]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

التفاعل بين النص والمتلقي

بواسطة: الباحث والشاعر: حسن حماني  |  بتاريخ: 2012-09-18 ، الوقت: 16:59:02
  • تقييم المقالة:

التحصيل اللغوي والتفاعل بين النص والمتلقي

 

 الباحث:

 حسن حماني

 تعتبر جمالية التلقي محاولة لتجديد التاريخ الأدبي الذي وصل حسب "ياوس"*(1978) إلى طريق مسدودة، وتمثلذلك في قوله: "إن تاريخانية الأدب ليست متضمنة في علاقة التحام تتحقق بين أحداث أدبية، ولكنها تقوم على تجربة يكتسبها القراء

من الأعمال أولا"،[1]أي أنها مرتبطة بتجربة المتلقي، المتمثلة في كيفية تعامله مع النص الأدبي. وهذا الأمر يستوجب الانطلاق من مفاهيم مختلفة تساعده على بلوغ المعنى المقصود، ومنها مفهومي التحصيل والتفاعل بين النص والمتلقي. وهما مفهومان أثارا إشكالين:

 ـ الأول: التحصيل اللغوي والتلقي أية علاقة؟

 ـــ أما الأخر: كيف يتم إبراز المعنى من خلال التفاعل بين النص والمتلقي؟

 

 

       1ـ التحصيل:

       يعد التلقي فعلا يعتمد على "عملية التحصيلاللغوي، والتعرف على النص، وحفظ العلامات النصية في الذاكرة".[2] وتشكل هذه العناصر مبادئ أساس في كل قراءة يعتمد عليها القارئ كأساس، لتمكنه في نهاية الأمر من تحديد المضمون الإيحائي الذي يرمز إليه النص. فلو انتفى عنصر من هذه العناصر، لما كان هناك فهم لوظيفة النص، ولا لطبيعة الرسالة التي يقدمها، وبذلك تشكل عناصر التحصيل اللغوي والتعرف المعطيات أساس التلقي والقراءة ككل، إذ بفضل هذه المكونات يتهيء القارئ لقراءة النص، كمرحلة أولى نحو فهمه وتأويله.

وترتبط عملية التحصيل اللغوي بشحن القارئ بمعارف يحصل عليها من خلال تفاعله مع النص، وتتباين هذه المعارف بتباين المرجعيات والمنطلقات اللغوية التي ينطلق منها القارئ في قراءاته، إذ نجد النص يزود قارئه بمعارف شتى، منها ما هو مرتبط بالجانب التركيبي للغة، أو بالجوانب الدلالية المختلفة المرتبطة ببناء النص، وكذا بالدوافع الكامنة وراء إنتاجه، وكذا الخلفيات التي يعتمد عليها المؤلف قصد بلورة موقفه، ومنها ما له علقة بالجوانب التداولية للنص. ولهذا يفترض في المتلقي أن يكون موسوعة ليتمكن من فهم مكامن النص، حتى يستطيع ملء الفجوات التي تعتريه. وقد تمكن الموسوعة القارئ النموذجي من القيام بدور الاستحضار والاستجماع للمعنى، والتفاعل مع المقروء، والقيام بعملية النفي والإثبات لما يقرأ، أي يقوم بكل ما يتعلق بدور القارئ أثناء القراءة.[3] من تم ينتقي النص قارئه المناسب المشارك في إنتاج المعنى، وكما أن النص يشكل قبليا موسوعة ما، يجلبها القارئ من الخارج ومن خلال القراءة، تطور لدى القارئ موسوعة خاصة تكون بحاجة إلى أن تصل إلى حدود الإمساك به، مغريا إياه، في غالب الأحيان بتغيير تصوراته السابقة وتعديل مستقبله المتوقع.[4] من تم يكون القارئ صورة لموسوعة ما مجلوبة إلى النص، ومبنينا لمثل هذه الموسوعة داخل النص،[5] لتحيين البنيات الخطابية، يقول "إيكو" من أجل تحيين البنيات الخطابية فإن القارئ يواجه التمظهر الخطي بنسق القواعد التي توفرها اللغة، التي كتب بها النص، وتوفرها القدرة الموسوعية، التي تحيل عليها هذه اللغة ذاتها".[6]ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار الموسوعة هي الكيان المناسب لدراسة النص، والعنصر المساعد للقارئ على إدراك أبعاد النص.

ومن هنا يبدأ القارئ الموسوعي في تكوين تصور عام حول طبيعة النص، ويمكن تسمية ذلك بالمحاولات الأولى لفهم النص، إذ يقتضي منه ذلك تفكيك النص إلى أجزائه البسيطة، وتركيز اهتمامه على التسلسل الزمني للأفعال داخل النص، لتحديد فحواه العميق، وكذا تحديد العناصر المتباينة فيه، بحسب أهميتها داخل مستواه الداخلي.

وعليه يمكن القول، إن هذه المرحلة تشكل خطوة مهمة داخل السنن اللغوي، إذ يسعى المتلقي من وراءها إلى الإستئناس بالنص، وفي الوقت نفسه تشكل عنده ركيزة أساس يعتمد عليها في تأويله للنص.

 

إن القراءة كما يراها إيزر "لاتنظر إلى التواصل على أنه علاقة ذات اتجاه واحد من النص إلى القارئ، بل تنظر إليه في اتجاهين متبادلين من النص إلى القارئ، ومن القارئ إلى النص في إطار علاقة متبادلة". مصطفى العمراني، "القراءة والتأويل بين إيزر وإيكو"فكر ونقد، ص:71

2ـ التفاعل بين النص والقارئ

   إن الشيء المركزي في كل عمل أدبي هو التفاعل بين بنيته ومتلقيه وهذا ما جعل النظرية الجمالية للفن تولي اهتماما لقراءة العمل الفني، التي لا يجب أن تعنى بالنص الفعلي فحسب،[7] وإنما تعنى بالأفعال المتعلقة باستجابة قارئ نموذجي يمكن أن يقدم معان تأويلية للنص حسب كفاءته.[8]

   ومن هنا نلاحظ أنه للعمل الأدبي حسب "إيزر" قطبين* القطب الجمالي والقطب الفني هو النص المؤلف والقطب الجمالي هو الإنجاز المحقق من قبل القاري يقول ياوس: "إن التلقي  بمفهومه الجمالي، يعني ذات وجهين، إذ تشمل الأثر الذي ينتج العمل الفني، وطريقة تلقيه من لدن القارئ؛ ويمكن للقارئ أن يستجيب للعمل بعدة أشكال مختلفة، فقد يستهلكه، أو ينقده وقد يعجب به أو يرفضه، وقد يتمتع بشكله، ويؤول مضمونه، ويتبنى تأويلا مكرسا، أو يحاول تقديم تأويل جديد، وقد يمكنه أخيرا من أن يستجيب للعمل بأن ينتج بنفسه عملا جديدا، فـ"ياوس" يقسم المتلقين إلى مستهلك وناقد ومبدع، وعليه يعتبر مسألة التأثير هي الوجه الأول لعملية التلقي عنده، وهذا التأثر قد تنتج  عنه ردود فعل حسية، أو إبداعية أو نقدية تأويلية.

وبالنظر إلى القطبية السابقة، فإنه من الواضح أن العمل نفسه لا يمكن أن يتطابق مع النص، أو مع وجوده الفعلي، ولكن يفرض أن يقع في مكان ما بين الاثنين، فالعمل من حيث طبيعته، موجود وجوداً فعليا وبشكل محتوم، كما لا يمكنه أن يختزل إلى واقعية النص أو إلى ذاتية القارئ، ومن وجوده الفعلي هذا تنشأ ديناميته.[9]  

     وبما أن القارئ يمر عبر آفاق متعددة يقدمها النص ويربط بين وجهات نظر مختلفة ومتنوعة، فإنه سيفتح الباب أمام العمل كما يفتحه لنفسه، وبذلك سيحرر العمل ويجعله ينطلق، كما سيحرر نفسه ويجعلها تنطلق أيضا،[10] ويفتح بذلك في بنية النص ذاته. إنه بنية محايثة للمتلقي "أو شروط التلقي" التي  يهيئها النص لمجموع قرائه المحتملين، لذلك فالنص حسب "إيزر" نظام تركيبي توافقي قد خصص فيه مكان للشخص المكلف بتحقيق تلك التوافقات فيه،[11] وعليه يكون له دور مركزي داخل النص، وبدونه لا يمكن أن نسلط الضوء على النص.

    وبهذا الاعتبار فالنص المصوغ يتضمن دائما نصا آخرا، والقارئ هو المسؤول عن إيضاحه وتأويله، وفي هذا الازدواج يوفر الكاتب منبعا للتعددية السمانطيقية الخاصة بالإنتاج الأدبي، بمعنى أن ما لم يقله النص ويكلف به القارئ هو "بنية إبداعية" تقوم عليها حرية المتلقي في التأويل لكنها حرية محدودة لأنها مراقبة وموجهة.[12]

فالنص الأدبي عند "إيزر" لا يوحي بواقع مرجعي، ولكنه يمثل نموذجا أو مثالا Patternمؤشرا مبنيا لتوجيه القارئ،[13] وعليه فهذا القارئ الذي ينتظره النص وقد خصص له مكانة ودوراً في بنيته الداخلية، يهدف إلى تحقيق غرضين مزدوجين ومتكاملين هما تحقيق النص وبناء معناه أو أحد معانيه، وتحقيق الذات وبناء كيانها، وهذا النشاط القرائي الذي ينفع فيه القارئ وينتفع به يتم من خلال تشغيل مجموعة من المحفزات المحركة لعملية التلقي،[14]  والمساعدة بشكل كبير للمتلقي على بلوغ الغاية والهدف المقصود داخل النص الأدبي، حيث أن النص الفني لا يمكن أن يفهم في إطار الواقع المادي فحسب، وإنما تتحدد العلاقة بينهما في كونها علاقة تفاعلية تمكن وظائف النص المبدئية من ضبط سياق الواقع وتحديد معالمه الكبرى دون أن تتدخل فيه باعتباره جزئيات ودقائق تشكل الحياة اليومية التي يعيشها الأفراد،[15] أي أن وظائف النص لهما تأثير على واقع الفرد.

    وإذا كان الموقع الفعلي للعمل يقع بين النص والقارئ، فإن تحققه هو بشكل واضح، نتيجة تفاعل الاثنين، كذلك فإن التركيز الكلي على تقنيات المؤلف أو نفسية القارئ سيكشف لنا، بشكل ضئيل، عن عملية القراءة نفسها. وليس هذا إنكارا للأهمية الأساسية لكل من القطبين، إنه ببساطة إذا ما فاتت المرء رؤية العلاقة، فستفوقه رؤية العمل الفعلي،[16] وبهذا فالقراءة هي الكاشفة للنص ووجودها رهين بوجود التفاعل بين القطبين: النص، والمتلقي. وما دام أن النص الأدبي يجاوز ذاته إلى شيء آخر غير مما هو عليه فإن مفهوم القراءة كمشاركة يفرض نفسه بالضرورة وأهم مصطلح يعالج في هذا الجانب، هو المتعلق بـ "وجهة النظر الجوالة"* فبحكم أن النص الأدبي لا يمكن أن يقرأ دفعة واحدة وفي أن واحد، فإن القارئ مرغم على القراءة التدريجية، لذلك يندمج في بنيات النص ويعدل لحظة مخزون ذاكرته في ضوء المعطيات الجديدة لكل لحظة من لحظات القراءة،[17] وما دام مرتكز قراءة العمل الأدبي حسب هذه التوجهات، هو التفاعل بين العمل ومتلقيه، فإنه ينبغي التركيز في الوقت نفسه على تقنيات الكاتب وعلى الأفعال*ا المرتبطة بالتجاوب مع النص أيضا الذي يستمد حيويته من القراءة الفاعلة المتجاوزة للمتواليات اللفظية إلى ماينشأ عن تجميعها ومقارباتها من دلالات ملازمة وغير ملازمة، وهذا ما يدعو إلى التمييز بين طبيعة الشك وطبيعة الإدراك؛ فالشكل بنية منفتحة على السياق لكن لحظة الإدراك منغلقة على معنىيحدده القارئ، وهو معنى متماسك وقابل الإدراك.[18] بمعنى علاقة جزء بكل، أي علاقة الإدراك الفردي بالقراءة المنفتحة وتعدد التأويل.

وعليه يمكن القول إن إنتاج الرسائل لا يمكن أن يتم إلا بحسب تفاعل حيوي ومتعدد المكونات، ينبثق بين المؤلف والمتلقي، بواسطة الفعل ورد الفعل الذي يصبح بدوره فعلا،[19]للفهم والإدراك، والذي ينتج بدوره فاعل الإدراك.[20]*

والملاحظ أن "إيزر" ينطلق من كون التجربة النصية، والتجربة الجمالية عموما، "متعالية" بالنسبة لمجموع تجارب القارئ المترسبة وأفكاره المسبقة، ولذلك فإن عملية بناء المعنى يجب أن تكون مشروطة بالنص وليس بأفكار القارئ الموجهة،[21] وما أفكار القارئ إلا عنصرا مساعداً لفهم وإدراك العمل الأدبي. وبهذا فالعمل الإبداعي لا يتم إلا من خلال المشاركة التواصلية الفعلية بين النص والقارئ ويوحي هذا، بأن العمل الإبداعي يتكون من عنصرين أساسيين: النص الذي قوامه المعنى، وهو يشكل أيضا تجربة الكاتب الواقعية والخيالية، والقارئ الذي يتقبل أثار النص الأدبي سواء أكانت إيجابية أم سلبية في شكلاستجابات شعورية ونفسية (ارتياح- غضب- متعة...).

 

*- أحد رواد نظرية التلقي، وكان اهتمامه يرتبط بالجانب التاريخي للأدب.

[1]- فيرناند هالين: "بحوث في القراءة والتلقي"، تر وتقديم وتعليق، محمد خير البقاعي، مركز الإماء الحضاري، حلب ط1، 1998، ص: 34.

[2] حميد الحميداني، "القراءة وتوليد الدلالة"، المركز الثقافي العربي، ط2، 2007. ص: 237  

[3]- Hmberto. ECO, « The role of the reader, Exploration in the simiotics of texts »,Hut chinson, London,  1987, PP: 4-46

 

[4] - شلوميت ريمون كنعان، "التخييل القصصي للشعرية المعاصرة"، تر لحسن أحمامة، دار الثقافة، ط1، 1995، ص: 172

 

[5]- م ن، ص ن.

 

 

 

[6]UmbertoECO, « Le role de lécteur », Ed, Grasset. 1985, p: 99.

 

[7]- سوزان روبين سليمان، "القارئ في النص مقالات في الجمهور والتأويل"، تر حسن ناظم دار الكتاب الجديد، ط 1، 2007، ص: 129

[8]- Etiwqbeth Frendm the return of the reader Methuen and co.LTd. Londonm 1987. P. 97

*- المرجو النظر في كتاب "القارئ في النص"، لسوزان روبين سليمان، لأنه قد تناول الحديث عن العمل الأدبي، وفي كتاب بوحسن، "نظرية التلقي والنقد الأدبي العربي الحديث"، م س، ص: 36.

[9]- سوزان، م س، ص: 130.

[10]- أحمد بوحسن، "نظرية التلقي والنقد الأدبي العربي الحديث"، ضمن نظرية التلقي إشكالات وتطبيقات منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سلسلة ندوات ومناظرات رقم 24. ص: 36.

[11]- محمد خرماش، "فعل القراءة وإشكالية التلقي"، ضمن مجلة علامات ع 10، 1998. ص: 58.

[12]- م ن، ص: 58.

[13]- أحمد بوحسن، م س، ص: 36.

 

[14]- محمد خرماش، م س، ص: 58.

[15]- السعدية عزيزي، م س، ص: 106.

[16]- سوزان روبين سليمان، م س، ص: 130

*- هذا المفهوم من بين مفاهيم إيزر المعتمدة، ومفاده أن النص يقدم مجموعة من الخطط والإشارات التي تحفز القارئ على إيجاد مجموعة من الحقائق الخاصة به، انظر "تلقي النقد العربي الحديث للأسطورة"، لميساء زهدي الخواجا، ص: 33.

[17]- فولفغانغ إيزر "فعل القراءة، م س، ص 5.

*- المقصود بالأفعال، هي أفعال الاستجابة التي يصدرها المتلقي أثناء تفاعله مع النص.

[18]- محمد خرماش، م س، ص: 59.

[19]- إدريس بلمليح، "المختارات الشعرية، و أجهزة تلقيها عند العرب"، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سلسلة رسائل، وأطاريح، رقم: 22، 1995.ص: 107.

[20]-  عبد الكريم شرفي، "من فلسفات التأويل إلى نظريات للقراءة"، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط 1 ،2007.

 ص: 216.

*تجدر الإشارة هنا إلى أن الهرمينوطيقا الحديثة قد سعت هي الأخرى إلى تعزيز هذه الفكرة، وقد سبق وأن رأينا ريكور وهو ينتقد المبدأ الديكارتي القائل بمعرفة الذات لذاتها، ويؤكد في المقابل أن فهم الذات لذاتها لا يمكنه أن يتم دون وساطة العلامات والرموز اللغوية وغير اللغوية، وبتأويل الذات لهذه الوسائط فإنها تؤول ذاتها وتتمكن آنذاك من فهمها بشكل أفضل، وهكذا تتم أفعال الفهم التي تقوم بها الذات لبناء ذات مخالفة.

  [21]- Iser (wolfgang), l’acte de lecture, théorie de’effet esthétique, trad par evelyne Sznycer, ed Pierre Mardoga, 1985. p : 241-242-276.

 
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق