]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الضمان الاجتماعي في الأزمة الاجتماعية

بواسطة: نور الدين العلوي  |  بتاريخ: 2012-09-19 ، الوقت: 15:08:42
  • تقييم المقالة:

 

 

 

 

الضمان الاجتماعي في  الأزمة الاجتماعية  محاولة فهم في الارتباط التاريخي بين الضمان الاجتماعي و الأزمة الاجتماعية      

تـوطئة:

 

      ولد الضمان الاجتماعي من رحم الأزمة الاقتصادية في المجتمعات الرأسمالية وتوسع مع توسع الاقتصاد الرأسمالي ويستمر الآن من خلال هذه الأزمة  وتستمر به في صيرورة تكامل وتنافر أثثت الخطاب في المسألة الاجتماعية منذ بواكير اقتصاد السوق وتقسيم العمل بتبضيعه.

                  ويحتاج تبيان هذه العلاقة إلى العودة إلى بواكير نشأة اقتصاد السوق غير أن هذا ليس هدف هذا المقال ولا موضوعه الرئيسي إنما تقتضي الضرورة المنهجية  الموصلة إلى تبيان دراسة المرحلة الراهنة من تاريخ الضمان الاجتماعي   العودة إلى ملابسات نشأة الضمان الاجتماعي في العالم .  وبقدر الرجوع إلى المراحل التاسيسية سيكون  الاختصار فالحديث عن تطوير الضمان الاجتماعي إلى الشكل الذي نراه الآن وخاصة في البلدان المتقدمة اقتصاديا لا يخلو من ملحمية نضالية دفع فيها المستفيدون الكثير من الصبر والعناء ولم تخل من دماء.

          وترسخ الضمان الاجتماعي في الواقع اليومي للمجتمعات وترسخه في القانون الدولي والقوانين الوطنية لم يمنع ولا يمنع إزاء كل أزمة اقتصادية هيكلية من إعادة طرح الأسئلة الجوهرية نفسها حول ضرورة وجود الضمان الاجتماعي وشرعية استمراره. فإذا لم تصل الأسئلة إلى عمق الشرعية المجتمعية للضمان الاجتماعي فإنها لا تنأى تنتقص من أطرافه جاعلة منه أما منفعة محصورة في فئات اجتماعية محدودة عددا أو في منافع منتقاة نوعا، بحيث تكون المحصلة النهائية  أقل ما يمكن من الضمان الاجتماعي.  ولكن مقابل ماذا ؟

أن الغريم/ النقيض  الذي يشكل المحرك الفعلي للأزمة الاقتصادية الخلاقة والمأزّمة في آن، هو رأس المال. إذ أن أقل ما يمكن  من الضمان الاجتماعي يؤدي إلى اكثر ما يمكن من حرية الحركة والنمو والتراكم لرأس المال. هذا التناقض "الوجودي" هو نقطة ارتكاز تطور الضمان الاجتماعي بشكل خاص ونقطة ارتكاز كل سياسة اجتماعية بشكل عام.

وإذا كان هذا البحث يتزامن  مع بداية قرن جديد فإن قدم الرأسمالية باعتبارها آلية تبضيع قوة العمل لا يغير من الأمر – إلا في بعض مظاهره – إما جوهر المسألة فلا يزال هو، كيفية تخفيف الأعباء الاجتماعية على رأس المال لينمو ويتراكم أكثر دون حلّ الإشكال المبدئي حول كيفية تخفيف الأعباء الاجتماعية على رأس المال البشري ليزدهر أكثر.

          رأس مالان  إذن من طبيعة مختلفة ، و"متناقضة" في علاقة شد وجذب فيما بينها يجد الضمان الاجتماعي نفسه في محل تساؤل دائم عن كيفية تحققه. وهذا التسليم المبدئي والمسبق بهذه الأزمة الوجودية في تاريخ الضمان الاجتماعي وفي سيرورة تطويره لا يعفي  بل يدعو إلى إبراز. مواضع تجدد الأزمة ومواضع ترابطها بالمفاصل التاريخية الهامة في سيرورة وصيرورة الضمان الاجتماعي.

عرفت المجتمعات ما قبل الرأسمالية أشكالا مختلفة من التضامن الاجتماعي غير أن كل إشكال التضامن في هذه المجتمعات ظلت أميل إلى العفوية والاحتكام إلى الأعراف غير المقننة وتستند إلى الممارسات اللاشكلية  أكثر مما هي ممارسات منظمة بقوانين وضعية وتسهر سلطة سياسية على تنفيذها.   هذا لا يمنع من الإشارة إلى إرهاصات تقنين التضامن الاجتماعي في بعض المجتمعات المنتمية إلى ديانة توحيدية. فآيات الزكاة الإسلامية تشرع إلى العطاء العمودي من الأغنياء إلى الفقراء بحيث يعطى من له فضلة من رزق وعند حد معين لمن ليس له ذات يد وألجأته  الحاجة[1]   ولكن هذه التشريعات التي تشرط الإيمان  بها بصفة مسبقة لم ترق إلى مؤسسة ضمان اجتماعي.

          أما العطف المسيحي فقد ظل ”محتشما“ ومرتبطا بالولاء للكنيسة حتى لما اضطرته الثورة الصناعية إلى العمل على احتضان ضحايا هذه الثورة لتأثيمها  لذلك لم يرق هو الآخر إلى ضمان اجتماعي مؤسس على قواعد قانونية مستقلة وذات مؤسسات تصرف عقلاني. وعليه فإن الرجوع إلى أبعد من القرن 19 في التأريخ لنشأة وتبلور الضمان الاجتماعي غير ذي فائدة في هذا الفصل الذي نعقده لنبين ارتباط الضمان الاجتماعي بالأزمة الاقتصادية القائمة داخل نمط الاقتصاد الرأسمالي دائما وما تموّره في المجتمع من أزمات  اجتماعية. لعل محورها الأقوى هو كيفية تسعير قوة العمل.

لقد دفعت الثورة الفرنسية في اتجاه وضع تصورات جديدة للعلاقة بين الفرد والمجتمع، تقوم على تحطيم المجتمع التقليدي[2][3]  وتغير أشكال التضامن القديمة. المتمثلة بالخصوص وفي زمن الثورة في أشكال المساعدة الكنسية والتي كانت موجهة في المحصلة النهائية إلى حماية المجتمع من الهامشين اكثر من حماية الهامشيين من المجتمع(يمكن في هذا الموضع استذكار دور الكنيسة من وجهة نظر مغايرة رأت في دورها الاجتماعي مانعا للصراع الاجتماعي من التبلور نحو الثورة ضد راس المال وقد أنتجت هذه التحاليل خطابات كثيرة عن الدور التخديري للدين بصفته مؤسسة تعيق الثورة الاجتماعية، الدين أفيون الشعوب  ) . لقد أدت الأفكار الاجتماعية الجديدة للثورة إلى وضع الفرد وجها لوجه أمام الدولة. فصارت المساعدة حقا للجميع فصار المجتمع مدينا للأفراد. ثم عوّض الحق في الشغل الحقّ في المساعدة باعتبار الشغل أساس الاندماج الاجتماعي ليصير بذلك أساس التشريع في المجال الاجتماعي. 

          ولقد تسرّب هذا المبدأ إلى الإعلان الفرنسي ” العالمي“  لحقوق الإنسان والمواطن المعلن سنة 1793 ليلهم بعد ذلك بقية المواثيق الدولية والاتفاقيات التي أتت لاحقة على إعلان الثورة الفرنسية. غير أن هذه المبادئ الفلسفية جاءت ضمن شبكة أوسع بحيث وجدت البرجوازية الناشئة ما يمكن أن يسند أطروحتها التحريرية القائمة  على عدم إعاقة التبادل الحر.

          فالحرية  تعني استقلال الإرادة الفردية داخل الكيان الاجتماعي وهذه الحرية تمنع كل أشكال التنظم الاجتماعي الذي  يمكن أن يغطي الحرية الاقتصادية وعليه فأن الفرد الحر ولأنه كذلك فإنه لا يمكنه أن يكتسب من الحقوق إلا بقدر ما يعطي في عملية التبادل مع الذوات الحرة الأخرى.

          هذه الأسس التحررية  القصوى للعقد الاجتماعي أنشأت الطبقة العاملة في صيغتها المشتتة التي لا تملك إلا قوة عملها في عملية التبادل. فأثمر ذلك نتائج كارثية على هذه الطبقة التي فقدت أمنها الاقتصادي في أشكاله البدائية عندما كان الإقطاعي يضمن معيشة الأقنان فلا يهتمون بالبحث عنه بأنفسهم حتى لقد ظهر من يطالب بعودة الإقطاع بحثا عن الأمن الإقطاعي ولو بالتضحية بالحرية.

          وإلى جانب مبادئ استقلال الإرادات في إطار من الحرية المطلقة لم تسمح مبادئ المسؤولية الفردية بأي شكل من أشكال التضامن  المؤسس فمبدأ المسؤولية الفردية لا يؤدي إلى فلسفة تضامنية بل يتناقض معها. فالعامل الذي  يصاب بحادث شغل يتحمل مسؤولية نفسه لأنه ذات مستقلة ولها إرادة وقد جاء بمحض هذه الإرادة إلى العمل.

          وبحسب هذه المبادئ الليبرالية ذاتها فإن إي طلب للمساعدة وأن  بدر عمن ليس قادرا على بيع قوة عمله. فانه إعلان كسل وخمول وتواكل و هو بالتالي مفسدة للسعادة العامة فإذا كان لا بد من  المساعدة فلتكن موجهة إلى حماية المجتمع من هؤلاء الأفراد وليس العكس. "لذلك لم يكن هناك فرق بين إجراءات المساعدة الاجتماعية والنواميس الجزائية[4]إذ لا يتم الرجوع مبدئيا لمبادئ عقد الشغل الذي يجمع طرفي العملية الشغلية لتأسيس  المساعدة مثلما بدأت المطالبة العمالية بذلك بل ظل الخلط واضحا بين الأجير والفقير. وسيسم هذا اللقاء بين المفقرين من العمال و المهمشين ولادة التشريعات الأولى لجبر الأضرار وإنهاء الاضطرابات الاجتماعية. هذا التفقير سمح بتطور الطبقة العاملة واحتداد وعيها بأهمية دورها داخل عقد الشغل والعقد الاجتماعي عامة "فأمكن تجاوز التناقض القائم بين حاجة هذه الطبقة إلى حماية أفرادها وبين إيديولوجية الطبقة المهيمنة[5]ودخل الضمان الاجتماعي في مجالاته الأولى مرتبطا  هكذا  بالأزمة الاجتماعية التي اتضحت  واتضح أطرافها والمكونات الإيديولوجية لكل طرف فيها. فمن الأزمة تشكل الخطر الاجتماعي واقعا ثم مفهوما ثم سعيا إلى الحلول الكفيلة بالتجاوز في إطار من القبول بتناقض طرفي الأزمة نفسها .

1)    الخطر الاجتماعي  وكيفية ضمانه؟  

بموازاة ارتفاع الاحتجاج العمالي على حالة العوز والفقر كان مالتوس والاقتصاديون الليبراليون الكلاسيكيون يدفعون في اتجاه إن لا ترضخ الدولة الحارس للمطالب الاجتماعية. غير أن الدولة الأوروبية، دون تخصيص على بلد بعينه – كانت تبحث عن حلول. وكان لها منفذ في قوانين وتقاليد التأمين التجاري، حيث استعارت منها مفهوم الخطر لتعطيه صبغة اجتماعية  فالخطر في التامين التجاري هو حدث محتمل أو  متوقع الحدوث ينجر عنه ضرر ويمكن الاحتياط لعواقبه وتوقيها  إذا تحقق. لذلك وبهذا التعريف فإنه خطر فردي . وبهذا المعنى فإن الموت والمرض والحادث أيضا أخطار فردية بقدر ما تزيد من إنفاق الفرد أو تقلل من دخله، أي ان تدهور الوضع الاقتصادي للفرد هو الخطر الفعلي الذي يجب تأمينه غير أن تدهور الوضع الاقتصادي للفرد ليس فرديا كما يظهر أولا وإنما له انعكاسات سلبية تتجاوز الفرد. وذلك هو جوهر الخطر الاجتماعي.

والوجه الثاني لاجتماعية الخطر هو أنه ليس احتمالا فرديا إنما وداخل نفس الظروف الاجتماعية التي يتواجد فيها الأفراد ليقوموا بنفس الأعمال فإن احتمالات حصول الخطر متساوية.

والوجه الثالث هو أن الفرد لا يمكنه أن يحمي نفسه دائما فالادخار الفردي قاصر عن مواجهة كل الاحتمالات.كما أنه ليس متاحا لكل الأفراد أن يدخروا لتأمين أخطار محتملة لذلك فإن الخطر كما يمكن أن يكون اجتماعيا يمكن أن يضمن من قبل الجميع لصالح الجميع. أي لا بد من خلق مؤسسة تضمن حماية الأفراد جميعهم أي الاشتراك داخل مؤسسة تعويضية وبواسطتها يساعد على حمل الخطر الفردي بصفة مجتمعة.

ويتجاوز الأمر كونه ترضية الحاجة الفردية بقدر ما هو حماية اجتماعية لمستقبل غير مضمون أومن خطر قادم وثابت الحصول لا محالة  كالشيخوخة وهذا المخرج التأميني سمح بوضع أسس المؤسسات الأولى للتأمين الاجتماعي وسمح يتجاوز تقنيات تأمين أخرى محدودة وغير اجتماعية إلا بقدر. ولكنه طبع تقاليد التأمين الاجتماعي بطابع تجاري لا تزال  تعاني منه إلى حد الآن فتقنية التأمين  التجاري مطبقة في التأمين الاجتماعي سمحت بتجاوز تقنية  المساعدة المبنية على العطف وما شاكله من المبادئ الخيرية الأخلاقية ذات المرجع الديني / الكنسي غالبا والتي انتقت دائما بين أصناف من الخطر يكون في مقدمتها الحاجة إلى الغذاء  أو الدواء ولم يكن بإمكانها رؤية الشيخوخة كخطر اجتماعي يمكن ويجب الحماية منه.

كما أدت تقنية التأمين التي تجاوز فكرة الادخار الفردي أو الحيطة الفردية – اقتطاع جزء من الدخل وحفظه لدرء خطر محتمل -وهو ما  يعني قدرة ذاتية على الادخار بما في ذلك قدرة على الاستقرار في العمل ومن لم يكن قادراعلى العمل  ما أمكنه الادخار.

غير أن فكرة الحيطة الفردية لم تكن قادرة في المطلق لذلك تطورت في اتجاه التعاونيات بما هي مساهمة جماعية وادخار جماعي وتوزيع فردي بحسب ما قد يجد من خطر لكل فرد وبذلك فإن التعاونيات قد تقاربت مع تقنيات التأمين. فعبء الخطر الذي يصيب أحد أفراد  الجماعة المؤمنة أو المتعاونة يقسم على مجمل أفراد المجموعة عبر مسلك  غير أسمي- غير معلم- . لذلك يظل مسلكا جماعيا مثله مثل الضمانات التي تتأتى عبره.

وأخيرا فإن مبادئ التأمين الاجتماعي المبنية على قاعدة التأمين التجاري. قد ساعدت على تجاوز قصور مبادئ المسؤولية المدنية في التعويض. فالشخص الذي يحدث ضررا لشخص آخر عليه أن يدفع له تعويضات ولكن المسؤولية المدنية تفترض دائما أن يكون محدث الضرر قادرا على الدفع. لذلك فإنها في مرحلة تبلور التأمين الاجتماعي بدت غير مهتمة لكل الأخطار خاصة التي لم يتسبب فيها طرف ثالث كالمرض والشيخوخة.

          لكن رغم هذا النجاح في تقريب الخطر الفردي إلى صبغة جماعية تسهل تغطية آثاره السلبية على الفرد ثم على المجتمع فإن التأمين التجاري ظل قاصرا على تحقيق العدالة في التأمين الاجتماعي.

فالتامين في إحدى جوانبه يقوم على مبدأ احتمال تردد الخطر برفع حجم المساهمة بقدر ما يكون الخطر محتملا وقابلا للتكرّر ومن هذه الزاوية فإن العامل الذي كلما تقدم به العمر نحو الشيخوخة ثقلت أعباؤه وزاد في المساهمة وكذلك العاجز عن العمل الذي عليه أن يدفع أكثر ليتمتع بالتأمين. فلا تتساوى بذلك القدرة على الدفع مع الحاجة إلى الأخذ وهو ما سيدفع التأمين الاجتماعي لاحقا إلى تجاوز تقنيات التأمين التجاري جزئيا.

ما يقودنا إليه مفهوم الخطر الاجتماعي أذن هو أنه ثمرة الأزمة الاجتماعية وإن الأنظمة السياسية والأطراف الاجتماعية داخل المجتمع شرعت في استنباط الحلول متجاوزة بذلك التفارق المبدئي بين الحرية الفردية والمسؤولية حيث يشارك أصحاب العمل في الدفع من منطلق حاجتهم إلى الحفاظ على قوة العمل وصيانتها وكذلك من منطلقات مسئوليتهم في احتمالات الأضرار بها وتعريضها للخطر اليومي بالعمل على الآلة التي انتشر استعمالها بكثافة .

وبقطع النظر عن الفروق الجزئية بين أنظمة التامين الاجتماعي التي بدأت تتبلور في نهاية القرن 19  لتأخذ أشكالا جديدة في أواسط  القرن 20 بالخصوص . فإن خطا مشتركا ظل يجمع بينها.

إنها أنظمة من إعادة التوزيع المالي بالاقتطاع من دخل الأفراد المعاد إليهم في شكل منافع دورية أو ظرفية بهدف ضمان الأمن الاقتصادي للأفراد الذين يتهدد هم الخطر الاجتماعي الناتج عن تقسيم العمل بتبضيع قوة العمل وعرضها للبيع. وغير مهم في هذا الموضع من التعريف تفصيل  حجم الحماية واتساعها أو عدد وتعريف الأشخاص المحميين أو تقنية الانتزاع، فالتامين الاجتماعي هو إعادة توزيع بعد الانتزاع من الراهن في اتجاه الحماية من الخطر الاجتماعي القادم . ولأن فكرة التأمين قد لازمت روح التامين الاجتماعي فقد انبنت عملية الاقتطاع من الأجور على وجود هذه الأجور ذاتها، لذلك اتجهت التأمينات الاجتماعية الأولية إلى فئة ذوي الدخول في قطاعي الصناعة والتجارة. وأغفل من لم يكن له دخل قار وثابت / أي جهة مؤجرة وأخرى مؤجرة ينتزع منهما.

وحتى تحصل أزمة اجتماعية أخرى تعطي الضمانات الاجتماعية اتجاها آخر سيظل هذا الاتجاه الذي اصطلح عليه بالاتجاه المهني هو المسيطر على توجيه المشرعين في التأمين الاجتماعي وستقتضي عملية التوزيع وجود طرف وسيط يأخذ من الدافع ليعطي المستحق بحسب قواعد معينة وهو مؤسسة الضمان الاجتماعي التي سيشكل تأسيسها تجاوزا لكل تقاليد التضامن اللاّشكلي.

غير أن تحديد كل من الدافع والمستحق ليس بالسهولة الظاهرة فوراء تعريفهما وتحديد ما لكل طرف وما عليه يكمن تعريفه سياسة الضمان الاجتماعي التي هي بالضرورة جزء من سياسة اجتماعية واقتصادية داخل بلد بعينه.  فالدافع واعتمادا على ما تقدم هو الشخص المهدد بالخطر ولكن محدث الضرر مسؤول بقدر ما يعرّض الذين يشغلهم إلى الخطر ليكون دافعا هو الآخر وبقدر ما يدفع  / يساهم أحدهما أوكلاهما تتحدد معالم سياسة الضمان الاجتماعي في اتجاه سياسة اجتماعية ليبرالية أو اشتراكية ( دور الدولة وطبيعتها )  ويمكن داخل هذه السياسة الاجتماعية تعريف المستحق تعريفا أوسع فهو ليس بالضرورة  ذو الحاجة المباشرة بل ومن منطلق تأمين الحد الأدنى الضروري  قد تسعى سياسة اجتماعية معينة إلى الاستثمار في بنية تحتية صحية شاملة عوضا عن تقديم منافع مؤقتة وجيدة ومحدودة في آن.  وبقدر ما تتجه سياسة اجتماعية إلى إسداء التعويض المؤقت والفئوي أو إلى الاستثمار في الخدمات الجماعية العامة كالسياسة الصحية والسكانية يتحدد اتجاه  الضمان الاجتماعي في اتجاه تعويضي فئوي (مهني) أو اتجاه دولتي  شامل و كافل (كوني)…

ولذلك يمكن القول أن كل  تطور للضمان الاجتماعي يترجم عن رؤية محدودة للحاجات الاجتماعية ويستبطن خيار سياسة ضمان اجتماعي إما:  كمصلحة فئوية إمتيازية محدودة مرتبطة بتحقيق شرط العمل المؤجر أو كمصلحة عمومية مبنية على المصلحة العــــامة      interret general   وموجهة إلى أكبر عدد ممكن من الناس على أساس الحاجة الكامنة ودرءا للخطر الاجتماعي. فمثلما كانت ”تهديدات الفقر والحاجة كما تبلورت وعاشها عمال الصناعة أصلا لخلق أنظمة[6]الحاجة والفقر/ العوز عاملا حاضرا باستمرار كلما دعي الحديث عن الضمان الاجتماعي خصوصا  أمام تحديات العولمة الاقتصادية المتسارعة الإيقاع.

 

2 ) أهم الحقب  في تطور  الضمان الاجتماعي: 

قبل الدخول فيما يمكن أن  تضيفه العولمة كمفاعل جديد للأزمة الاجتماعية إلى الضمان الاجتماعي سنعرض إلى تفصيل التوجهين التاريخيين الذين تبلورا في تاريخ تطور الضمان الاجتماعي وبداءة  يمكن تقسيم تاريخ  الضمان الاجتماعي في أوروبا إلى ثلاث مراحل هامة انطلاقا من الأزمات الاجتماعية المؤثرة.

-        مرحلة ما قبل أزمة 1929 أومرحلة التأسيس  المتردد بين الليبرالية الاقتصادية والتضامن الاجتماعي.  -       مرحلة ما بعد أزمة 1929 والاتجاه المتعاظم نحو تكفل المجتمع والدولة بالمسألة الاجتماعية. -       مرحلة تسارع إيقاع عولمة الاقتصاد وعودة التفارق بين الاجتماعي والاقتصادي.

وهذا التحقيب السوسيولوجي  الجديد كما نراه ونعتمده يسعى إلى  تجاوز التحقيب المعتمد على المحطات الزمنية المرادفة لإصدار قانون بعينه كصدور قانون حوادث الشغل بفرنسا سنة 1889 أو صدور مجلة العائلة الفرنسية أو نظام وليام بفردج الإنجليزي        (1942) أو البرنامج الجديد لروزفلت وهو تحقيب قانوني تقليدي في نظرنا  يرى النص القانوني علما بذاته مغفلا أو واضعا في الموقع الثانوي الأزمة الاجتماعية التي  خلقت الحاجة إلى إصداره اعتمادا على المنهج الذي أسلفنا ذكره والذي يعتمد عليه في النظر إلى القانون كنتاج للصراع الاجتماعي.

 

أ- الحقبة التاسيسية:

سبقت الإشارة إلى ولادة تقاليد التأمين الاجتماعي من رحم التأمين التجاري تحت ضغط الأزمة الاجتماعية الناتجة عن الثورة  الصناعية وتبضيع قوة العمل وتهميش الطبقة العاملة وحصرها في موقع المحتاج المعوز… بحيث كانت صورة المجتمع الأوروبي والغربي عامة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كالتالي .

-       ثورة صناعية متسارعة ومتعاظمة باستمرار من خلال تطوير وسائل عمل تقنية فعالة مبنية على مبادئ النجاعة والربح كآلية للتراكم . -       طبقة برجوازية مالكة لوسائل الإنتاج الجديدة وتضغط على تكلفة الإنتاج بالحد من الأجور دون إعطاء ضمانات مهنية في الاستمرار والحماية ومستندة على مبادئ فلسفية قوية   كالحرية المطلقة والمسؤولية الفردية خاصة في فرنسا. -       طبقة عمالية تتسع باستمرار وتهمّش  باستمرار ومغرقة في الرثاثة والتشتت ولكنها تكتسب تعليما ووعيا بوضعها. -       دولة قوية ورادعة تحاول إدارة صراع اجتماعي ناشئ ولكنها مترددة بين تطورات اقتصادية تحررية  ترفض كل قيد أو شرط للازدهار الاقتصادي وبين مطالب اجتماعية عمالية تهدد وجودها نفسه وتنفيه.

هذه الصورة بقدر وضوح ملامحها الفارقة فإنها كانت فوارة بالمبادئ والسياسات ومنها وبها بدأت ملامح  التأمينات الاجتماعية تتأسس وتتسلح متجاوزة نحو إيديولوجيات ثورية جذرية تطعن في شرعية الدولة وتضعها في خانة جندي الحراسة الأمين على مصالح راس المال.

  استبق بسمارك رجل الدولة الألماني القوي ثورة اجتماعية تتغذى على الأفكار الماركسية الطاعنة في شرعية الدولة البرجوازية والداعية إلى كسر تناقض قوة العمل ورأس المال  وتأسيس دولة الطبقة العاملة حيث لا يوجد الاستغلال  ولا الهيمنة.

" وفي الوقت الذي كان يزج فيه بزعماء الاشتراكية الألمانية في السجون كان يضع أول قوانين التأمين الاجتماعي حيز التنفيذ. وتبينت الصبغة العملية لنظام بسمارك إذ صار النظام الملهم لمختلف البلدان والأنظمة الـتأمينية فقد كان نظاما قابلا للتطوير والتأقلم لمختلف التطورات الاجتماعية سمح أولا للدولة الألمانية بقطع الطريق على الاحتجاج العمالي المتسلح بالاشتراكية وإن يمكن للدولة بدور جديد تنتمي به ومن خلال مؤسسات الحماية الاجتماعية إلى أعضاءها الأفقر  و الأضعف[7].

"ولقد كان بسمارك هو المؤثر الأكبر على التأمينات الاجتماعية وإليه يعاد دائما" ففي عقد واحد تم وضع نظام إجباري على المؤجرين أن يحموا من خلاله الأجراء من حوادث الشغل والأمراض المهنية. وكان ذلك سنة 1881 وفي سنة 1883 تم وضع نظام تأمين إجباري ضد المرض العادي. و لم تكن أصالة نظام بسمارك في مستوى  الإجراءات فقط بل على مستوى تدعيم مبادئ تدخل الدولة باعتبارها شريكا ومسؤولا في تعديل الصراع الاجتماعي وتخفيف الفوارق الاجتماعية التي صارت تعنيها مباشرة وكذلك على مستوى تشريك مختلف الأطراف الاجتماعية باعتبارهم أطراف العملية الإنتاجية / الاقتصادية ومحركيها وضحاياها. لقد حوّل بسمارك الدولة إلى طرف اجتماعي وسيؤدي هذا الدور الجديد إلى ازدهار المبادئ الأخلاقية والسياسية للدولة الكافلة . معيدا بذلك النقاش حول الحرية إلى منهجية جديدة . سيأتي بيانها .

والميزة الفارقة لنظام بسمارك إلى جانب التشريع لتدخل الدولة في انه ربط الدخول في أنظمة التأمين الاجتماعي بين تحقق شرط العمل أولا ثم المساهمة ثانيا للحصول على المنافع لاحقا . فهو نظام  يربط بين المهنية وتغطية أخطارها. لذلك عرف بالنظام المهني تمييزا له عن أنظمة أخرى تعتمد الاستحقاق والحاجة أولا دون اشتراط تحقق الانتماء المهني . وهي الميزة الفارقة للنظام الإنجليزي الذي يبين في نشأته – هو الآخر- ارتباط نشأة التأمين الاجتماعي وتطوره بالأزمة الاجتماعية الناتجة عن الثورة الصناعية و تبضيع قوة العمل فحيث ظهرت الثورة الصناعية وضعت قوانين الفقر الأولى ثم حسنت بقوانين الفقر الجديدة.

خلال الحرب العالمية الثانية وتجدد الأزمة الاجتماعية سيتدعم نظام التأمينات الاجتماعية الإنجليزي معتمدا على رؤية جديدة مختلفة وراديكالية في تميزها عن النظام الألماني المعروف بالنظام المهني.

أما مصدر التشريع الثالث في مرحلة تأسيس أنظمة التأمين الاجتماعي فهو النظام الفرنسي الذي جاء متأخرا نسبيا عن سابقيه . فحيث ابتدأت الثورة الصناعية متأخرة جاءت أنظمة التأمين الاجتماعي متأخرة. وقد ساهم في تأخر تبلورها- رأس مال وطني قائم على مبادئ استقلال الإرادات التي شكلت قاعدة القانون الوضعي الفرنسي والمسلمة الأساس هي " أن الناس يولدون أحرارا ومتساوون ولأنهم كذلك فإن العلاقات القانونية المنظمة للعلاقة بين الأفراد هي الأصلح واعتمادا عليه  فإن الطبقة البرجوازية السعيدة بهذه النظرية سعت إلى  منع كل أشكال التنظيم التي يمكن أن تعيق الحركة الحرة للإرادات  الفردية[8]

وفيما كان بسمارك يؤسس أنظمة الحماية الاجتماعية كان المشرعون الفرنسيون يطوعون مبادئ المسؤولية المدنية لمعالجة الضرر الاجتماعي المتمثل في حوادث الشغل. "فجنبوا بذلك تحميل المجتمع في كليته ضمان ضحايا التقدم الصناعي ،  واقتصرت المسؤولية لديهم  على المستفيد  المباشر من الآلة مسببة الضرر وقد تجلى ذلك في مبادئ قانون 9 أفريل 1898 المتعلق بحوادث الشغل والأمراض المهنية دون  أن يعالجوا  الحالات التي يكون فيها محدث الضرر عاجزا عن الدفع أو مجهولا أو أنه محدث الضرر هو نفسهالمتضرر[9].

وبذلك انسجم المشرع الفرنسي مع مبادئ الليبرالية القائمة على الإرادة الفردية المستقلة ،و قد ظلت هذه الفلسفة تقود الضمان الاجتماعي الفرنسي إلى الآن ولم يلهم النظام الفرنسي الأنظمة الأوروبية في مادة  الضمان الاجتماعي بقدر ما ألهم  الأنظمة  الدائرة في فلك الاقتصاد الفرنسي والمرتبطة بالأساس بالسوق الفرنسية  حيث  لعب نقل القوانين بحذافيرها وبدون أقلمتها دورا هاما في وضع أنظمة تلك البلدان.

 

 

ب أزمة الثلاثينات / أزمة الليبرالية الاقتصادية وإعادة تأسيس الضمان الاجتماعي:

 

لقد عرّت أزمة 1929 الأنظمة الاقتصادية الليبرالية  من بهرجها التحرري. وبينت عجز  الأنظمة السياسة الليبرالية عن التكفل  بالفئات المهمّشة والمقصاة من النظام الاقتصادي لذلك تخلّقت موجه من إعادة  التفكير في وضع تصورات جديدة  للدولة ولدورها،  ولارتباط  الاقتصادي والاجتماعي دخل المجتمع. واتجه أغلب المفكرين والسياسيين نحو مزيد من الحماية للطبقة الهشة اقتصاديا متخذين إلى ذلك مصادر  الهام  جديدة ، ليس بعيدا منها النظام  السوفيتي حيث استطاع الاقتصاد المدولن رغم هشاشته أن يحمي المجتمع من الأزمة الاقتصادية التي هزت الاقتصاد الليبرالي  بل يتخذها حجة لمزيد من دولنة   الاقتصاد.     ويعتبر قانون  1935  الأمريكي المعروف social security act  الذي كان أول من استعمل إصلاح الضمان الاجتماعي بمثابة شهادة  ميلاد للضمان الاجتماعي الحديث.

 لقد كسر روزفلت مبدأ مقدسا تقوم عليه الليبرالية الاقتصادية الأمريكية بالخصوص هو مبدأ عدم تدخل الدولة في العملية الاقتصادية وأرسى بالبرنامج الجديد سياسة الكفالة الدولتية فلم يعد الضمان الاجتماعي محاولة إدماج طبقة محدودة داخل  النظام الاجتماعي وإنما صار الضمان الاجتماعي آلية إطلاق اقتصاد يعيش  أزمة هيكليّة وبذلك "ربط ما لم يكن حتى ذلك الحين قابلا للربط أي السياسة الاقتصادية  وسياسة الضمان الاجتماعي فدعم  القدرة  الشرائية يؤدي  إلى إطلاق الاقتصاد(...) مما يعني أن المصلحة الاقتصادية يمكن أن تتوافق مع الشروط الأخلاقية فلا تتناقضان وهو مفهوم جديد مناقض للمبادئ الليبرالية الكلاسيكية في  الاقتصاد[10]وسيعمل  هذا المبدأ كملهم رئيسي  وسند فلسفي للدولة  الكافلة  التي سيكون الضمان الاجتماعي فيما بعد البرنامج الجديد في أمريكا ثم  في أوروبا إحدى وسائل عملها وإحدى ركائز  شرعيتها لقيادة  المجتمع وتوجيه الاختيارات فعلى إثر إطلاق البرنامج الجديد لقوانينه  الاجتماعية 1935 ظهرت قوانين مشابهة للقانون الأمريكي وأهمها:

 برنامج وليام بفردج في إنجلترا الذي اعتمد على مبدأ أن الحاجة هي الخطر الاجتماعي الأكبر الذي يجب الحد منه معتبر أن النظام الإنجليزي  القديم لم يكن فعالا بل فئويا وبيروقراطيا وليس أحسن منه النظام  الأوروبي  الذي يربط الضمان بالعمل .  لذلك وللحد من الحاجة والعوز تم توسيع التغطية وتعميمها وتوجيهها انطلاقا من مبدأ مركزي يقوم على عدم ربط  المنافع بالعمل بل الحاجة. وهو ما يودي إلى إدخال كل السكان في نطاق تامين وطني وذلك بدفع مساهمات تقديرية والحصول على منافع  تقديرية دنيا وإزاء كل خطر مستجد يدفع التامين الوطني منافع موحدة بقطع النظر عن  الوضعية المهنية. ولان لبفردج هموم تنظيمية فإنه وحد مؤسسات التأمين في مصلحة عمومية تحت إشراف وزارة التأمين الاجتماعي وأنهى دور المؤسسات الخاصة وشركات التامين والتعاونيات إلا في دور مكمل ، وحول بذلك الضمان الاجتماعي إلى أداة في يد الدولة  تعدّل بها الصراع الاجتماعي  وهي  سابقة  هامة  خاصة بما تملكه المبادئ العامة لبرنامج بفردج من طواعية وقابلية للتعديل.   غير أن إضافة بفردج الأهم هي أنه  جعل من نظام التامين الاجتماعي  جزء ا من نظام اجتماعي أوسع يرتكز إلى جانب الضمان  الاجتماعي الممول بمساهمات ضريبية على سياسة تشغيل كامل وعلى سياسة صحية  تقدم خدمة العلاج والوقاية لكل السكان.

   لقد تحول النظام الإنجليزي الجديد إلى مصدر الهام بدوره لأنظمة أخرى في مبدأين رئيسيين:

-       أن الحماية الاجتماعية حق لكل أفراد المجتمع. -       أنه يجب البدء بسياسة وقائية لكي تحق سياسة التعويض مما أعطى هذا النظام صبغته العالمية      (universel) في مقابل الصفة المهنية التي يعرف بها النظام المستوحى من بسمارك ثم من تطويراته الفرنسية وهكذا صار  الضمان الاجتماعي لا  يفهم ولا يوضع خارج السياسة الاجتماعية التي لا تتبلور إلا ضمن سياسة عامة ترسمها الدولة آخذة بعين الاعتبار أهداف النجاح الاجتماعي غير الربحية ( غير الرأسمالية ) .

فيكون الضمان الاجتماعي بالمحصلة النهائية  أداة في يد الدولة التي تحمل المجموعة الوطنية من خلال نظام ضريبي المسؤولية المباشرة في تمويل المنافع التي يمكنها أن  تقضي على العوز والحاجة التي تجلت فعلا في أزمة  1929 ويمكن أن تظهر مجددا كلما تعرض الاقتصاد الليبرالي إلى أزمة هيكلية جديدة.

لقد تعرض بعد ذلك نظام بفردج إلى نقد شديد بالخصوص من طرف أولئك الذين يتمتعون بدخول( أجور )  مرتفعة في حياتهم النشيطة ولا ينالون مقابلها منحا تقاعدية جيدة لذلك لا بد أن نفهم تطور التأمين الاجتماعي الخاص والتكميلي الذي ظهر في المجتمع الإنجليزي بعد تجاوز أثار الحرب العالمية الثانية والذي عمل به لاحقا في بلدان التي تطبق تفاوت الأجور .  ورغم هذا النقد فإن نظام بفردج في مجمله ظل فعالا إلى حدود المرحلة التاتشرية على بوابة العولمة و التي أفرزت تراجعات هامة مؤشرة بذلك  على احتمالات التفارق بين الاقتصادي والاجتماعي من جديد بعد أن دفع برنامج روزفلت الجديد إلى مصالحتهما.

في موازاة البرنامج الأمريكي والإنجليزي الجديدين كان يتشكل نظام مقارب ومختلف في آن في نيوزيلندا.مقارب من حيث أنه يتجه إلى القضاء على حالة الحاجة والعوز ومختلف في أنه على عكس التشريعات في البلدان الصناعية التي تعمل على حل مشكل العمال في الصناعة والتجارة  بالخصوص اتجه إلى  سياسة مساعدة مكيفة مع اقتصاد زراعي حيث الأغلبية من السكان تشتغل في الزراعة[11] .

ولقد انبنى هذا النظام على مبدأ محوري "كل فرد مدعو إلى المساهمة في خلق رصيد معيشي بمثابة ادخار يمكنه إن يطالب به إذ تدنى دخله تحت سقف محدد [12]،أي انه يدفع المساهمة في حالات القدرة ويحصل على المنفعة عند فقدان القدرة والمساهمة تأخذ شكل ضريبة على الدخل واجبة على المجموعة الوطنية تأخذ بحسب القدرة وتوزع بحسب الحاجة بحيث تحت حد معين يتوقف المواطن عن الدفع ويتمتع بعائد يوزع عليه من ضرائب الآخرين ويؤخذ النموذج النيوزيلندي دائما على انه نموذج لتوطين وتكييف أنظمة الحماية  الاجتماعية بحسب متطلبات الواقع المحلي وخصوصياته وذلك ردا على أنظمة  منقولة نقلا جاهزا.

 

 

 

 

 

ج -  استلهام النظام السوفيتي :

 

كان النظام  السوفيتي الستاليني بالخصوص متسلحا بنظام إيديولوجي لم يسبق إليه يعلن المساواة الاجتماعية ويقدم معالجة مختلفة للمسألة الاجتماعية قابلة للتطبيق على الأرض ورغم العداء السياسي الصريح  من قبل الدول الغربية فإن النموذج السوفيتي ألهم هؤلاء أفكارا جديدة وأدوارا جديدة للدولة والمجتمع تناقض بالدرجة الأولى المبادئ الليبرالية التي تأسست عليها الثورة الصناعية وأحدثت معها التمايز الاجتماعي القائم على بيع قوة العمل لمن يملك أن يشتريها( كانت قوة الحركات الاجتماعية هنا عاملا مؤثرا جدا ) .

لم يمنع عدم تخطيط ماركس وانجلز لنظام محدد من الضمانات الاجتماعية كما لم يمنع نقدهما للاشتراكية الديمقراطية التحريرية والمزيفة لإرادة الثورة لدى الطبقة العاملة لم يمنع كل ذلك  الدولة السوفيتية من تأسيس ضمانات اجتماعية قائمة على مبدأ العمل إذ يتصدر الدستور السوفيتي وكل الدساتير الدائرة في فلكه الشعار الهام[13] ” لكل حسب عمله “ وحفاظا  على قوة العمل كقوة مغيرة للطبيعة لا كسلعة للبيع توصلت الأنظمة الاشتراكية إلى إرساء أنظمة ضمانية تتمحور حول:

-       خدمة صحية مجانية من طرف طب غير تجاري. -       منافع نقدية تتمثل في جرايات تقاعد مكيفة حسب الأجر أثناء فترة النشاط الخاضع بدوره إلى الاختيارات الاقتصادية النابعة من اقتصاد  موجه من قبل الدولة [14]         وفي مقابل الإقرار بحق في منح عائلية فإن هذه الأنظمة  حافظت على منح عائلية ضعيفة في مقابل أولوية الأجور المستقرة فالمبدأ العام لكل حسب عمله لا يسمح بالرفع  من عائدات لا يكون العمل هو مصدرها ومبررها المركزي.

   وليس  هذا مجال تدقيق للمسائل الفرعية ولكن النظام السوفيتي للضمان الاجتماعي ورغم انه جاء تاريخيا لاحقا للأنظمة المعمول بها في البلدان الرأسمالية ومستوحى منها في تقنيات تدخل الدولة للانتزاع والتمويل وإعادة التوزيع.  إلا انه ألهم الأنظمة الرأسمالية نفسها في مجالاتمنها بالخصوص : الخدمة الصحية القاعدية المجانية والوقائية وسياسات التشغيل الكلي مستندة منهجيا على فكر اشتراكي إنساني أكثر مما تستند على مبادئ الحرية الاقتصادية وقوانين السوق.

ولن يقف تأثير النموذج السوفيتي عند حدود الدول الغربية التي تخوض معه صراعا إيديولوجيا وسياسيا وعسكريا إنما سيكون بالخصوص مصدر الهام للشعوب الحديثة الاستقلال التي استلهمت نموذج  الدولة المركزية الكافلة للمجتمع بمختلف شرائحه الاجتماعية. غير أن أكبر تأثير يمكن استنتاجه هو أن الضمان الاجتماعي كجزء لا يتجزأ من السياسة الاجتماعية سيصبح وسيلة قابلة للتطويع في يد الدولة ويخرج من أيدي الأطراف الاجتماعية المتصارعة لتتحول الدولة به إلى الكفالة الاجتماعية لا فقط كطرف اجتماعي وإنما كأقوى  طرف اجتماعي يفرض خيارات محددة.

   تحت هذا الغطاء الجديد ستولد الدولة الاجتماعية  Etat socialلتنتهي الدولة  الحارس Etat gendarme  فإصلاحات البرنامج الأمريكي الجديد تتمحور حول ارتباط الإصلاح الاقتصادي بشرط الرفع من الضمان الاجتماعي والنظام الإنجليزي هو نظام موضوع  لمقاومة العوز بقطع النظر عن أسبقية عقد الشغل والنظام النيوزلندي هو نظام الحفاظ على المجتمع الزراعي وعدم الانسياق في تحويل المجتمع المحلي/الزراعي وبصفة قيصرية إلى التصنيع على غرار ما اتجهت إليه البلدان المستقلة لاحقا . بموازاة كل هذه الإصلاحات الجذرية يظل النظام الفرنسي يعاني إلتباساته الداخلية غير قادر إلا في حدود على تجاوز طواطم الحرية واستقلال  الارادات [15]  . لكن تغيرات اجتماعية جذرية فرضت إصلاحات جوهرية وإن لم تغير في الأساس الإيديولوجي للنظام.

فقد شهد المجتمع الفرنسي في الثلاثينات انقلاب الهرم الديمغرافي واتجاه حجم السكان  إلى التقلص إذ فاقت الوفيات الولادات فتم توسيع التأمينات الاجتماعية إلى  غير الأجراء واتجهت إلى المستغلين الفلاحيين الذين كانوا خارج كل الأنظمة ثم اكتملت التوسيعات بإصدار مجلة العائلة منذ 1939 التي دفعت في اتجاه التشجيع على الولادات فوسعت المنح العائلية على كل ممارس لمهنة بقطع النظر عن القطاع بشرط أن تكون تلك المهنة هي المصدر الوحيد لبقائه ( ينظر الهامش السابق حول النظام الفرنسي)  .  وكانت هذه إحدى أبرز” استعمالات“   الضمان الاجتماعي كوسيلة تدخل دولة  في تعديل سير المجتمع. وكانت هذه التطورات بمختلف الأنظمة تتجه اتجاها واضحا نحو جعل الضمان الاجتماعي تقليدا دولتيا وأداة حكم تتأسس على أن تداخل الاجتماعي والاقتصادي ليس فقط ممكنا بل ضروريا ،  وبما هو كذلك فهو يصير مصدر للشرعية في الحكم يتأسس عليه الخطاب السياسي وتوضع انطلاقا منه البرامج الاقتصادية.  ولم تزد الحرب العالمية الثانية وبما ألحقته من دمار بالبنية الاقتصادية والبشرية في المجتمعات الغربية خاصة إلاّ دفعا في اتجاه ضمان اجتماعي كوني.

 

 

3)   إعلاء الضمان الاجتماعي إلى مصدر تشريع وشرعية:  

بدأت  ملامح تجاوز آليات اقتصاد السوق نحو آليات التعديل الاجتماعي بالتدخل الدولتي واضحة وشحنتها الحرب العالمية  الثانية بوضوح أكبر محيية ومتكئة على تجدد الشعور  القومي وعلى اللحمة الوطنية وعلى مبادئ حقوق الإنسان التي أعلتها المقاومة الكونية للنازية والفاشية  بما هي تيارات لا إنسانية قائمة على التفوق العرقي وعلى احتقار ملكات  الإنسان بحيث  تزامنت نهاية الحرب مع إعلان فيلادلفيا 10/05/1944 الذي أعلن مبادئ عامة تم تبنيها في الدورة 28 للمؤتمر الدولي للشغل وتحويلها إلى ميثاق المنظمة العمالية للشغل "وقد برز تأثير برنامج روزفلت  بها واضحا حيث أنها اتجهت إلى مقاومة  الحاجة والعوز وتأمين عائدات دنيا. لكل من هم في حاجة  إلى ذلك [16]  .

وفي محيط من سيادة المشاعر الخيّرة نجد مبادئ إعلان فيلادلفيا تتبلور في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10-12-1948 الذي نص في  فصله الثاني والعشرين. "على أن لكل شخص باعتباره عضوا في المجتمع الحق في الضمان الاجتماعي  وهو مؤهل للحصول على ترضية حاجاته وحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الضرورية لحفظ كرامته وضمان التطور الحرلشخصيته [17]“ ثم جلى الفصل 25  الصورة أكثر "لكل شخص  الحق في مستوى معيشي كاف لتامين صحته ورفاهه ورفاه أسرته من حيث التغذية واللباس والسكن والعلاج  الطبيعي وكذلك  في التأمين  في حالة البطالة  والعجز والترمل والشيخوخة وفي حالات أخرى كفقدان  مصادر الكفاية نتيجة عوامل خارجية عن  طاقة الفرد وإرادته" ولم تكن  الاتفاقية 102 لمنظمة العمل الدولية إلا بلورة وتفصيلا لمبادئ هذا الإعلان. و ما يمكن الإقرار به من هذا التحوّل النوعي للضمان الاجتماعي غداة الحرب العالمية الثانية هو   

1 - إن  الضمان الاجتماعي  لم يعد خيارا فرديا خاضعا لسياسة محدودة داخل دولة واحدة بل صار مصدرا تشريعيا انطلاقا من تصيير الاتفاقية الدولية والميثاق / الإعلان العالمي لحقوق الإنسان مصدرا تشريعيا سابقا في القانونية على التشريعات المحلية لكل دولة  على حدة ، ومصدرا للشرعية من حيث أن المصادقة على الاتفاقية الدولية لا يشكل انتماء رمزيا أو مكملا أخلاقيا لحقوق الإنسان وإنما التزام رسمي (implication)  باحترام وتطبيق مبادئ الإعلان إذا ما تم  القبول به والمصادقة عليه. لقد صار  الانتماء لحقوق الإنسان بما  في ذلك الضمان  الاجتماعي كحق مصدر للشرعية السياسية:

2- إن هذه الإعلانات أقرت صورة للضمان الاجتماعي لا تتعلق بترميم قوة العمل اليومي لمزيد استثمارها /استغلالها /بيعها في السوق وإنما وسعت قائمة الحقوق لتشمل كل مجالات الحياة الإنسانية وصيرت الضمان  الاجتماعي مرادفا للرفاه البشري الفردي والجماعي المضمون من قبل سلطة سياسية محلية الوجود  كونية المرجع.

3-  إن هذه الاتفاقيات  بما فرضته من سياسة ضمان اجتماعي أعادت صياغة العقد  الاجتماعي فلم يعد  الضمان الاجتماعي خيارا بل واجبا بقطع النظر عن كونه في المنظور الليبرالي الذي يوجه المجتمع  في كليته حدّا من الحرية الفردية في عدم حماية الذات وحتى إذا لم يرق إلى حماية الفرد من أخطار الحياة فإنه يجاهد أن يعوض الآثار السلبية على أولي الحق أي حتى إذا لم يكن ضمانا وقائيا فإنه يظل واجبا علاجيا تعويضا .

4- إن تغير روح العقد الاجتماعي لم تعد تسند إجبارية الضمان الاجتماعي على الضرورة الاقتصادية وحدها بل أسست للطبيعة الأخلاقية للعقد الاجتماعي  "فلم يعد يمكن للدولة أن لا تهتمّ بمصير المرضى الذين ليس لهم تغطيةاجتماعية [18]وأن دور الدولة ليس القيام بواجباتها الحرفية  فقط  كالأمن وإغماض عينيها عن الباقي وإنما للدولة واجبات تشريعية وأخلاقيةبالأساس [19]     .

"صارت هناك إذن أخلاق اجتماعية تقتضي أن يمنح العلاج لكل مريض وتوفر الكفالة لكل محتاج وغير قادر علىالعمل[20] وهذه الأخلاق الاجتماعية الجديدة تعود إلى توافق الواجبات والحقوق بحيث يتحول العقد الاجتماعي إلى قيمة أخلاقية تتماهى في الجماعة ويؤدي بها إلى التعرف على واجباتها. وبذلك يصبح الضمان الاجتماعي خيار المجتمع ويكون تدخل الدولة به   ( interface) لأنّها وحدها تملك احتكار القوة فإنها وحدها  قادرة على فرض المساهمات الواجبة على كل فرد وتقدير حاجة العطاء لكل فرد لإنجاح العقد الاجتماعي… "هكذا لا يصبح الخير مضادا للحرية ولكنه شرط تحققها وبما هو كذلك فإنه  يحقق توافق ما لم يكن قابلا للتوافق أي المجتمع والحريةالفردية [21]

وعلى هذا الأساس القانوني / الأخلاقي / الفلسفي الجديد تبلور الوجه الحقيقي للدولة الكافلة باعتبارها ضمانة معالجة المسألة الاجتماعية.   4)   التفارق الجديد بين الاقتصادي والاجتماعي وإعادة طرح المسألة الاجتماعية

 

إذا كان مصطلح المسألة الاجتماعية (la question sociale)يحيلنا في مطلق القول إلى لا وظيفية المجتمع الصناعي سواء في نشأته أو في تطوره ،  إذ أن تراكم تقاليد الحماية الاجتماعية داخل السياسات الاجتماعية الكافلة بما لعبه من دور كيد خفية تهمد الصراع الاجتماعي وتحافظ على السلم الاجتماعية والتماسك الاجتماعي                            ( lacohésion sociale)قد جعل الحديث في المسألة الاجتماعية حديثا في الكمّ أكثر مما هو حديث في النوع أو في المبدأ التأسيسي. لذلك فإن الحماية الاجتماعية كجزء من الكفالة الاجتماعية التي تضمنها الدولة قد جعلت أطراف العقد الاجتماعي في حالة تجاور لا في حالة تقابل. هذا التجاور جعل كل طرف منهما يسعى إلى تحقيق رفاهه الشخصي والذي كلّما لبّاه ساهم في تحقيق الرفاه العام الذي انبنى على قوانين المنافسة الاقتصادية متجسدة في نموذج الرفاه الفوردي  الاستهلاكي [22].

في أي أفق إذا يعاد طرح المسألة الاجتماعية وما هي خلفية التفارق بين الاقتصادي والاجتماعي؟

لقد تقدمت السياسة الاجتماعية الأوروبية بالخصوص فيما بعد أزمة 1929 مستندة إلى النظرية الاقتصادية الإجمالية أو الكينزية نسبة إلى ( جون ماينارد كينـز) التي تشرع لتدخل الدولة للحد من نزوات الفاعل الاقتصادي الخاص [23].وكان هذا التوافق بين الاقتصادي والاجتماعي داخل النموذج الاقتصادي الاجتماعي أساسا للدولة الكافلة أو الدولة الاجتماعية التي ضمنت الأمن الاقتصادي و”جعلت يوطوبيا المجتمع المتحرر من الحاجة ففي نهاية السبعينات في  متناول الأيدي “[24] .

لقد أشرنا في موضع سابق إلى أن حجم المساهمة التمويلية للضمان الاجتماعي ونوعها (مساهمة ضريبية أو مساهمة اجتماعية) لا يحدد فقط طبيعة نظام الحماية الاجتماعية (مهني أو كوني) ولكنه يحدد كذلك طبيعة النظام الاجتماعي الذي يشرع له ويبنيه وقد أمكن أحداث تصنيفات لنماذج الدول بحسب نماذج الأنظمة الاجتماعية أي السياسات الاجتماعية التي تحدد داخلها الحماية الاجتماعية وهذا وإن لم يكن موضوع  عملنا المركزي إلا أننا  نكرّر الإشارة إليه لكي نخلص إلى أن ازدهار الحماية الاجتماعية كان نتيجة لهذا اللقاء التاريخي بين إرادات أطراف العقد الاجتماعي لتجاوز الأزمات الهيكلية عبر تشريع تدخل الدولة لإعادة التوازن كلما اختل،  والدفع في اتجاه النمو كلما حدث ركود.

 هذا اللقاء وضع التحويلات الاجتماعية les transferts sociauxبيد الدولة لتقوم بواسطتها بإعادة التوازن ويعطيها صبغتها واسمها الاجتماعيين "حيث صار تدخل الدولة في المجال الاقتصادي يعطيها صبغتها الاجتماعية إذ يصير تدخلها لحماية الفئات الأقل حظا في العملية الاقتصادية أي تحقيق الكفالة الاجتماعية لمن يعجز دون رفاه السوق [25].

 ولم تكن الدولة الكافلة أو الدولة الاجتماعية واحدة ولا يمكن إدراجها تحت صنف واحد رغم واحدية التسمية وذلك اعتمادا على اختلاف درجة تدخلها، ويمكن إيراد تصنيف مختصر جدا لنماذج هذه الدول ينبني بالأساس على اختلاف درجة التدخل المبنية على قراءة و تأطير   للاجتماعي  [26].

ولكن بقطع النظر عن التنوع فإن الدولة الكافلة تعرضت منذ بداية نهاية الرخاء الفوردي في السبعينيات إلى نقد شديد يمتد الآن إلى إعادة التفكير الجذري في تصور الاجتماعي وإعادة طرح المسألة الاجتماعية وقد كان النقد الأشد الذي وجه إلى الدولة الاجتماعية هو أنها "انبنت على التأمينات الاجتماعية حيث تبرز الدولة كآلة تعويض لأضرار ناتجة عن السياق الاقتصادي وحيث الحقوق الاجتماعية هي حقوق أخذ فقط يمكن الترفيع فيها خلال حالات اللاّ وظيفية الاقتصادية“  [27].

لقد توجه النقد أولا إلى طريقة عمل الدولة الكافلة فأبرز الاختلال بين المصاريف الاجتماعية المرتفعة وعجز المداخيل عن مماشاتها فأعطى للأزمة صبغة مالية ثم اتجه النقد إلى الثقل البيروقراطي للجهاز الاجتماعي فأعطى للأزمة صبغة تسييرية ولكن كلا النقدين لم يتعرض لمبدئية الاجتماعي وأهميته لكن الأسئلة التي تطرح راهنا (تحت ضغط العولمة ) لا تقف عند الاعتراضات القديمة وإنما تمر إلى أبعد من ذلك فتعيد السؤال حول المبادئ التي تنظم التضامن مؤكدة على لا  توافق الوسائل القديمة للتصرف في الاجتماعي فتشرع بذلك لأسئلة فلسفية ، لا تتجرأ على دور الدولة الكافلة في الحفاظ على التماسك الاجتماعي ولكنهه تدعو إلى إعادة تأسيسها على أساس فكري وأخلاقي جديد يتجاوز التصوّر السائد للاجتماعي خلال القرن العشرين الذي انبنى على تعويض الإقصاء من الاقتصاد بالرفع في المساهمات على العمل مما يحد من كمية العمل فيزداد الإقصاء.

إن الأزمة الراهنة والتي نجد أن بحثنا يندرج داخلها تطرح في الأفق التالي.

 كيف يتم إغناء مفاهيم القانون الاجتماعي للحصول على مدخل آخر للإدماج الاجتماعي وتشخيص وسائل كافلة لمواجهة ظواهر هيكلية طويلة المدى كالبطالة المستديمة والإقصاء؟.

لا يهدف هذا البحث للإجابة عن هذا السؤال الإشكالي ولكن يؤكد على أن السؤال يندرج في سياق تقدم العولمة الاقتصادية التي فتحت أبواب الاقتصادات الوطنية على بعضها البعض ولم تدع لأحد القدرة على أن يعزل اقتصاده الخاص عن تأثيرات الاقتصاد العالمي وخصوصا فيما يتعلق بإعادة تقسيم العمل داخل السوق العالمية التي تتحكم فيها الرساميل الطيّارة، مما يضعف قدرة الحكومات المحلية على تقرير مستوى الحماية الاجتماعية الذي عليها اعتماده.

وفي سياق العولمة يعود خطاب السوق للهيمنة متخذا المقاربات التجارية التي تعيد المآخذ التقليدية على الضمان الاجتماعي كجزء من الحماية الاجتماعية مشككة فيما إذا كان لا يزال قادرا على تحقيق الأهداف التي وضع من أجلها وأين يجب أن تقف مسؤولية الدولة في مجال التمسك بالحماية الاجتماعية الكلاسيكية التي كانت تنساق داخل اقتصاد مخطط حيث كان التخطيط هو مدخل الدولة لتوجيه العملية الاقتصادية وتحديد سرعتها. عندما تبدأ العولمة في إلغاء مبدأ التخطيط الاقتصادي وتشرع في تفكيك آليات التحكم في السوق الداخلية فإن الحماية الاجتماعية عامة والضمان الاجتماعي بالخصوص يفقد مكانته المركزية وقد بدأ الخبراء في إطلاق صيحات الفزع "حين تجلى أن المرور من اقتصاد مخطط إلى اقتصاد السوق أصعب مما كان متوقعا وأن التنمية الاقتصادية لا تضمن آليا المستوى المرغوب من التنمية الاجتماعية (…) لذلك فإن ما يدفع راهنا في عمليات الإصلاح الهيكلي يكلف ثمنا باهظا  يتمثل في انخفاض مستويات العلاج والصحة والتعليم وفي ارتفاع نسبة الجريمة في بعض الأحيان انخفاض محسوس في أمل الحياة (…) وإذ كان التحول نحو اقتصاد السوق و العولمة المتسارعة للاقتصادات الوطنية قد أفادت بعض الفئات من السكان أو بعض البلدان فإن الدرس المستفاد من هذا النمو الاقتصادي بتقدم العولمة لا يؤدي بالضرورة إلى تخفيض مستوى الفقر أو الرفع من مستوى الحماية الاجتماعية للسكان[28] .

لذلك فإنه بقطع النظر عن التراجعات الفنية الفعلية في أنظمة الحماية الاجتماعية بدءا بتراجعات تاتشر عن مبادئ برنامج بفردج الكوني الذي تحول مع حكومة المحافظين إلى برنامج يخضع للتقدير التجاري[29] ،أو إلى عزل توحيد أنظمة الضمان الاجتماعي الأوربية عن سياق التوحيد الاقتصادي وترك مجال السياسة الاجتماعية مجالا وطنيا غير  أوروبي [30]فإننا نستشف تراجعات مبدئية عميقة بمعارضة الضمان الاجتماعي في مرحلة التأسيس في نهاية القرن التاسع عشر.

فالسوق كقوة فعالة يبني خطابه الجديد حول الضمان الاجتماعي على "أن التحويلات المالية والعينية الجماعية خصوصا العلاج والصحة ليست منافع متوفرة بشكل دائم أو قابل للتجديد إلى ما لا نهاية لتستجيب للحاجات (…) وإن هذه التحويلات تؤثر على سوق الشغل وتشكل عبئا على الماليات العمومية دون أن تفلح في مساعدة المحتاجين إليها فعلا مع التأكيد الدائم على  "أن الحماية الاجتماعية الجزلة هي ثمرة انتزاع ضريبي واجتماعي يرتفع وكل تحيين في المنافع يؤدي إلى الرفع في المساهمات أي مضاعفة الأعباء على رأس المال وبالتالي تعطيل المنافسة وفي نفس الوقت تعويد  المستفيدين من الحماية على الكسل [31]

ويمكن تلخيص هذه المآخذ القديمة الجديدة فيما يلي:

- ازدياد التبعية للحماية الاجتماعية عوضا عن الاكتفاء الذاتي.

- تنامي أسباب البطالة الطويلة الأجل.

- فقدان الثقة في التصرف العمومي في أنظمة الحماية الاجتماعية .

-       ضرورة الدخول في العولمة الاقتصادية .

لذلك وأمام تقدم السوق الكونية الجديدة لا بد لسياسة الضمان الاجتماعي   أن تمر بالضغط على كلفة   الاجتماعي وتعيد  توظيف المصادر المادية والبشرية .

إن الخطاب الجديد حول الضمان الاجتماعي وإن كان لا يجرؤ على إلغاء الضمان الاجتماعي إلا أنه يتجه إلى الحد منه مموها ذلك غالبا بالقول بأنه ليس حقا دائما وفي اتجاه واحد وأنه لا بد من إعادة توظيف المصادر بما يعنيه ذلك من إعادة النظر في جدوى المقاربة الاقتصادية الإجمالية  التي شرعت للدولة الكافلة دون تقديم بدائل إجرائية تحافظ على ما تم بناؤه طيلة قرن من الجهد الحقيقي المشدود إلى أهداف العدالة والمساواة ومما يسمح للخبراء بالتساؤل الساخر أمام تقدم العولمة  "أليس من دواعي السخرية أنه في الوقت الذي يعاد فيه التساؤل حول جدوى الدولة الكافلة فإن الأشخاص الذين ينزلون تحت خط الفقير يزدادون عددا [32].   

وإن كان هؤلاء الخبراء يتكلمون غالبا من منطلق معرفتهم المتخصص بالتجارب الحمائية الأوربية ويجدون الدولة الأوربية على قوتها تعيد النظر في سياسات[33]الضمان الاجتماعي   تحت تأثير العولمة فكيف سيكون الأمر بالنسبة لاقتصاديات العالم الثالث الذي ننتمي إليه. لنتقدم أكثر في اتجاه عن الإجابة لهذا السؤال فإنه يجدر بنا أن نفهم كيف تعمل العولمة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

5) العولمة الاقتصادية  تهمّش الاجتماعي .

 

  أ- العولمة كصيرورة تاريخية

 

ثمة مداخل متغايرة لفهم العولمة كمسار تاريخي وكمصير ،  تختلف فيما بينها بحسب الموقع وزاوية التناول ومن حيث نقف في هذا العمل بحثا في عملية تفكيك الاجتماعي وإلحاقه بالاقتصادي محليا ،  نجد أن العامل المركزي الذي تحكم في آلية العولمة والذي تأتي بقية العوامل انعكاسا أو عرضا له هو الفاعل الاقتصادي بما هو آلية تشابك وتفاعل بين الفاعلين الاقتصاديين على صعيد عالمي فإذا كانت هناك تأثيرات للعولمة على الاجتماعي أو عولمة اجتماعية فهي من منظورنا لاحقة لما يموره الاقتصادي العالمي من تأثير في مجتمع محلي، يشارك من موقع منفعل في ضرورة العولمة. و لا يلغي منظورنا هذا عوامل محلية أو تاريخية لكنها في راهن العولمة تبدو ثانوية التأثير لذلك فإن جهدنا سينصب ّ على متابعة جانب من فعل العامل الاقتصادي على آليات العمل الاجتماعي للدولة وصولا إلى كشف احتمالات هذا التأثير على تشريع الضمان الاجتماعي موضوع بحثنا المحلي   كمثل / عينة.

فكيف يعمل الاقتصادي ضمن سياق العولمة عامة  ؟  وكيف يؤثر على الدولة كفاعل وطني مرهون بالتاريخ والجغرافيا ؟  وكيف أمتد التأثير والإلحاق للاجتماعي بالاقتصادي ؟

ولنبدأ من موقع قريب نسأل متى بدأت العولمة ؟

تتركز أغلب الدراسات حول الواقع الراهن للعولمة متخذة العقود الأخيرة بين القرن 20 مادة عملها الأساسية غير أن مفكرين كثر يعودون بالعولمة كصيرورة تاريخية إلى تبلور الرأسمالية في القرن 19. غير أننا نجد من يعود بالبدايات الفعلية لهذه الصيرورة إلى بداية القرن 15 معتمدا على "أن الإقطاع الذي سبق هذه الفترة لم يكن يسعى إلا لتأبيد  حدوده الإقطاعية وأحكام السيطرة عليها في الوقت الذي كانت فيه الكنيسة تحارب من أجل تأبيد  سلطتها الروحية مستعينة بالممالك التي تماشيها لتأييد سلطتها الدنيوية التي يشكل الإقطاعيون مفرداتها الأساسية. ومع انبثاق الرأسمالية وبروز الدولة فقد الإقطاع والكنيسة شيئا فشيئا من سلطتهم لصالح حكومات مركزية متجسدة في أباطرة وملوك مطلقي الصلاحية وتعتبر اتفاقية (واست فالي :  Westphalie  )  المعقودة سنة 1648 منطلق تاريخيا لبداية التعامل بين حكومات وطنية تضع الاتفاقيات وتشن الحروب وتفرض بذلك نظاما ذا صبغة كونية لا يسعى إلى الاستقواء بالحرب وحدها بل بالسياسة الاقتصادية أيضا [34]      وعليه يمكن اعتبار المركنتيلية التي سيطرت في نهاية القرن 17 وبداية القرن 18 هي التجسيد الاقتصادي للدولة الوطنية التي استدعت  سياسية حمائية لمنتجاتها وامتيازاتها الجغرافية من خلال مفاهيم مثل الميزان التجاري والضرائب على الاستيراد ودعم الصادرات ولقد أدّى هذا التوجه الحمائي إلى تبلور تيار يدعو  إلى التبادل الحر بما هو عملية إلغاء القيود السياسية والجغرافية ويعتبر إحدى العوامل المولدة للثروات.   وبين التيار الفكري الاقتصادي الداعي إلى حماية التجارة تم المنتجات الصناعية الوطنية والتيار الداعي إلى إطلاق حرية التبادل تطورت سيرورة العولمة في شكل صراع سجالي توسع في فترة تاريخية محددة إلى البلدان المالكة للمواد الأولية تحت مسميات الحماية أو الإلحاق أو الاستعمار.

في هذا الصراع السجالي وتذكيرا بأهم المفاصل فيه وصولا إلى العقود الأخيرة (نذكر) أن تيار التحرر المطلق أوصل الاقتصاديات العالمية إلى أزمة 1929 مما أضطر حكومات الدول الوطنية إلى وضع يدها على العملية الاقتصادية معتمدة هذه المرة على أراء كينـزية تشرع لتدخل الدولة وفرض القيود الحمائية.  وبعد سقوط الأنظمة الفاشية الكليانية تشكل نظامان اقتصاديان.

* الأول تحت واجهة منظمة التعاون والتنمية الأوروبية جمعت الدول الرأسمالية الداعية إلى تدخل الدولة ولكن في الحدود الدنيا.

* والثاني نظام الكتلة الاشتراكية المعتمدة على اقتصاد موجه كليا من قبل الدولة حيث عمل هذا النظام طيلة نصف قرن حتى سقط مع جدر برلين .  ويعاد إلى سقوط جدار برلين كعلامة تاريخية فارقة لانتصار دعاة التحرر الاقتصادي أو الأنظمة الديمقراطية التي تأسس ديمقراطتيها على مبادئ الحرية الاقتصادية  ونهاية هذا التقسيم الثنائي

ومع نهاية القرن 20 عادت جل بلدان العالم في تقليد بلدان الغرب الرأسمالية وبتطويع مؤسساتها إلى الفلسفة  الاقتصادية لهذه الدول وذلك بخوصصة الصناعات العمومية وتفكيك الأجهزة  القانونية و  الترتيبية التي تشرع لتدخل الدولة وصولا إلى الحد من النفقات العمومية وإطلاق يد الفاعلين الخواص.   "في خلال عشر سنوات حدت كل حكومات العالم بقطع النظر عن أيديولوجياتها القديمة من نشاطها وصار الفاعلون الخواص يطورون إمكانياتهم معوضين بذلك الحكومات في الأدوار الاقتصادية الأولى على الصعيد العالمي ،  مستفيدين من تطور تكنولوجي مذهل ففي زمن الإنترنت يتم تبادل ما مقداره ألف مليون دولار في اليوم في عمليات تبادل قصيرة الأمد وما مقداره أربعة آلاف مليون دولار من التبادل التجاري في السنة [35].

ب- خصوصيات العولمة الاقتصادية الراهنة .

 

رغم أن الرجوع التاريخي السابق ركز على آليات العمل الاقتصادي بالأساس إلا أنه لا يمكنه أن يغفل التطور الاجتماعي الذي صاحبه والذي بسطنا فيه القول سابقا ، مما يجعل تعريف العولمة بأنها عملية اقتصادية بحتة تعريف رجراج وقابل للتضمين مما مستدعي مقاربة متعددة الأبعاد تأخذ بعين الاعتبار التغير الاجتماعي في كليته للوصول إلى تعريف محدد ودقيق وهو مالا يشغل هذا العمل  بالدرجة الأولى بقدر ما يبحث  على تعاريف متخصصة وعملية   تصدر غالبا عن منظمات عاملة فأحد أهم التعاريف المتخصصة هو تعريف المجلس الأوروبي الذي "يرى أن العولمة هي الصيرورة التي تتداخل بمقتضاها الأسواق والإنتاج في مختلف البلدان وتزداد تداخلا من خلال تبادل الخيرات والخدمات وكذلك من خلال التدفق Flux  النقدي والتكنولوجي وهي ظاهرة ليست جديدة ولكنها تتابع لتطور مستمر انطلق من أمد بعيد [36].وإذ تؤكد مختلف التعاريف بما فيها المتخصصة أو المهنية على أن العولمة سياق متتابع فما هي ميزة العولمة الراهنة ؟ .

إلى جانب هذا الإجماع حول تاريخية الظاهرة فإن هناك إجماع حول مسألة ثانية تتمثل في أن تغييرا هيكليا أصاب هذا السياق التاريخي. " فالاقتصاد العالمي ما قبل التسعينات هو اقتصاد تتشكل وحداته المركزية من الاقتصاديات الوطنية إي  الفاعلين الاقتصاديين المرتبطين بمجالات اقتصادية وطنية معرفة بدقة ورغم أن هذه الوحدات قد تندمج وتتداخل مع وحدات أخرى خارج مجالها الوطني إلا أن مجالها الوطني يظل غالبا منفصلا عن المجال العالمي.

فالوحدة القاعدة في الاقتصاد هي الفاعل الوطني في مجاله الخاص غير المنعزل عن المجال العالمي (….) في مرحلة متقدمة في بعض الاقتصاديات يتحول فاعلون وطنيون إلى فاعلين عالميين في شكل شركات متعددة المواقع العالمية (Multiterritoriale)  ولكنها تحتفظ بمرجعية وطنية وتطبق قوانين بلد المنشأ وتخضع لمراقبته وتتصرف انطلاقا منها فهي امتداد  للرأسمالية المتأصلة في المستوى الوطني"  [37].إما الاقتصاد العالمي في المرحلة الراهنة من العولمة أو الاقتصاد المعولم, فإن المفردات الأساسية فيه تجاوزت الوطن كمفهوم جغرافي وتاريخي واقتصادي لتعلو فوق الاقتصاديات الوطنية والفاعلين الاقتصاديين الوطنيين ثم تفرض عليهم إشكالا وميزات محددة فتحدد ما يجب أن يفعل في المستوى الوطني في القطاع العام كما في القطاع الخاص وتهمش بذلك آلية التحكم الوطني مسقطة كل أشكال الرقابة في الاقتصاد العالمي المعولم "يصبح الفاعلون الاقتصاديون تنظيمات مستقلة عن كل منشأ أو قاعدة وطنية تتزود وتنتج وتتاجر بطريقة عالمية خالصة ولتتجاوز المتنافسين وتحقق أكثر ما يمكن من الأرباح فإنها تطوي الكرة الأرضية بحثا عن مواقع إنتاج فعالة وبأقل كلفة ممكنة  وتتصرف في بذلك بوسائل وطرق عالمية وبموظفين من كل الجنسيات ، فتتحرر من كل ارتباط وطني ويصير وطنها هو الامتياز التنافسي [38] . وإلى جانب قوتها الذاتية حيث أن رأسمال البعض منها يفوق ميزانيات الكثير من الدول فإن هذه الشركات / التنظيمات تتحرك بسهولة بفضل ما تعرضه من قروض مغرية وبفضل ما تمنحه بلدان الاستقبال الباحثة عن التنمية المحلية "فالتسهيلات البنكية التي تقدمها هذه البلدان تسمح لهذه المؤسسات بسرعة تحريك رساميلها فتزداد بذلك قدراتها على الهروب من المجالات القانونية الوطنية لمن يسعى إلى توطينها وبهذه القدرة تتمكن هذه الشركات من الضغط على الحكومات مجبرة أيها على تخفيض الضرائب ومختلف الأعباء على رأسالمال[39] .

أنها عملية تداخل بين هذه المؤسسات التنظيمات وبين الدول الوطنية التي  لا تزال مشغولة بالتنمية المحلية أي بين مالكي اقتصاد المعلومة والربح وبين اقتصاد الإنتاج والتنمية  "حالة تداخل تجعل مفهوم وطنية المؤسسة الاقتصادية مسألة خالية من المعنى كما تجعل مفهوم الدولة الوطنية ومبادراتها مسألة مهمشة بل تجعلهاعنصرا مزعجا أو لا داعيله.[40]و عملية التداخل / الفرز هذه  تقسم العالم بين من يملك تكنولوجيا الإعلام والاتصال وبين لا يملك .لذلك نجد تقسيما إلى ثلاث فئات هي  :

-       "فئة من يستطيع أن يمنح الأخر أو يهدده أي مالكي القوة العسكرية، -       وفئة من يقرض ومن  يمنع الاقتراض أي مؤسسات الإقراض العالمية  وهاتان المؤسستان على أهميتهما مرهونتان للفئة الثالثة ، -       فئة من يتحكم في المعرفة والإعلام وهي نفس الفئة التي تحدد ما يجب أن ينتج ولا يجب ( حيث يقف على راس قائمة أغنياء العالم اقدر رجل على صناعة التكنولوجيا وهي تكنولوجيا الذكاء )  .أمام هؤلاء يصير الفاعل الوطني أقل فاعلية إذ عليه أن يأخذ بعين الاعتبار قرارات الفاعلين الأقدر فهي التي تملك سلطة تحديد مكان إنتاج الخيرات بقطع النظر عمن هو محتاج إليها فعلا.

إن امتلاك تكنولوجيا الإعلام والاتصال يؤدي إلى خفض كلفة المعلومة وتسهيل طرق الوصول إليها واستعمالها فإذا كانت المعلومة الأهم هي المعلومة الاقتصادية فإن ذلك يؤدي إلى تسهيل حركة رؤوس الأموال على الصعيد العالمي.   والكلفة المنخفضة للمعلومة يؤدي كذلك على خفض كلفة الصناعات التحويلية ، التي تصير الآن تقليدية مقارنة بصناعة الذكاء. والكلفة المنخفضة تفتح الأسواق ، فبواسطة تقنيات التنظيم والإدارة فوق الوطنية فإن العمليات الإنتاجية تضمن لنفسها الطواعية اللازمة لمواجهة وتجاوز الاختلافات المحلية والجغرافية والثقافية.

هذه اللامركزية في الوحدات الإنتاجية مضافا إليها تنوع وتطوع المناولين المحليين يسمح لهذه الشركات بالحصول على الربح الأقصى والتحكم في المعلومة الاقتصادية يسمح برسم خريطة للعالم على أساس المناطق الأقل كلفة في الإنتاج محددا دور الفاعل الاقتصادي والسياسي المحلي في تهيئة البنية التحتية بما في ذلك القدرات الفنية (وهو ما يسمى في لغة العولمة بصناعة الامتيازات التنافسية).

يزدهر في الأثناء القول الاقتصادي الافرادي بأن المنافسة صيرورة دائمة نافيا أن تكون طريقا للاحتكار.  لكن الآليات الراهنة التي تؤدي إلى حصر الفائدة في عدد محدود من الناس ومن الشركات/ التنظيمات يؤدي إلى طرح سؤال جوهري : لمن تكون العولمة مفيدة ؟

وهو سؤال الطرف الثاني في صيرورة العولمة أو من استصلح عليه بالفاعل المحلي" إن اعتماد العولمة على التحديث التكنولوجي يمكن من القضاء على ندرة المواد ولكن ترافق ذلك مع عجز فعلي عن تقسيم عقلاني للثروات [41] و في  أخر التسعينات صار المثال التايلاندي أمثولة في هذا المجال، ودون الذهاب  في دراسة مقارنة فإن يمكن الإشارة إلى أن هذه الحالة قد جسدت مثاليا عمل العولمة كآلية اقتصادية أولا …"فقد تطور هذا البلد طيلة سنوات 80 وإلى سنة 1995 معتمدا على تنويع الموارد الفلاحية والصناعية والتصدير نحو الأسواق العالمية ثم المشاركة في صناعة تكنولوجيا متقدمة مخصصة للتصدير وأدى هذا إلى نتائج مغرية بالمزيد من الاستثمار، لكن في وسط التسعينات حدث الانهيار المدوي والذي تجاوز تأثيره حدوده المحلية لينال من سلامة الاقتصادات الآسيوية المحيطة. والسبب الظاهر للنمو السريع ثم للانهيار السريع كان الدفق الهائل للرساميل الأجنبية وتوظيفها لمدة قصيرة ثم سحبها بسرعة فأدت أولا إلى إغراق السوق ثم إفراغها خصوصا ما سحبته من أرباح [42] ومثالية الحالة التايلاندية تظهر :

-       في تشابك الاقتصاد المحلي مع المحيط العالمي بحيث يؤدي الانهيار في مكان إلى تلاحق الانهيارات في أماكن أخرى.  -       في أن الرساميل الطيارة رغم ما قد تخلقه من طفرة اقتصادية تظل تتحكم بنفسها ولها حركتها الخاصة وهو ما سبق ذكره من أنه ليس لهذه الرساميل وطن. -       أن رفع الحواجز والمراقبة المحلية يسهل جلب هذه الرساميل لكنه لا يمنعها من الذهاب مما يجعل الاقتصادات الصغيرة والمفتوحة أعجز من أن تواجه أو تحتمل هذه الحركية حيث أن انسحابها يوقف النمو الاقتصادي ويؤدي إلى الانهيار الاجتماعي.

ومن جهة النظر هذه فأن العولمة بهذا المنهج والأدوات  ليست آلية نمو وطنية وهي غير قابلة للتوطين.

غير أن العولمة ليست شرا كلها ، فمدافعون كثر عن المثال التايلاندي لا يرون الشر كله في العولمة بقدر ما كان يجب أن يسبق دخول الرساميل من تهيئة المجال التشريعي وتطويع المؤسسات الداخلية للسيطرة على هذا الدفق النقدي.  مما يعيد الحديث في العولمة إلى بداية جديدة إلى ما يجب أن تفعله الدولة أو ما تبقى لها لتفعله في استقبال العولمة لتوطينها أو توطين نفسها ضمن العولمة، فالفرع يلحق بالأصل عادة.

 

 

 

 

 

ت- دور الدولة الوطنية في العولمة ؟

 

لا بد أولا من إحداث تمييز منهجي في تعريف الدولة الوطنية، فالمراجع حول العولمة كصيرورة اقتصادية تتحدث عن الدولة الوطنية ضمن النطاق الجغرافي الأوربي. فإذا وسعت زاوية النظر فلتشمل دول أوروبا الشرقية الخارجة حديثا عن الكتلة  الاشتراكية المنهارة ونادرا جدا ما يقصد بالدول الوطنية مجالات جغرافية خارج المجال الأوربي والتمييز المنهجي ينبني على صيرورة الانبناء التاريخي لهذه الدول، فالدول الأوربية تطورت إلى المرحلة الراهنة متحكمة بشكل كامل في آليات نموّها الداخلي معتمدة على موارد طبيعية وبشرية مختلفة منها موارد كثيرة من خارج مجالها الجغرافي . بحيث لما دخلت مرحلة العولمة كانت بالنسبة لها مرحلة نمو جديدة لم تفقدها استقلالها الاقتصادي الذي كان السبب الرئيسي في نموها.

أما خارج المجال الجغرافي الأوربي فإن إطلاق مصطلح الدولة الوطنية على الكيانات الجغراسياسية  يحتمل الكثير من المجاز( أو الذاتية حيث يسمي مفكرو  وسياسيو هذه الدول دولهم بالوطنية قياسا على أو انطلاقا من انتماء وطني وقومي )  لأن تملكها لآيات نموها الداخلي لم تكتمل بعد وإن كان الاستقلال السياسي ظاهرا بعلاماته المختلفة.  فإذا استعمل اصطلاح  الدولة الوطنية فليقصد به  الكيانات السياسية خارج المجال الفعلي       ( التاريخي )  للدولة الوطنية و بتحفظ على امتلاك هذه الدول لمصائرها الاقتصادية قبل العولمة. فإذا انضافت إلى  هذه الكيانات التابعة اقتصاديا تأثيرات  العولمة الاقتصادية فإن مهام هذه الدول وأدوارها تتحدد من جديد. وربما دون استباق للنتائج، تضطر إلى إعادة تشكيل هويات اقتصادية جديدة هذا إذا كان ممكنا تحديد مفردات الهوية في سباق العولمة الاقتصادية.

ويقدم المدافعون عن العولمة دروسا مفادها "أن مؤسسات أي بلد تتطور بالتدريج انطلاقا من السياق الاجتماعي والتاريخي الخاص وهي تتكامل وتعتمد واحدة على الأخرى محققة بذلك تكامل الاقتصادي مع الجسد الاجتماعي، فإذا تسارع نسق العملية الاقتصادية تحت تأثير الرساميل الطيارة قبل أن تتطوع المؤسسات المحلية لهذا النسق فإن هذه البلدان تنهار فمن الصعب على بلد نام أن يؤهل مؤسسات وضعت بحسب مقاييس وقيم مغايرة وقد استغرقت وقتا طويلا لتصل إلى ما هي عليه لذلك حافظت بلدان المنشأ لهذه المؤسسات على هويتها وهي تدخل في  العولمة [43]  . 

إذن الحديث عن الدولة الوطنية في العولمة يستدعي الحديث عن الهوية المحلية وآليات النمو الطبيعي المنبعث من مفردات الواقع المحلي. أي أن العولمة وهي تتقدم في المجال الخاص للدولة الوطنية لتعيد إلى السطح التناقض القديم الجديد بين الحرية الاقتصادية المطلقة كمحرك للعولمة وبين الدفاع عن آليات النمو الداخلي بحسب النبض الخاص كآلية دفاع وطني تستدعي الحد من الحرية الاقتصادية المطلقة أي العودة إلى التقابل بين الاقتصادي والاجتماعي.

غير أن الفاعلين الذين يطلب منهم التدخل الآن هم الفاعلون الأضعف في صيرورة العولمة أي الأطراف المحلية أو الدول النامية، المشغولة أساسا بالرفع من التشغيل وبرفع سقف الغطاء الاجتماعي وتوسيعه باعتبار ذلك أولويات تنموية أساسية متفق عليها من خلال إمضاء هذه الكيانات السياسية على الاتفاقيات الدولية الموضوعة للغرض لا فقط لممارسة السيادة بالإمضاء بل باعتبار ذلك بداية مشاريع التنمية الداخلية طبقا لمقاييس كونية( العقد الاجتماعي الداخلي الذي تأسست عليه هذه الدول عند إعلان استقلالها ) . وضعف هذه الكيانات التاريخي يعود إلى افتقادها إلى الرأسمال كأداة للتنمية انطلاقا من أنه لا تنمية إلا التنمية الرأسمالية وبمقاييسها خصوصا إزاء فشل النموذج التسييري الاشتراكي  فتضطر الكيانات الوطنية راهنا  إلى إغراء الرساميل الأجنبية بالاستثمار في مجالها الجغراقتصادي متخذة إلى ذلك سبيل تخفيض الأعباء الضريبية والاجتماعية على الرساميل   فيتم مثلا إخضاع سياسة التشغيل بالمنافسة الاقتصادية بتحرير القيود حول التشغيل وإدراج عقود العمل المحدودة المدة أي جعل عقد الشغل عقدا مطواعا [44].

"وربط سياسة التشغيل بالمنافسة تحد من قدرة الحكومات على الاختيار (…) فالدول التي ترفع شعار الدخول في العولمة كضمانة للبقاء والتنمية تقبل بوضع شروط داخلية للعمل مخالفة للاتفاقيات الدولية  [45] مما يجعل سوق الشغل لديها مفتوحا وغير مكلف، ولا يعمل كعائق للمنافسة، وتصبح هذه الدول مقيدة في سياساتها التشغيلية إذ عليها أن تراعي دائما تأثير ذلك على موقعها الاقتصادي في الخريطة المسطرة بحسب البلدان الأقل كلفة استثمارية.

ولا يقف التأثير على مجال التشغيل وحده بل يمتد إلى المساس بأنظمة الحماية الاجتماعية وتفضل هذه الدول لإغراء الاستثمار الاكتفاء بالحدود الدنيا إذا لم تنزل دونها غالبا ،  فانطلاقا من أن سخاء نظام اجتماعي ما  يعتمد على انتزاع ضريبي واجتماعي مرتفع فإن قوانين المنافسة (ومن ضمنها التهديد الدائم بنقل مواقع الاستثمار LaDélocalisation  يجبر الدول قبل قدوم هذه الرساميل وبعده على التخفيض في الضرائب والمساهمات الاجتماعية وتنقيص  Dégressage الأنظمة الحمائية، حتى صار في عالم المنافسة المعولم أن النظام الاقتصادي الأنجع هو النظام الاقتصادي الأقل كلفة اجتماعية.

"وهناك سؤال معلق بعد ،  إلى أي حد يمكن أن تذهب الدول في المنافسة بواسطة تخفيض الأعباء الاجتماعية لجذب الاستثمار[46]وهو سؤال يدل أن الدول الوطنية بحسب افتقادها إلى رأس المال تتعرض إلى اختبارات حقيقية ففي زمن تأسيس هذه الدول – ويمكن هنا التخصيص على الدول النامية – كان مجال السياسة الاجتماعية وسياسة التشغيل مجالا وطنيا بامتياز لا فقط في تحديد السياسة الوطنية بل أساسا في كسب الشرعية وحق البقاء والحكم. "وما يجري فيها اليوم يدل على أن ما كان صالحا محليا لم يعد كذلك عالميا (…) لقد صارت حرية الحركة لدى أصحاب القرار الوطني مرتبطة بالآخر العالمي في أكثر المجالات حساسية، فالسياسة الوطنية لم تعد تقيم وطنيا بل في سياق عالمي [47]إن هذا التحديد الجديد للأدوار والمهام يطرح أسئلة هامة حول فعالية الدول الوطنية إزاء الشركات وما تبقى لها أن تفعله إذا كانت خياراتها الاجتماعية الوطنية تحدد من خارجها .

إن العولمة الاقتصادية الراهنة تتم في اتجاه إعادة تعريف الدولة الوطنية وتحديد دورها بحصره في مجال تهيئة المجال الوطني ليكون مجالا مفتوحا باستمرار أمام الرساميل الطيارة، بما يعنيه  ذلك من إعادة تعريف استقلالها وحصر مجال حركتها السياسية إزاء الفاعل الاقتصادي العالمي أي إعادة تعريف الاستقلال والسيادة الوطنية . 

 

[1]  لم نعد هنا إلى دراسة تاريخ ودور دواوين الزكاة في الدولة الإسلامية لما في ذلك من بعد عن موضوع بحثنا الأساسي وعسى أن يكون لنا لذلك وقت خارج هذا العمل ولكن ذلك لا يعني وجود مراجع منها ما يراه  حسين عبد اللطيف حمدان في كتابه أحكام الضمان الاجتماعي ( نشر الدار الجامعية، لبنان،بدون تاريخ   نشر )يعود الحق في إدارة الضمان الاجتماعي  في الإسلام إلى الدولة باعتبارها القيمة على تطبيق الدين ورعاية مصالح المسلمين ولم يحدد الإسلام شكل هذه الإدارة ولا طريقة ممارستها   لأحكامه ولا نجد في الإسلام نظاما مستقلا له أحكامه ونصوصه الخاصة بل أنه يتمثل في مجموعة من القواعد المتفرقة التي وردت في القرآن الكريم (…) ليس الضمان الاجتماعي في الإسلام ردة فعل لمساوئ اجتماعية معينة أو لنظام اجتماعي أو اقتصادي معين بل إنه جزء من العقيدة الإسلامية تمتد جذوره  عميقة في الحياة الدينية والضمير الإنساني ليأتي ثمرة طبيعية الجذور(…) لا يعالج الضمان الاجتماعي في الإسلام مشكلة الأمن الاقتصادي منفصلة بل إنه يضعها مع مشكلة الطهر النفسي الأخلاقي لذلك يعتبر الضمان الاجتماعي في الإسلام واجبا تعبديا واجتماعيا في آن. (صفحة 15 وما يليها .)

[2]       في تاريخ العلاقة بين تطور الاقتصاد الرأسمالي والضمان الاجتماعي في فرنسا يمكن أن نذكر بما يلي :  ” كان الحديث في الاجتماعي هو حديث في  موقع الدولة أي بدور الدولة في الصراع الأيديولوجي والسياسي في إدارة الاجتماعي والذي كان  رهانا سياسيا  بين مواقف  اليعاقبة (اليسار ) وبين المتمسكين بمبدأ دعه يفعل وذلك قبل اكتمال نشأة الدولة في القرن 20  .  فلقد حلت الثورة الفرنسية في  1789 كل مؤسسات المساعدة والأخويات التي سبقتها كما  أدى إلغاء امتيازات النبلاء إلى سقوط الواجبات التي كانت تتبعها وحد تأميم ممتلكات الكنيسة من أعطياتها  ( صدقاتها ) ولما أدينت التعاضديات بقانون le chapelier  ، من منطلق أفكار العقد الاجتماعي الغي توزيع المساعدات خشية عودة التعاضديات .  وجاء إنشاء دستور 1791 للمؤسسة العمومية للمساعدة لتهتم بالأطفال المهملين والتخفيف عن الفقراء المعوقين وتوفير العمل للقادرين الذين لم يستطيعوا الحصول عليه لكن   هذا المشروع فشل  مع نهاية الثورة مما قاد إلى تصور تدخل الدولة في الحد الأدنى وقد تميز القرن 19 بشعارات الاستغناء والكسب(  enrechissez vous  ) مما منع من تطبيق قانون مارس 1841 المتعلق بتحديد ساعات عمل الأطفال الأسبوعية  بين 12و 16    عند 72 ساعة ولم يدم عمل الأخويات بعد إغلاق الحضائر الوطنية وهو ما انجح أعمال الحيطة الفردية من خلال صناديق الادخار . 

 في الجمهورية الثالثة تم الانفتاح تدريجيا على المسالة الاجتماعية من خلال الاعتراف بالعمل النقابي 1884 وإنشاء تفقد الشغل سنة 1892  وسيكون للضغط العمالي والاحتجاج النقابي الدور المركزي في تطور القانون الاجتماعي وصعود القوى السياسية الحساسة للمشاكل الاجتماعية ورغم ذلك فان ما حصل في فرنسا أتى متأخرا عما حصل في ألمانيا حيث وضعت قوانين التأمينات الاجتماعية في  1880 . ويمكن القول الآن  إن صعود الدولة الاجتماعية  في القرن العشرين تم من خلال ثلاث محاور׃

 1بناء الحماية الاجتماعية و2  وضع قانون الشغل  و3 بناء الصحة العمومية

بناء الحماية الاجتماعية׃  لقد تم ذلك من خلال بناء المساعدة العمومية والتأمينات الاجتماعية و المنح العائلية :

المساعدة العمومية (assistance publique) في 1889 انعقد في باريس المؤتمر الدولي للمساعدة العمومية والذي وضع  تعريفا لبعض المبادئ  1 مبدأ المساعدة الإجبارية لفقراء الريف ( les indigeants)  من قبل الجماعات العمومية و 2  مبدأ إسناد المساعدة في الإطار الجهوي الأقرب للمستفيد  و3 مبدأ حصر المساعدة في غير القادرين على الكسب والفاقدين للمصادر وقد ترجمت هذه المبادئ في جملة من القوانين منها  قانون 15/07/1892 حول المساعدة الطبية المجانية  .قانون 14/07/1905 حول التكفل بالعجزة والشيوخ في مآوى خاصة وصرف جراية لهم ترتبط  بكلفة المعيشة  .قوانين 1889 و1898 و1904 حول مساعدة الطفولة وهو تقدم نوعي مقارنة بالأفكار التي حكمت التفكير الاجتماعي في بدايته  . في 1950 تأسست المساعدة الاجتماعية            ( l 'aide sociale)   ) والتي سيتم التقليص منها بدفع التحويلات الاجتماعية نحو الضمان الاجتماعي  ثم جاء تأسيس التأمينات الاجتماعية والمنح العائلية  عقب نقاش برلماني عميق تم وضع قانون الأضرار المهنية في 8/4/1898  وفي 1910 قانون تقاعد العملة الفلاحيين و 1930 قانون التأمينات الاجتماعية  و في 1932 توسيع المنح العائلية  . تم تأسيس الضمان الاجتماعي 1945 ببناء نظام من الحماية الاجتماعية للمضمون الاجتماعي و للأسرة ضد الأخطار الاجتماعية وهي تعتمد على ثلاث مبادئ التعميم و الديموقراطية الاجتماعية ووحدة التصرف وقد أضيفت إليها بالتدريج أنظمة تامين المرض وأنظمة التقاعد التكميلية وأنظمة تامين البطالة .

 ينظر في هذا الصدد وبصفة معمقة مما عدنا أليه من المراجع في هذا  الصدد :

LAROQUE Michel : L'administration de L' etat  Providence in,Revue POUVOIRS N °94 /2000:   éd ;Seuil    p  59;

وينظر كذلك تحت إشراف نفس الكاتب       ׃Contribution à l 'histoire financière de la sécurité sociale/Documentation française, 1999; (comité d'histoire de la sécurité sociale);.

 

 

  [4]Jean-Jaques DUPEYROUX. Droit de la sécurité sociale 12ème édition ;DALLOZ p.24.et 207.

[5]Jean-Jaques DUPEYROUX  op.cit. p ; 25

[6]  JOS. BERGHMAN. La résurgence de la pauvreté et la lutte contre l’exclusion : in, revue internationale de sécurité sociale. Vol 50. N° 4/97. p.4                                                    

  [7]  Jean Jacques DUPEROUX Op. Cit. p34

 

  [8]    Martin HIRCH : les enjeux de la protection sociale :2° em éd, Montchrestien ; 1989 : p14 

[9]   Jean Jacques DUPEROUX Op. Cit. p27 et suites

 

[10]  Jean Jacques DUPEROUX Op. Cit. p47.  

 

[11]  Jean Pierre CHAUCHARD, Droit de la sécurité sociale :éd,L.G.D.J. 1994 :p27.                          

[12]Jean Pierre CHAUCHARD, Droit de la sécurité sociale :éd,L.G.D.J. 1994 :p27.                          

[13] Jean Jacques DUPEROUX(.J.J D) . Droit de la sécurité sociale, op. cit.p45                                                         

[14]    .J.J D . Droit de la sécurité sociale, op. cit.p45

 

 [15]يعتبر استرجاع منطقة الألزاس واللوران بعد الحرب العالمية الأولى أحد أهم الأسباب التي أدت إلى إدخال النظام الألماني إلى فرنسا بإلحاق المناطق الداخلية إلى ما تتمتّع به المنطقة المسترجعة من ألمانيا بنظامها الاجتماعي.

 

[16]J.J.DUPEROUX. Droit de la sécurité sociale, p54                                                    

[17]    J.J.DUPEROUX Op.Cit, p54 et suites

 

[18]    J.J.DUPEROUX Op.Cit, p54 et suites

 

[19]Martin HIRCH  ׃  Les enjeux de la protection sociale  op cit ׃ p.16                                                      

[20]Martin HIRCH  ׃  Les enjeux de la protection sociale  op cit ׃ p.19                                                    

[21]Français EWALD : l’Etat providence :  édition GRASSET ;  1995 ;p 177.                                  

[22]يعتبر نموذج الرفاه الفوري الاستهلاكي " نموذجا لسياسة اقتصادية اعتمدت بعد أزمة 1929 ثم ازدادت ترسخا ووضوحا أثناء إعادة البناء الأوربي في الخمسينات، إذ قامت على مبادئ تحفيز الطلب على الخيارات الاستهلاكية فأدى ذلك إلى الرفع من الإنتاج بموازاة دور الدولة و إنفاقها غير المحدود على البنية التحتية ودورها الفعال في وضع الاتفاقيات المشتركة والتي كان من ثمراتها بناء نظام كامل من الضمان الاجتماعي، أمن الأفراد من البطالة والمرض والعجز والشيخوخة وهي إحدى أبرز الحالات التي أمكن فيها تحقيق توافق بين النجاعة الاقتصادية والعدالة (…) وقد قام الجمع بين الفعالية والعدالة على تصور أن الفارق يخلق الحافز فأدت فوارق المداخيل إلى الرفع من الطلب على الخيرات مما أدي إلى الرفع من الإنتاج فانعكس ذلك ارتفاعا في الدخول وبالتبعية على دعم الغطاء الاجتماعي من قبل الدولة الحاضرة في العملية الاقتصادية بقطاع عام فعال ويوجه العملية الاقتصادية برمتها" ينظر في هذا الصدد:

Robert BOYER : Justice sociale et performance économique : de la synergie au conflit : in justice sociale et inégalités. P.40   S/D Joelle AFFICHARD. éd. Esprit 1992

[23] ينظر في هذا المقال التلخيصي في المجلة الاقتصادية التونسية :

" عندما يكون الفاعلون الاجتماعيون محدودي القدرة وتكون السوق ضعيفة فإن ذلك يشرع للدولة أن تعمل كخلاق ودافع للصالح العام (...) لكن عند حد معين من تدخل الدولة يتحول التدخل إلى تملك لمجال واسع من الحياة الاجتماعية فتلغى قوي السوق .

Abadallah AKARI : L’etat dans le marché : in, revue tunisienne d’économie ; N°8 ; 1997 ;p 09.

 

[24]Pierre ROSANVALLON, la nouvelle Question Sociale. éd. du seuil. Paris.1995. p7

 

[25] Abdallah Akari: l’Etat dans le marché: in revue Tunisienne d’Economie.N°8./1997.p 36                                                                                                                     

[26]نعتمد في هذا التصنيف على اختصار شديد لتصنيف ضاف قدّمه

Pierre STROBEL :De la pauvreté à l’exclusion ;société salariale ou société de droit de l’Homme :in, Revue internationale des sciences sociales N°148. Juin 1996. p. 203 et suite    

 ونلخص  هنا باعتماد  المرجع المذكور  أربعة نماذج للدولة الكافلة هي كما يلي:

النموذج الأول: هو نموذج دولة التوازن الاجتماعي العام أو النموذج التضامني وقد انبنى على مفهوم الاندماج داخل المجتمع الذي يعتبر كمجموعة منظمة من أجزاء وعناصر مختلفة ولكنها قابلة للتجميع للوصول إلى التجانس، فالرفاه هو الهدف الآلي للنشاط المهني ودور الدولة يهدف إلى إعادة التوزيع ولتحقيق المساواة وصولا إلى التجانس الاجتماعي الذي به تتحقق العدالة. وينغرس هذا النموذج في التقاليد الفكرية الدوركها يمية حيث التضامن والنظام الاجتماعي مفاهيم قيمية تهتم ببناء الجماعة الوطنية لذلك تتعالى عن اهتمامات الأفراد والجماعات الصغرى وتتسلح بوسائط مؤسساتية كالتنشئة الاجتماعية لتخلق إشكالا من الاجتماع والوعي الجمعي تؤدي إلى الانخراط في الثقافة الاجتماعية التي تفرض نفسها على كل الأفراد الاجتماعيين برغم اختلافاتهم في هذا النموذج ترفض الإشكال القصوى للصراع الاجتماعي كما ترفض الفردانية الليبرالية والفهم السلبي للمواطنة.المتمثلة في مجرد امتلاك حقوق سياسية ويؤسس النموذج على ذلك مبادئ تدخل الدولة الذي يكون قويا وموجها لكل المواطنين إن التنشئة الاجتماعية تصير فيه سياسة إدماج اجتماعي للأفراد في البناء الاجتماعي شكل إرادي وإجباري في آن ويعطي هذا التضامن صبغة تجمع بين تقاسم الأخطار وإعادة التوزيع.

النموذج الثاني: هو نموذج دولة التدخل الاجتماعي، أو النموذج التخصصي وهو نموذج ينبني على أن التمايز الاجتماعي معطى بنائي أساسي يتجسد في المواطنة السياسية قبل الاجتماعية لذلك فإن الأهمية تولى للتعاقد وللسوق وعليهما تعتمد الدولة لتعديل مختلف تكوينات المجتمع أي أنه خلال عملية التعديل تعطى الأهمية للتضامنات القصيرة الأمد والمساعدة الظرفية (التدخل الاجتماعي الفردي) وذلك لمعالجة ظواهر الفقر والتهميش بواسطة برامج اجتماعية هادفة ومحددة المصادر (كالضمان الاجتماعي المهني) وهو جوهر الفكر الليبرالي الذي ينبني عليه هذا النموذج والذي يرى المجتمع التقاء ارادات الأفراد المستقلين المالكين لحقوق وواجبات ونتيجة التبادل الإرادي بين الأفراد والجماعات تتحقق مصالحهم المشتركة ويخلق الرابط الاجتماعي المتوازن والحقوق السياسية هي الضمانة المقدمة للأفراد ليتحركوا بحرية بين المواقع والجماعات الاجتماعية ومن نشاط إلى آخر بحسب طلباتهم الخاصة.

يعتمد هذا النموذج مقولات ليبرالية جديدة طورها خصوصا في الثمانينات في نقده للدولة الاجتماعية لذلك فهو يسارع بمجرد طرح موضوع الفقر والاقتصاد، إلى التأكيد المطلق على الصبغة التشجيعية للمساعدة الاجتماعية وعلى صيغتها غير التشجيعية إذا تجاوزت طابع المساعدة الظرفية. إذ تؤدي بذلك إلى خلق عوائق تحرم الفقراء من المشاركة النشيطة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية ومن خلال ذلك يستعيد هذا النموذج المقولات الليبرالية الكلاسيكية أن الذي لا يندمج هو ضحية نفسه واختيارات مع ضرورة تدخل الدولة لتحمي المجتمع منه.

النموذج الثالث: هو النموذج الاحتكاري ينغرس في تصور فيبري لا يرى المجتمع مجرد كوكبة من الأفراد، التقوا إراديا ولا يراه كذلك جماعة موحدة أصلا إنما هو بناء اجتماعي إشكالي تتمفصل فيه التنشئة الاجتماعية والمجتمعية ويتفاعل فيه الأفراد بحسب اهتماماتهم أي مصالحهم الخصوصية محاولين الاستفادة كل لصالحه من السلطة واحتكار مصدر الرزق. ويكون هدف المجموعات والأنظمة حماية نفسها بين الأجانب ومنعهم من الحصول على فرص اقتصادية واجتماعية مما يوجد في المجال المشترك ووضع الهيمنة الخاص يحافظ على امتيازات المهيمنين ويديم اللاّمساواة ويخلق الإقصاء الاجتماعي والذي تتطلب محاربته تعديل وضع الهيمنة وهي مهمة الخبراء السياسيين الاجتماعيين.

النموذج الرابع: أو التعاضدي الجديد كما يسميه آلان توارن وهو نموذج بصدد التشكل إذ يأتي تاريخيا بعد النماذج السالفة الذكر ثلاثتها فهو ينبني على اتفاق جماعي يؤمن في مستوى أول التنشئة الاجتماعية داخله ويستهجن الفردانية ويعلي مبادئ التشارك ويمكن وصفه بأنه طريقة تعديلية ترتكز على المؤسسات الهادفة في إطار دولة قوية إلى تهدئة فروقات المجتمع التي تنشأ داخله بحسب تفارق المصالح من خلال وضع الهيمنة الموصوف في النموذج الفيبري. ويتخذ إلى ذلك أساليب الإدماج التعاضدي بالقضاء على إشكال الاحتكار المؤدي والناتج في آن عن وضع الهيمنة داخل المجتمع وهو النموذج الذي يمكننا حسب توازن من مواجهة التفارق الجديد بين الاقتصادي والاجتماعي عبر أشكال جديدة بين التعاضد حيث تتركز مجموعات الضغط داخل الدولة للحصول على ضمانات ضد السوق وآلياته ويقدم مثالا على ذلك بالنقابات في الديموقراطيات الاشتراكية حيث لم تفقد هذه النقابات وزنها وتحولت إلى فاعل متعاضد  (agent du néocorporatisme)

[27] Pierre.ROZANVALLON, La nouvelle Question Sociale, 1ère édition du seuil 1981

  حيثيحيلإلىتفاصيلإضافيةفيكتابه:                                     .Ed. Seuil 1981        :   La crise de l’Etat providence

 

 [28]Dalmer.D.KOSKINS (Secrétaire Général de l'Association Internationale de la Sécurité Sociale A.I.S.S.) La reconception de la sécurité sociale, éd , A.I.S.S, : colloque de MARRAKECH : (25,31 octobre 1998). Thème: Développement et tendances        de la Sécurité Sociale (1996 – 1998)

[29]ينظر في هذا الصدد: Marc DURIEZ et Diane LE QUEST, SALAMA Les systèmes de santé en Europe 1ére éd: P.U.F. 1998      

 

[30]ينظر في هذا الصدد كذلك أعمال الخبراء الأوروبيين   :

1)     J ean Pierre DUMONT: les Systèmes de Protection Sociale en Europe. 4ème éd. Economica 1998 .                                                                                       

2)      Martin TRACY et Patçy. TRACY : Comment contouner les frontières de l'Etat providence ? actes du Colloque de MARRAKECH organisé par l'A.I.S.S. art 2.p3. éd ,de l'A.I.S.S. (1998) .

[31]Chantal EUZEBY. Quelle Sécurité Sociale pour le XXIème siècle ? in, Revue Internationale de Sécurité  Sociale. Vol 51/2/ 98 p 21.                                                                              

 

 

[32]Dalmer.D.KOSKINS: La reconception de la Sécurité Sociale׃ actes du colloque du MARRAKCH organisé par l’AISS, art 1 page 9-1998.éd. l'AISS                                             

 

 [33]لمزيد من معرفة اتجاه العمل في الأنظمة الحمائية الأوروبية  بعد توحيد السوق في التسعينات من القرن العشرين يمكن العودة إلى مصادر كثيرة اطلعنا على البعض منها واجتنبنا الخوض في تفاصيل الاختصاص لضيق المجال :

1)     Servine CHAPON et Chantal EUZEBY :Vers une convrgence des modèles sociaux européens in, Revue Internationale de Sécurité Sociale :N°2 Vol,55.2°eme trimestre 2002.

2)     PeterA.CORNELISSE et Kees P.GOUDSWAARD :Apropos de la convergence des systèmes de protection sociale dans l’Union Européenne : in, Revue Internationale de Sécurité Sociale :N°3 Vol,55.3°eme trimestre 2002 .

 

 

 [34]Kimon VALASKAKIS ׃  Le Théâtre de la mondialisation: in,  Revue Internationale des Sciences Sociales N° 160 juin 1999 – p 175                                                                             .

 

 

 [35]Kimon VALASKAKIS ׃  Le Théâtre de la mondialisation: in,  Revue Internationale des Sciences Sociales N° 160 juin 1999  ,  p 175 et suite

[36]  Grahame TOMSON: Situer la mondialisation : in, Revue Internationale des Sciences Sociales N° 160 juin 1999 p,20  .                                                                                                           

  

 

  

[38]Grahame TOMSON : op cit 23    

 [39]Jean François DAGUZAN: l'Etat de l'entreprise face à la mondialisation in, Revue française de Géoéconomie N°1 mars 1997. P10                                                                                                          

[40]Jean François DAGUZAN: l'Etat de l'entreprise face à la mondialisation in, Revue française de Géoéconomie N°1 mars 1997. P12 .                                                                                                          

[41]   Kimon VALASKAKIS  op cit   p 180 .

 

[42]    Akiro GOTO et Brendan BARKER: Les deux faces de la mondialisation: in Revue Internationale des Sciences Sociales N° 160. Juin 199. p226                                                     

[43] Akira GOTO et Brendan BARKER  op cit  p.222                                                                 

[44]  Hatem KOTRANE: La Mondialisation et le Défit de la Cohésion Sociale. éd. du Centre de publication Universitaire ;  Tunis 2000 p.102 et suite                                                                  

 [45] J.M SERVAIS. La Clause Sociale dans les Traités de Commerce: in Revue Internationale de Travail. Vol 128 n°4. 1989.p 463.                                                                                         

[46] Kimon VALASKAKIS : op cit p 185

[47] Pascal PETIT et Luc SOETE: La Mondialisation enquête d'un Avenir: in,Revue Internationale des Sciences Sociales N° 160/Juin 1999. p 198                                                    
... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق