف ، وضرر منتظر ، وأن السلوك الرشيد المفترض من هؤلاء أن يبادروا بالفرار منه  ، لو كنت مكانه لقلت لماذا كل هذا الضعف والتخاذل ، ماذا لو صممت ، وعزمت وتوكلت على الله ، وأقسمت على نفسي ألا استسلم ، ألم ينجح الآلاف في الانتصار على أنفسهم فلماذا أكون أقل قدرة من غيري على استنفار قدراتي وإخراجها من مكامنها ، نعم سأتعرض لبعض المتاعب  ولكن أليست هذه الحياة كلها متاعب ، أليست اختبارا لقدرتنا على مغالبة أنفسنا ،  هذه المتاعب أتوقعها جيدا فلماذا لا استعد لها ، وأرغم نفسي على تجاوزها ، لو أخلصت لأمكنني أن أتحول من كائن شره للتدخين يشعل السيجارة من السيجارة ، إلى إنسان سعيد بقوته وسيطرته على نفسه لا يكاد يطيق رائحة الدخان بل ويفر من المدخن . قلت في بداية كلامي أني سعيدة لأني أملك كل هذا التأثير على الإنسان  ، ولكن في الحقيقة أنا لست سعيدة ، لأنه تأثير شديد السوء ، ومع ذلك فأنا في الحقيقة لست مسئولة عنه ، المسئول هو الإنسان الذي يزرع ويصنع ، ويستورد ويبيع ويشتري ، ويشعل وينفث ، أنا في الحقيقة بريئة من هذه اللعنة ، فليست لي أي إرادة فيما يفعله هؤلاء الآدميين بي وما أفعله بهم        ،
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق