]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الخيال

بواسطة: محمود فنون  |  بتاريخ: 2012-09-20 ، الوقت: 16:05:11
  • تقييم المقالة:

 

الخيال

محمود فنون   20|1|2012

ان جفاف الحلق ليس بالضرورة عطشا للماء ,قد يجف حلق  المرأ لاسباب عديدة ,فحين تكون مربوطا الى الماسورة في احدى ثنايا المسكوبية في ليلة باردة ,فان اسباب جفاف الحلق تتعدد :

هم لا يقدمون لك الماء ,وانت لا تستطيع ان تذهب اليه ,والساعات تنقضي ,كخيط رفيع يلف على عود رفيع,تظن انك لففت منه الكثير فتنظر فاذا بك لا زلت في بداية البداية .هكذا ينقضي الوقت.

ينقضي الوقت؟!وهل هو ينقضي فعلا ؟!ام انه يكرر نفسه في مكانه ولا ...

ان المسكوبية وهي مركز تحقيق تثير قلق ورهبة المسجونين ,ففيها استشهد قاسم ابو عكر سنة 1969 م تحت التعذيب ,وهي تأتي في الدرجة الثانية بعد   صرفند الذي اغلقوه من شدة الاحتجاجات على قسوته .

وفي المسكوبية يتم تجميع المعتقلين قيد التحقيق من منطقة الخليل وبيت لحم جنوبا ومنطقة رام الله بالاضافة الى المعتقلين من القدس ,وهناك يجري التعامل معهم في عزلة عن العالم .فقسم التحقيق في المسكوبية يأتي في الجناح الخلفي من المبنى وتمر اليه من خلال سجن التوقيف.

فانك اذ تظن ان المبنى قد انتهى هنا ,عند الشرطة المدنية المسؤولة عن السجن حيث يجري استلام السجين وتسجيله,يوجد باب يفضي الى قسم التحقيق الممتد حسب تقديري على جزء كبير يتسع ليكفي للقيام بمهمة التحقيق السري في جنباته .

انت تدخل غالبا مغمى العينين بكيس من الشادر السميك الذي يكفي لحجب الرؤيا ,"ومؤهل " بسير في جزئه الاسفل ليعصمه السجان على الرقبة فتنعدم اية امكانية للرؤيا وتكاد تنعدم امكانية التنفس.

هنا لا تعود ترى بعينيك ,ولانك مربوط في القدمين ومقيد اليدين الى الخلف ومشبوح الى الماسورة (او في أي وضعية اخرى) ,فانك لا تعود تتعامل مع المكان بحواسك بل بالخيال .هنا يتماهى المكان ويتثاقل الزمان ,فيصبح وجودك خارج الزمان والمكان,فتكون انت ولا انت ,فتكون اثناء الشبح مرهون بمكان غير مكانك وزمان غير زمانك ,

ان المكان هو الوجود والزمان هو مكون يشكل الوجه الآخر جدليا للمكان ,لا ينفصلان, في وحدة واحدة .انك في" العدم" وخارج الزمان والمكان فأنت خارج انسانيتك.

ولكن المناضل هو الند ,هو النقيض  ,ومع انه لا يقرر المكان ولا الزمان ,الا انه يتفاعل فيهما و هو ينحت لان يكون ندا .

في هذه الحشرة ,في هذه الغيبوبة عن الزمان والمكان ,يتسلح الانسان بخياله مكونا لنفسه عالما خاصا يتعايش ويتفاعل فيه ,الى جانب عالمه الحقيقي ,وهو بهذا يجسد انسانيته ,وهو انما يجسد الرفض للعدو واساليبه ويتعالى عليها .

انه يتخفف من آلامه بسلاح التحدي والرفض والصمود في وجه آلتهم التي تسعى لأن تمزق جسده وروحه

-سأحمي روحي ..يقول السجين .

-ولكن تعذيب الجسد يفضي الى الروح..الى هوان الروح ..اليس هذا صحيحا ؟

- ان هدف الجلادين هو تحطيم الروح مرورا بالجسد ,هذا صحيح .ولكن روح المقاومة والتصدي لأساليب التعذيب تتمثل ندا  ينتصب امام الجلاد.

وهنا يمتلئ خيال المرء وروحه بكل ما هو عزيز وغالي ,وبكل ما يدفعه الى التحدي والصمود,هنا تتضاعف القوة ,هنا يتضاعف التحدي ,هنا تظهر الندية في الصراع الوطني ..

-انا ...جزء من نحن ,ونحن علينا ان نصمد جماعة وفرادى.

-انا علي ان ارد هجمتهم ...انا صامد ولا خيارات .

-ولكنهم يمتلكون الشبح والجوع والعطش والظلام الدامس, والزمن  والضغط على القدمين المربوطتين والشد على اليدين المشبوحتين ...انهم يمتلكون انتزاعك من عالمك عنوة وقذفك في المسكوبية حيث لا تدري ولا تعرف ولا تنام ولا تأكل ولا تشرب .

-انهم يمتلكون تدمير سياق حياتك الذي حاولت اشتقاقه .اين الجامعة ؟وصحبة الجامعة ؟  واين ما خططت له كانسان يحلم بحياة كالناس الآخرين ؟

-ولكنك لست كالآخرين فأنت كنت تعيش مع الناس وبين الناس وفي عالم الناس ولكن كان لك عالمك ,عالم خفي هو عالم المناضلين المتنسكين ,كان لحياتك سياق خاص . ثم انفلت عن العالم العادي الى عالم النسك الثوري

-هذا  صحيح .فعالم السر يستهدف اعادة صياغة عالم الجهر, وانا برزخ بين الاثنين وكائن متكامل في كل واحد فيهما ,لم تكن روحي مجزأة .وهذه درجة من الخصوبة الانسانية .

-وحين اعتقالك !

أحسست أني أعيد صياغة سياق حياتي من جديد ,وانني سأحاول إعادة صياغة التجربة الوطنية من جديد ,فتسلحت اثناء معاناة الشبح بخيالي متعاليا فوق الم اليدين وبرد الجسد وحشرة الروح ,الى رحاب العالم الواسعة محلقا ومتأملا.لقد حاولت اعادة صياغة التجربة واعادة بنائها لنتقدم خطوة الى الامام .

-لذلك ابعدوك  ما هو الإبعاد بالنسبة لك ولأمثالك؟

- هو محاولة انتزاع الانسان من ذاته وروحه وبيئته ,هو عملية قلع من التربة المناسبة وإلقاء المقلوع في بيئة اخرى غير مناسبة, وسياقها غير السياق الذي كان .

الابعاد هو محاولة لتمويت التجربة والخبرة .

في بيئتنا للفرد قيمة مؤثرة ,ولحضوره بين الناس قيمة عالية وإذا ما شكلّه الناس رمزا  بينهم وهو من لحم ودم فان اسمه وحضوره يردفان فكرته وموقفه ليصبح شديد التأثير .ليصبح حضوره بيئة كفاحية وقوة استقطابية.ويؤثر معنويا أضعافا مضاعفة.فيكون الاقتلاع هو الخلاص منه من جانبهم .

فحين استدعاني ضابط شرطة بينما كنت في أقسام السكوبية ,وحين ابلغني انهم اتخذ القرار لابعادي  شعرت بجفاف حلقي,وطلبت منه الماء فورا بل ورفضت ان اقرأ او اتفاعل مع الموضوع قبل ان ابلل ريقي الذي جف من خبر الابعاد .

 

 

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق