]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

فقه الدعاء في قصص القرآن الكريم ) سيدنا يوسف عليه السلام

بواسطة: اسرة القطاوى  |  بتاريخ: 2011-08-06 ، الوقت: 20:23:49
  • تقييم المقالة:

الغرائز والطبائع البشرية والمواقف الإنسانية وتأثير هذه الطبائع والغرائز في الحياة الاجتماعية وتأثير الدعوة الربانية في إصلاحها في إصلاح هذه الغرائز والطبائع وتهذيبها وتوجيهها.
تتحدث عن الفساد والخراب الخلقي والانحلال الذي يعتلي الحياة الاجتماعية لبعض الطبقات ،وتتحدث عن الصراع؛ صراع الشهوة والغريزة الجنسية بين ثبات وصمود الأنقياء الأتقياء من الشباب الصالحين وعباد الله المخلصين وبين المتدهورين المنحطين من المترفين الفاسدين.
تتحدث عن عاقبة الصبر والثبات في الشدائد والمحن والابتلاءات وهذه العاقبة هي التمكين في الأرض.
كل هذه الجوانب الإنسانية تتحدث عنها هذه السورة العظيمة في قالب قصصي بديع، وأسلوب قرآني رفيع ،ولكن القصص القرآني يتحدث عن الحقائق وليس عن الخيالات ، إنه يتحدث عن تجارب الأمم السابقة ،وبعض الشخصيات السابقة من الأنبياء والمرسلين أو من غيرهم أو ما واجههم من حوادث ووقائع ومواقف كلها حقيقية ثابتة فالقصص القرآني حقيقي ، ولهذا بدأت هذه السورة العظيمة سورة يوسف وهي أروع مثال للقصص القرآني حيث بدأت بقول الله تعالى في الآية الثالثة منها: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين) [يوسف:3]. وختمت هذه السورة بقوله تعالى في آخر آية منها: (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) [يوسف:111].
التوبة والاستغفار والدعاء في قصة يوسف عليه السلام :
كذلك نجد في قصة يوسف عليه السلام قصص التائبين المستغفرين، وأثر التوبة والاستغفار في الحياة، ومن يتتبع الدعوة إلى التوبة والاستغفار في القرآن يجد أنه ما من نبي إلا أمر قومه بهما.
ويجد أن في الاستغفار سهولة على اللسان، مع أنه من أخص الدعاء ؛والدعاء هو العبادة كما في الحديث، وقال الله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" (غافر: من الآية60)، فالتوبة والاستغفار من السمات الظاهرة في سورة يوسف عليه السلام.
- نجد في قصة يوسف عليه السلام استثمار الفرص، وخاصة من قبل يوسف عليه السلام في السجن، قبل السجن، بعد السجن، وهو عزيز مصر، والأمة بحاجة إلى أن تستثمر الفرص استثماراً حقيقياً في موضعه.
- نجد أيضاً الصبر وعاقبته، وبياناً لبعض أنواعه قال الله تعالى في سورة يوسف :(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) (يوسف: من الآية18)، كما صبر يعقوب عليه السلام، وكما صبر يوسف فقد قال اله في حق الصابرين : (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف: من الآية90).
- وأخيراً نجد الإحسان في سورة يوسف، والإحسان أشمل مما يفهمه كثير من الناس، بل كثير من الناس يفسر الإحسان بمعنى قاصر، وهو إعطاء المحتاج، أو التصدق على المحتاج، غير أن الإحسان في سورة يوسف، ورد في قرابة خمسة مواضع، في كل مراحل حياته، فكان سبباً من أسباب السؤدد والقوة والتمكين.
أهمية الدعاء فى حياة الأنبياء والمؤمنين :
ومن خلال ما سبق نجد أن الدعاء من صفات عباد الله المؤمنين فهم يتوجهون إلى الله عز وجل بالدعاء حتى يثبتهم، فالدعاء من أقوى ما يعين المسلم على ذلك فقد روي عن جابر ابن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنّ الدعاء سلاح المؤمن". () وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لأصحابه بالثبات، ومن ذلك دعاؤه لعبد الله بن رواحه: "وأنت فثبتك الله يا ابن رواحه، قال هشام : فثبته الله أحسن الثبات، قتل شهيداً،وفتحت له الجنة ودخلها. ()
ومن كان حريصاً على الدعاء يلهج به في كل وقت تذكيراً له لاتخاذ أسباب الثبات والحذر من أسباب الزيغ والانحراف؛ والدعاء فيه تذكير بمحاسبة النفس عن كل مؤثر على مسيرة القلب، ومن الأدعية في ذلك:(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا )، (ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا)، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا في أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) آل عمران:147، وكما قال صلى الله عليه وسلم : "قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللَّهُمَّ مُصَرِّف الْقُلُوب صَرِّفْ قُلُوبنَا عَلَى طَاعَتك ". () ونجد كثيرًا من الأدعية تركز على معنى الثبات،ومن ذلك دعاء عبد الله بن مسعود:"اللهم إني أسألك إيمانًا لا يرتدّ ونعيمًا لا ينفد .() ولقد استعان يوسف عليه السلام بالثبات أمام كيد النساء بالدعاء، فتوجه إلى الله (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ و َإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) يوسف:33.
ذكر الله أمان للعباد :
قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) الأنفال:2، فذكر الله من أعظم أسباب التثبيت..تأمل في هذا الاقتران بين الثبات وذكر الله في قوله عز وجل:( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً)الأنفال:45. فجعله من أعظم ما يعين على الثبات في الجهادوقال الله تعالى أيضا :(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) الأنفال:12. ()
ولقد استعان يوسف عليه السلام بذكر الله في الثبات أمام فتنة المرأة ذات المنصب والجمال لما دعته إلى نفسها ؟ ألم يدخل في حصن " معاذ الله " فتكسرت أمواج جنود الشهوات على أسوار حصنه ؟وهذا يتجلى في قوله تعالى :(وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ في بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) يوسف:23.وكذا تكون فاعلية الأذكار في تثبيت المؤمنين. وإذا غفل المؤمن عن ذكر الله تعالى جثم الشيطان الرجيم على قلبه، وانبسط عليه، وبذر فيه أنواع الوساوس، التي هي أصل الذنوب كلها، قال تعالى: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) المجادلة:19، فإذا ذكر العبد ربه عز وجل، واستعاذ به انخنس وانقبضوفي هذا نجد قول قتادة: والله ما نسي قوم ذكر الله عز وجل إلا باروا وفسدوا . ()
دعاء يوسف عليه السلام : أن الله تعالى لطيف وكيف نتعلمها من قصته ؟:
قال تعالى: { إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } [يوسف: 100].
فهذه الآية الكريمة جاءت بعد أن وَصَل إلى يوسفَ - عليه السلام - أبوه وإخوته وسجدوا له وتَحقَّقتْ رؤياه - عليه السلام - حيث قال الله تعالى: { فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ (99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } [يوسف: 99، 100].
ومَنْ يتأمل هذه السورة الكريمة يفهم شيئًا يفيده جدًّا من معنى اسم الله "اللطيف"، فكل سورة يوسف من أولها إلى آخرها.. كلها لُطْفٌ من الله عز وجل .
وانظر إلى ألطاف الله تعالى المُتتابِعة على يوسف - عليه السلام - ، حتى وَصَل إلى ما وصل إليه كما عَلِمنا في نهاية قصته. فنحن لسنا بصدد التفسير للسورة الكريمة، وإنما نختصر فقط مواضع اللطف اختصارًا يُظْهِر المطلوب في الاسم المشرَّف:
اللُّطْف الأول: أن الله تبارك وتعالى لَطَف بيوسف - عليه السلام - ، فجعل إخوتَه هؤلاء يَكِيدون له كيدًا: { إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ } [يوسف: 8، 9].
وتُرى لو لم يكيدوا له كيدًا، يعني لو لم يأخذوا يوسف من أبيه ويذهبوا به لـ { يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ } [يوسف: 12] كما يقولون، ثم بعد ذلك يُلقوه في غياباتِ الجُبِّ () ويرجعوا إلى أبيهم.. تُرى لو لم يحدث ذلك منهم هل كان سيحدث ما حدث؟!
فأول هذا اللطف: أنهم قد أخذوا يوسفَ من أبيهم يعقوب - عليه السلام - ، وأبوهم لا يريد أن يأخذوا يوسفَ معهم أبدًا؛ لأنه لا يأمَنُهم عليه، ولأنه يعلم أن الشيطان لن يتركهم حال أَخْذِهم ليوسف - عليه السلام - ويأتي لطفُ الله تعالى على خلاف ما يريد يعقوب عليه السلام .
فجَعَل الله تعالى من الكَيد لُطفًا، وهو ما يُعَلِّم المرءَ أن قضاء الله كلَّه حَسَنٌ، وأنه مطالَبٌ بعبودية الله تعالى في السراء والضراء، وأن ما يظنه شرًّا إذا هو الخير من حيث لا يعلم.
فلُطْفُ الله تبارك وتعالى الأول بيوسف: أنَّ يعقوب أطاع أولادَه فأخذوا يوسفَ منه، ولو لم يكن أولُ لطفٍ كذلك لَمَا وصلنا إلى هذه النهاية التي جاءت في آخر السورة.
واللطف الثاني: أنه - سبحانه وتعالى - صَرَفهم عن أنْ يقتلوه - عليه السلام - أو أن يَطْرحوه أرضًا، لكي يَجِدَه هؤلاء السيَّارة - القافلة - ويأخذوه ويبيعوه لعزيز مصر.
فانظر إلى لُطْف الله تعالى في هذا السياق!
وانظر إلى قوله تعالى على لسان اخوته: { اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا } ، و"اطْرَحُوهُ أَرْضًا" يعني: انْفُوهُ إلى أرضٍ بعيدة لا يمكن أن يَصِل فيه يوسفُ إلى أبيه بعد ذلك () .
ثم يقول قائلٌ منهم: { لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ } [يوسف: 10].
وكان يمكن أن يقتلوه أو يطرحوه أرضًا كما اتفقوا، لكنَّ اللهَ تعالى قد قَدَّرَ ليوسف - عليه السلام - أن ينشأ في بيت العزيز؛ ليتحول الحالُ ويرجع أبوه ويرجع إخوتُه ليسجدوا له، كما سنرى في بقية القصة.
تُرى لو أُلْقِي في أرضٍ بعيدةٍ هل كانت ستتحقق هذه الأحداث؟! فكان إلقاؤُه إذًا في الجُبِّ لُطْفًا.
والثالث: أنه كان يمكن ألَّا يذهبَ به هؤلاءُ السيارة - الذين وجدوه - إلى مصر، لكن هذا لطف الله تعالى به: أنْ ساقَهُ - سبحانه وتعالى - إلى مصر؛ ليتحول المُلْكُ له ويَجِيئه إخوتُه كما ذكرت الآيات.
والرابع: أنه كان يمكن أن يَشْتريَه أحدٌ غير العزيز وامرأته؛ فما الذي يجعل عزيز مصر نفسه يشتري طفلًا عبدًا قد أُلْقِي به في هذا الجُبِّ؟! فكان يمكن أن يشتري من أشراف الناس عبيدَهم الذين يستحقون أكثرَ من ذلك، ولكن هذا لطف الله تبارك وتعالى.
اللطف الخامس: أَخَذَهُ بعد ذلك عزيزُ مصر، ونشأ هناك، وراودته عن نفسه امرأةُ العزيز.. لماذا؟! لِيدخُل السجن.
تُرَى لو لم تُراوده امرأةُ العزيز عن نفسه، لَبَقِيَ عبدًا في بيتها إلى النهاية، وما تحقق أبدًا هذا الذي قد تحقق له إلا لَمَّا أُخِذَ إلى السجن.
السادس: أُخِذَ إلى السجن.. فجاء لُطف اللهِ تبارك وتعالى ،التالي:
دخل معه السجنَ فتيانِ، وكان لكلٍّ منهما رؤيا رآها، كما قال الله تعالى: { وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } [يوسف: 36]. ففسَّر لكلٍّ منهما رؤياه: { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } [يوسف: 41]، فعُلِمَ حينئذٍ معرفةُ يوسف - عليه السلام – بالتَّعْبير () .
ولما رأى المَلِكُ رُؤياه أخبره الذي نجا منهما بمعرفة يوسف بالتعبير، ثم أوَّلها له يوسفُ - عليه السلام - ، فقال الملِكُ: { ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ } [يوسف: 50، 51]، فظَهَرَتْ براءتُه - عليه السلام - ، وذلك من لُطْف الله تعالى به.
السابع: ولما ظهرت براءة يوسف - عليه السلام - قال المَلِكُ: { ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي } [يوسف: 54]، فقال يوسفُ - عليه السلام - : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ } [يوسف: 55]، فتحول المُلْك ليوسف - عليه السلام - حينئذٍ.
وجَرَتِ الأحداثُ بعد ذلك بين يوسف وإخوته وهم لا يعلمون أنه أخوهم، حتى عرَّفهم في النهاية: { ... أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَن اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِن اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ } [يوسف: 90، 91].
ولو لم يكن كذلك لَمَا كان يمكن أن يأتي بأهله.. بأبيه وخالتِه () - التي هي كأمه كما في الحديث () ؛فلو لم يكن يوسفُ - عليه السلام - في حاشية المَلِك، لم يكن عزيزًا لمصر أبدًا، ولم يجعله على خزائن الأرض. فلو لم يكن ذلك فمِن أين كان سيرى إخوته؟! ومن أين سيَرُدُّ لهم بضاعتهم ؟ ومن أين سيقول لهم: { ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ } [يوسف: 59]؟ إلى غير ذلك مما ذكر الله تبارك وتعالى في قصته - عليه السلام - .
فكل هذه المعاني من أولها إلى آخرها فيها لطفُ الله تبارك وتعالى، فاللهُ جل وعلا هو الذي قد أَبْدَعَها، يعني اخترعها على غير مثال سابق، فهذه القصة مُرَتَّبة بترتيبه هو - سبحانه وتعالى - لا دَخْلَ لأحدٍ فيها البتة، وكلُّ شيءٍ في العالم ترتيبُه. كلما عَرَض ليوسف - عليه السلام - عارِضٌ، إذَا بعناية الله تعالى تأخذه إلى الحال الأخرى التي يُريدها اللهُ تبارك وتعالى، وهكذا.. حتى وصل إلى قوله لما خَرُّوا له سُجَّدًا: { يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي } [يوسف: 100] أي: بهذا اللطف الذي رَتَّبَ به الربُّ - عز وجل - هذه الأحداثَ لِتَصِلَ إلى هذا الحقِّ الذي وصلت إليه القصةُ في نهايتها.
ثم قال عليه السلام : { وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ } ، و"السِّجْن" هنا بمعنى: الجُبُّ، بدليل أنهم لم يَرَوْهُ في السجن؛ فيوسفُ - عليه السلام - لا يريد أن يُحْرِج إخوتَه بتَذْكيرِهم بالجُبِّ، ولكنه قال: { مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي } ، وهذا أدبٌ آخر من يوسف - عليه السلام - مع إخوته: فلم يكن بينه وبين إخوته نَزْغُ الشيطان؛ حيث كان صغيرًا وهم كِبارٌ، وهم الذين سَعَوْا به إلى أن يقتلوه أو أن يَطْرَحوه أرضًا أو أن يُلْقوه في الجُبِّ، ومع ذلك تأدَّب معهم حتى لا يُحْرِجَهم، قال: { مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي } ، فلم يَنْزِغ الشيطانُ بينهما، وإنما كان نَزْغُ الشيطان فيهم، وكانت المخالفةُ منهم، وكان منهم ما وقع بأبيهم حتى ابْيَضَّتْ عيناه من الحزن..و كان منهم كل ذلك، ولم يكن من يوسف - عليه السلام - أبدًا، ولكن هذا هو الأدب الذي رأيناه منه - عليه السلام - : { مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي } ..
ولذلك في النهاية قال: { إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ } يعني: إن ربي لطيفٌ بما يشاء أن يلطف به، وبِلُطْفه قد قَدَّر ذلك كله، ورَفَقَ في إيصاله على هذا النحو؛ لِيتمَّ ذلك المراد لله تعالى، وقال تعالى : { إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } : "العليم" بما كان وما يكون وما كان لو كان كيف كان يكون، و"الحكيم" في تقدير هذه الأمور وترتيبها على ما حَدَث؛ لترى قدرة الله تعالى وترى تربية الله تعالى.. وترى ترتيب الله تعالى.. وترى لطف الله تعالى، الذي يُرَتِّب لهم ويوصِّل لهم برفقه من حيث لا يحتسبون ومن حيث لا يعلمون.
ولو رأى المرءُ ظاهرَ هذه الأمور كلها على هذا النحو لكان له تخيُّلٌ آخرُ؛ يقول: لا يمكن هذا.. وهذا ما كان ليحدث، ولماذا حدث هذا؟ ولماذا كان هذا الترتيب؟... إلى آخر ذلك. وإذَا بترتيب الله تعالى على هذا النحو من اللطف من أول القصة إلى نهايتها.
وهذا يُعَلِّم المرءَ أنَّ اليُسر كامِنٌ في العُسر، ويعلمه أنْ يَرضى بقضاء الله كله، وأن يُفوض ويسلِّم لله تعالى في اختياره، وأن يتَّهم عقلَه القاصر وفَهمه الكليل عند تقدير حكمة الله تعالى في الأشياء، وأنَّ وراء ذلك ما لا يعلمه أو يصل إليه علمُه.. فضلًا عن أن يدرِك حكمتَه أو أن يُلِمَّ بعاقبته.
نبي الله يوسف -عليه السلام- وهو في السجن يعاني قهر الظلم ولا يترك الدعوة إلى الله :
وهذا نبي الله يوسف -عليه السَلام- وهو في السجن يعاني لوعة الغربة وألم البعد وقهر الظلم لا يترك الدعوة إلى الله بل حين يسأله السجينان معه عن تأويل الرؤيا يبدأ بقوله: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ)(يوسف: 39، 40).
إن المسلم الذي تغلغلت الدعوة في شغاف قلبه لا يفتر لحظة واحدة عن دعوة الناس إلى دين الله تعالى، مهما كانت الظروف قاسية والأحوال مضطربة، والأمن مفقود بل ينتهز كل فرصة مناسبة لتبليغ دعوة الله تعالى، هذا نبي الله تعالى يوسف -عليه السلام- حينما زج به في السجن ظلماً، واجتمع بالسجناء في السجن، فلم يندب حظه، ولم تشغله هذه الحياة المظلمة عن دعوة التوحيد وتبليغها للناس ومحاربة الشرك وعبادة غير الله والخضوع لأي مخلوق () قال تعالى: ( قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ )( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ) (يَا صَاحِبَيْ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) [يوسف: 37-40].
وسورة يوسف عليه السلام مكية، وقد أمر الله تعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بالأنبياء والمرسلين في دعوته إلى الله؛ ولذلك نجده صلى الله عليه وسلم في هجرته من مكة إلى المدينة، وقد كان مطارداً من المشركين قد أهدروا دمه وأغروا المجرمين منهم بالأموال الوفيرة، ليأتوا برأسه حياً أو ميتاً، ومع هذا فلم ينس مهمته ورسالته، فقد لقي صلى الله عليه وسلم في طريقه رجلاً يقال له بريدة بن الحصيب الأسلمي - رضي الله عنه - في ركب من قومه فدعاهم إلى الإسلام فآمنوا وأسلموا . ()
الاستغفار وفوائده :
* الاستغفار من الزهو الذي قد يساور القلب أو يتدسس إليه من سكرة النصر بعد طول الكفاح، وفرحة الظفر بعد طول العناء، وهو مدخل يصعب توقّيه في القلب البشري. فمن هذا يكون الاستغفار
* وهناك لطيفة أخرى للاستغفار لحظة الانتصار.. ففيه إيحاء للنفس وإشعار في لحظة الزهو والفخر بأنها في موقف التقصير والعجز، فأولى أن تطامن من كبريائها، وتطلب العفو من ربها، وهذا يصد قوى الشعور بالزهو والغرور.. ثم إن ذلك الشعور بالنقص والعجز والتقصير والاتجاه إلى الله طلباً للعفو والسماحة والمغفرة يضمن كذلك عدم الطغيان على المقهورين المغلوبين، ليرقب المنتصر الله فيهم، فهو الذي سلطه عليهم، وهو العاجز القاصر المقصر، وإنها سلطة الله عليهم تحقيقاً لأمر يريده هو، والنصر نصره، والفتح فتحه، والدين دينه، وإلى الله تصير الأمور .
إنه الأفق الوضىء الكريم، الذي يهدف القرآن الكريم بالنفس البشرية لتتطلع إليه، وترقى في مدارجه ، على حدائه النبيل البار .
وهذا هو الأدب الذي اتسمت به النبوة دائماً، يريد الله أن ترتفع البشرية إلى آفاقه ، أو تتطلع إلى هذه الأفاق دائماً ..
* كان هذا هو أدب يوسف -عليه السلام- في اللحظة التي تم له فيها كل شيء، وتحققت رؤياه: {ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً، وقال: يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقاً. وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي . إن ربي لطيف لما يشاء، إنه هو العليم الحكيم} يوسف(100)..
وفي هذه اللحظة نزع يوسف -عليه السلام- نفسه من الصفاء والعناق والفرحة والابتهاج ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر، وكانت كل دعوته وهو في أبهة السلطان وفي فرحة تحقيق الأحلام: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث، فاطر السماوات والأرض، أنت وليّي في الدنيا والآخرة، توفني مسلماً، وألحقني بالصالحين} يوسف (101).. وهنا يتوارى الجاه والسلطان، وتتوارى فرحة اللقاء وتجمع الأهل ، ويبدو المشهد الأخير مشهد إنسان فرد يبتهل إلى ربه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه، وأن يلحقه بالصالحين عنده من فضله ومنه وكرمه ...
* وكان هذا هو أدب سليمان -عليه السلام- وقد رأى عرش ملكة سبأ حاضراً بين يديه قبل أن يرتد إليه طرفه: {فلما رآه مستقراً عنده قال: هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فإن ربي غنيٌ كريم} النمل (40) .
* وهذا كان أدب محمد -صلى الله عليه وسلم- في حياته كلها، وفي موقف النصر والفتح الذي جعله ربه علامة له.. انحنى لله شاكراً على ظهر دابته ودخل مكة في هذه الصورة؛ مكة التي آذته وأخرجته وحاربته ووقفت في طريق الدعوة تلك الوقفة العنيدة.. فلما أن جاءه نصر الله والفتح، نسي فرحة النصر ،وانحنى انحناءة الشكر، وسبح وحمد واستغفر كما لقنه ربه، وجعل يكثر من التسبيح والحمد والاستغفار كما وردت بذلك الآثار، وكانت هذه سنته في أصحابه من بعده، رضي الله عنهم أجمعين .
وهكذا ارتفعت البشرية بالإيمان بالله، وهكذا أشرقت وأشرفت ورفرفت، وهكذا بلغت من العظمة والقوة والانطلاق...
الاعتصام بالعفاف والشرف والأمانة والدعاء ،كان سلاح - يوسف عليه السلام :
قوله سبحانه: { وَرَاوَدَتْهُ التي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ . . . } ونرجع إلى شرح ما جرى ليوسف في منزل العزيز بعد أن أمر امرأته بإكرام مثواه ، وما كان من حال تلك المرأة مع يوسف ، وكيف أنها نظرت إليه بعين تخالف العين التي نظر بها إليه زوجها .
والمراودة - كما يقول صاحب الكشاف - مفاعلة من راد يرود إذا جاء وذهب ، كأن المعنى : خادعته عن نفسه ، أي : فعلت معه ما يفعله المخادع لصاحبه عن الشىء الذي لا يريد أن يخرجه من يده ، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه ، وهو عبارة عن التحايل لمواقعته إياها .
والتعبير عن حالها معه بالمراودة المقتضية لتكرار المحاولة ، للإِشعار بأنها كان منها الطلب المستمر ، المصحوب بالإِغراء والترفق والتحايل على ما تشتهيه منه بشتى الوسائل والحيل ، وكان منه - عليه السلام - الإِباء والامتناع عما تريده خوفا من الله تعالى . .
وقال تعالى: { التي هُوَ فِي بَيْتِهَا } دون ذكر لاسمها ، سترا لها ، وابتعادا عن التشهير بها ، وهذا من الأدب السامي الذي التزمه القرآن في تعبيراته وأساليبه ، حتى يتأسى أتباعه بهذا اللون من الأدب في التعبير .
والمراد ببيتها : يبت سكناها ، والإِخبار عن المراودة بأنها كانت في بيتها أدعى لإظهار كمال نزاهته عليه السلام ؛ فإن كونه في بيتها يغرى بالاستجابة لها ، ومع ذلك فقد أعرض عنها ، ولم يطاوعها في مرادها . ()
وعدى فعل المراودة بعن لتضمنه معنى المخادعة .
قال بعض العلماء : و " عن " هنا للمجاوزة ، أي : راودته مباعدة له عن نفسه ، أى : بأن يجعل نفسه لها ، والظاهر أن هذا التركيب من مبتكرات القرآن الكريم ، فالنفس هنا كناية عن غرض المواقعة ، قاله ابن عطية ، أي : فالنفس أريد بها عفافه وتمكينها منه لما تريد ، فكأنها تراوده عن أن يسلم إليها إرادته وحكمه في نفسه .
وقوله :{ وَغَلَّقَتِ الأبواب } أي : أبواب بيت سكناها الذي تبيت فيه بابا باباً ، ثم أضافت إلى كل تلك المغريات أنها قالت له : { هيت لك }، أي : هاأنذا مهيأة لك فأسرع في الإقبال على .
وهذه الدعوة السافرة منها له ، تدل على أنه تلك المرأة كانت قد بلغت النهاية في الكشف عن رغبتها ، وأنها قد خرجت من المألوف من بنات جنسها ، فقد جرت العادة أن تكون المرأة مطلوبة لا طالبة .
و " هيت " اسم فعل أمر بمعنى أقبل وأسرع ، فهي كلمة حض وحث على الفعل
وقوله على لسان يوسف عليه السلام: { قَالَ مَعَاذَ الله إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون }
بيان لما ردّ به يوسف عليها ، بعد أن تجاوزت في إثارته كل حد .
و " معاذ " مصدر أضيف إلى لفظ الجلالة ، وهو منصوب بفعل محذوف أي : قال يوسف فى الرد عليها : أعوذ بالله معاذا مما تطلبينه منى ، وأعتصم به اعتصاما مما تحاولينه معي ، فإن ما تطلبينه وتلحين في طلبه يتنافى مع الدين والمروءة والشرف . . ولا يفعله إلا من خبث منبته ، وساء طبعه ، وأظلم قلبه .
وقوله : { إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ } تعليل لنفوره مما دعته إليه ، واستعاذ بالله منه .
والضمير في " إنه " يصح أن يعود إلى الله - تعالى - فيكون لفظ ربى بمعنى خالقى . والتقدير : قال يوسف في الرد عليها : معاذ الله أن أفعل الفحشاء والمنكر ، بعد أن أكرمني الله - تعالى - بما أكرمني به من النجاة من الجب ، ومن تهيئة الأسباب التي جعلتني أعيش معززا مكرما ، وإذا كان - سبحانه - قد حباني كل هذه النعم فيكف ارتكب ما يغضبه؟
وفى هذه الجملة الكريمة تذكير لها بألطف أسلوب بحقوق الله - تعالى - وبحقوق زوجها ، وتنبيه لها إلى وجوب الإقلاع عما تريده منه من مواقعتها؛ لأنه يؤدى إلى غضب الله وغضب زوجها عليها .
وجملة { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } تعليل آخر لصدها عما تريده منه .
والفلاح : الظفر وإدراك المأمول .
هذا ، والمتأمل في هذه الآية الكريمة يرى أن القرآن الكريم قد قابل دواعي الغواية الثلاث التي جاهرت بها امرأة العزيز والمتمثلة في المراودة ، وتغليق الأبواب ، وقولها : هيت لك ، بدواعي العفاف الثلاث التي رد بها عليها يوسف ، والمتمثلة فى قوله - كما حكى القرآن عنه - { مَعَاذَ الله إِنَّهُ ربي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } .
وذلك ليثبت أن الاعتصام بالعفاف والشرف والأمانة والدعاء لله تعالى كان سلاح يوسف -عليه السلام- في تلك المعركة العنيفة بين نداء العقل ونداء الشهوة .
يوسف عليه السلام يفضل السجن على أن يعصى الله تعالى :
قوله سبحانه :{ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي المدينة امرأة العزيز تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ . . } حكاية لما تناقلته الألسنة عن امرأة العزيز ، فقد جرت العادة بين النساء ، أن يتحدثن عن أمثال هذه الأمور فى مجالسهن ، ولا يكتمنها خصوصا إذا كانت صاحبة الحادثة من نساء الطبقة المرموقة . . كامرأة العزيز .
وقال نسوة من نساء مدينة مصر - على سبيل النقد والتشهير والتعجب - إن امرأة العزيز ، صاحبة المكانة العالية ، والمنزلة الرفيعة ، بلغ بها الحال فى انقيادها لهواها ، وفى خروجها عن طريق العفة . . أنها تراود فتاها عن نفسه ، أى : تطلب منه مواقعتها ، وتتخذ لبلوغ غرضها شتى الوسائل والحيل .
والتعبير بالمضارع فى قوله تعالى :{ تُرَاوِدُ } يشعر بأنها كانت مستمرة على ذلك ، دون أن يمنعها منه افتضاح أمرها ، وقول زوجها لها { واستغفري لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين }
وهنا تحكى السورة الكريمة كيف قابلت تلك المرأة الداهية الجريئة ، مكر بنات جنسها وطبقتها بمكر أشد من مكرهن بها ؛ فقال تعالى :{ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } أي : فاغتيابهن لها ، وسوء مقالتهن فيها ، وسمى ذلك مكرا لشبهه به فى الإِخفاء والخداع .
وقوله : { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ . . } بيان لما فعلته معهن .
{ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً } أي : وهيأت لهن في مجلس طعامها ، ما يتكئن عليه من الوسائد والنمارق وما يشبه ذلك .
{ وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّيناً } أى : وأعطت كل واحدة من هؤلاء النسوة سكينا ليقطعن به ما يأكلن من لحم وفاكهة .
وهنا نجد المرأة الجريئة الماكرة ، تقول ليوسف عليه السلام كما حكى القرآن عنها : { اخرج عَلَيْهِنَّ } ، أى : ابرز لهن ، وادخل عليهن ، وهن على تلك الحالة من الأكل والاتكاء وتقطيع ما يحتاج إلى تقطيع الطعام . ()
وهى ترمى من وراء خروجه عليهن إلى إطلاعهن عليه حتى يعذرنها فى حبها له وقد كان لهذه المفاجأة من يوسف لهن وهن مشغولات بما يقطعنه ويأكلنه ، أثرها الشديد فى نفوسهن ، وهذا ما حكاه القرآن الكريم فى قوله : { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هذا بَشَراً إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } .
والجملة الكريمة معطوفة على كلام محذوف دل عليه السياق ، والتقدير : قالت امرأة العزيز ليوسف اخرج عليهن ، فخرج عليهن وهن على تلك الحالة فلما رأينه أكبرنه ، أى : أعظمنه ، ودهشن لهيئته ، وجمال طلعته وحسن شمائله .
{ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } أى : جرحن أيديهن وخدشنها بالسكاكين التى فى أيديهن دون أن يشعرن بذلك ، لشدة دهشتهن المفاجئة بهيئة يوسف . .
{ وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا هذا بَشَراً } وحاش فعل ماض ، واللام في " لله " للتعليل ، والمراد بهذه الجملة الكريمة التعبير عن عجيب صنع الله في خلقه ،أي : وقلن عندما فوجئن بخروج يوسف عليهن : تنزه الله - تعالى - تنزيها كبيرا عن صفات العجز ، ونتعجب تعجبا شديدا من قدرته - سبحانه - على خلق هذا الجمال البديع ، وما هذا الذي نراه أمامنا بشرا كسائر البشر ، لتفرقه في الحسن عنهم ، وإنما هو ملك كريم من الملائكة المقربين تمثل في هذه الصورة البديعة التي تخلب الألباب .
ووصفوه بذلك بناء على ما ركز في الطباع من تشبيه ما هو مفرط فى الجمال والعفة بالملك وتشبيه ما هو شديد القبح والسوء بالشيطان .
وهنا شعرت امرأة العزيز بانتصارها على بنات جنسها ، اللائي عذلنها في حبها ليوسف ، فقالت لهن على سبيل التفاخر والتشفي ، وبدون استحياء أو تلميح : { قَالَتْ فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي فِيهِ } . ()
ثم جاهرت أمامهن بأنها أغرته بمواقعتها فلم يستجب فقالت :
{ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم . . } أى : والله لقد حاولت معه بشتى المغريات أن يطوع نفسه ، فأبى وامتنع امتناع بليغا ، وتحفظ تحفظا شديدا .
والتعبير بقوله " فاستعصم " للمبالغة فى عصمته لنفسه من الزلل ، فالسين والتاء للمبالغة ، وهو من العصمة بمعنى المنع ، يقال : عصمه الطعام ،أى : منعه من الجوع ، وعصم القربة أى : شدها بالعصام ليمنع نزول الماء منها .
وفى الآية - كما يقول الآلوسى - دليل على أنه - عليه السلام - لم يصدر منه ما سوَّد به القصَّاص وجوه الطروس – أى : الأوراق .
ثم قالت أمامهن بعد ذلك فى تبجح واستهتار وتهديد : { وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِّن الصاغرين }
أى : والله لقد راودته عن نفسه فاستعصم ، ولله لئن لم يفعل ما آمر به - وأنا سيدته الآمرة الناهية - ليسجنن عقوبة له ، وليكونا من الصاغرين ، أى : من الأذلاء المهانين المقهورين ، من الصغار .
وفى هذا التهديد ما فيه من الدلالة على ثقتها من سلطانها على زوجها ، وأنه لا يستطيع أن يعصى لها أمرا ، مع أنه عزيز مصر . .
الوعيد منها لفعل الرذيلة واستعانة يوسف عليه السلام بالدعاء :
ويترامى على مسامع يوسف - عليه السلام - هذا التهديد السافر . . فيلجأ إلى ربه مستجيرا به ، ومحتميا بحماه فيقول : { قَالَ رَبِّ السجن أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يدعونني إِلَيْهِ . . . }
أي : قال يوسف - عليه السلام - متضرعا إلى ربه - تعالى - يا رب السجن الذي هددتني به تلك المرأة ومن معها ، أحب إلى ، وآثر عندي مما يدعونني إليه من ارتكاب الفواحش .
وقال أحب إلى مما يدعونني إليه ، ولم يقل مما تدعوني إليه امرأة العزيز ، لأنهن جميعا كن مشتركات في دعوته إلى الفاحشة سواء بطريق مباشر أو غير مباشر ، بعد أن شاهدن هيئته وحسنه ، وبعد أن سمعن ما قالته في شأنه ربة الدار .
يأتي بعد ذلك قول الله تعالى :(فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أي : فاستجاب الله - تعالى - ليوسف دعاءه وضراعته ، فدفع عنه بلطفه وقدرته كيد هؤلاء النسوة ومكرهن ، بأن أدخل اليأس في نفوسهن من الطمع في استجابته لهن ، وبأن زاده ثباتا على ثباته ، وقوة على قوته ، فلم ينخدع بمكرهن ، ولم تلن له قناة أمام ترغيبهن أو ترهيبهن
وقال سبحانه:{ فاستجاب } بفاء التعقيب للإِشارة إلى أنه - سبحانه - بفضله وكرمه ، قد أجاب دعاء عبده يوسف - عليه السلام - بدون تأخير أو إبطاء .
وكذا تكون فاعلية الأذكار في تثبيت المؤمنين .
ونذكر من هداية الآيات :
1- بيان طبيعة الإِنسان في حب الإطلاع وتتبع الأخبار .
2- رغبة الإِنسان في الثأر لكرامته ، وما يحميه من دم أو مال أو عرض .
3- ضعف النساء أمام الرجال ، وعدم قدرتهن على التحمل كالرجال .
4- إيثار يوسف عليه السلام السجن على معصية الله تعالى وهذه مظاهر الصديقية .
نماذج من دعاء نبي الله يوسف عليه بأسماء الله تعالى :
1 : دعاء يوسف عليه السلام باسم الله القهار دعاء مسألة :
قال تعالى عن يوسف - عليه السلام -: { يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ } [يوسف:39]، وهو استفهام تقريري يدل على دعاء المسألة والعبادة معا حيث أراد يوسف - عليه السلام - دعاء الله وحده لا شريك له وعبادته وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها الناس، فهل الدعاء الذي ذل كل شيء لعز جلاله وعظمة سلطانه خير أم التي يعبدونها ويسمونها آلهة من تلقاء أنفسهم والتي تلقاها خلفهم عن سلفهم؟ . ()
2 : الدعاء باسم الله العليم دعاء مسألة :
ورد دعاء المسألة بالاسم المطلق في قوله تعالى عن إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام: { وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [البقرة:127]، وقوله: { إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [آل عمران:35]، وكذلك في قوله تعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [الأعراف:200]، وقول يعقوب عليه السلام : { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } [يوسف:83]، وكذلك ورد في قوله تعالى عن دعاء يوسف عليه السلام والاستجابة له: { فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } [يوسف:34] . ()
3 : دعاء يوسف عليه السلام باسم الله الولي دعاء مسألة :
ورد دعاء المسألة بالاسم المقيد بالإضافة في قوله تعالى عن يوسف عليه السلام : { رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلكِ وَعَلمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [يوسف:101]، وحري بالذكر أن نذكر هنا حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: ( يا ولي الإسلام وأهله ثبتني حتى ألقاك ) () .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق