]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أصوات من السماء (5) قارئ المغرب الأول الشيخ عبد الرحمن بنموسى

بواسطة: Othman Hanzaz  |  بتاريخ: 2012-09-18 ، الوقت: 15:37:27
  • تقييم المقالة:

 

في هذه الحلقة الخامسة من سلسلة أصوات من السماء، نتكلم عن القراءة المغربية وخصوصيتها، وعن أحد روادها المتألقين الذين أفادوا وأجادوا في هذا المجال، مخلفين تراثا كبيرا شاهدا على تميز المغاربة في تعاملهم مع القرآن الكريم حفظا وتلاوة ورواية ورسما. فالمغرب كان دائما متميزا في كل شيء، في خصوصية المذهب فقها ومعتقدا، وهندسة وبناء المآذن والمساجد، وفي طريقة قراءتهم الجماعية على رواية الإمام ورش عن نافع.. وطريقة تحفيظ القرآن التي تعتمد على السماع من الشيخ مباشرة لأن الشيخ يحفظ القرآن الكريم برسمه وشكله وضبطه وأنصاصه، تم لقراءة عليه من طريق اللوح سماعا وكتابة وعرضا. يقول الدكتور عبد الهادي حميتو "تفوق المغاربة في حفظ القرآن والعناية البالغة بعلوم القراءة، وإحراز قصب السبق في مضمار الرسم والضبط والمعرفة بوجوه القراءات وطرقها حتى قيل: إن علم القراءات هو الميدان الوحيد الذي سيطر عليه المغاربة سيطرة تامة.. حيث يلاحظ بجلاء استيلاء أئمة القراء في المغرب على الأمد الأقصى في تحقيق القراءات وتحرير الروايات والطرق، والرحلة في طلبها إلى الآفاق، والعكوف عليها بالدرس والتصنيف والتأليف، وتقريبها من الطلاب والمتعلمين بالبسط والتيسير والتعريف نظما ونثرا" [1]. لكن الملاحظ والمتتبع لمسار القراء المغاربة وخاصة الرواد منهم، يجد ندرة في الكتابة التي تعرف بحياتهم ومسارهم ومناقبهم وبخدمتهم لكتاب الله عز وجل حفظا وتعليما، مدارسة ومذاكرة، تدبرا وتفهما، عناية وتطبيقا، دعما ومساندة. من بين هؤلاء العمالقة الشيخ عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن البشير بنموسى الهمساسي الحسناوي السلاوي، المولود يوم 28 غشت 1908م بمدينة سلا المغربية في بيت علم حيت كان أبوه العلامة أحمد بنموسى فقيها ومحدثا. بدأ الشيخ عبد الرحمن بنموسى رحلته مع القرآن الكريم منذ وقت مبكر جدا حيث حفظه في سن صغيرة بكتاب الفقيه محمد بريطل ثم كتاب الفقيه محمد بوشعراء، تم انتقل إلى حفظ الجرومية ولامية الأفعال ورسالة ابن أبي زيد القيرواني على يد الشيخ عبد الهادي أطوبي، كما تتلمذ على مجموعة من الشيوخ كالسيد أحمد بن عبد النبي والشيخين أبي شعيب الدكالي ومحمد بن العربي العلوي. كانت المساجد في مدينة سلا المكان الطبيعي لانطلاق هذه الموهبة الجديد التي تفردت بالقراءة المغربية ترتيلا ورسما ورواية في إطار فني جميل جمع بين حسن الصوت ودقت الأداء، فقد كان صوته الشجي يسبح بأرواح المستمعين فوق السموات العلا، يأخذ الألباب ويدخل إلى القلوب بدون استئذان حتى أصبح علامة وقدوة لأهل المغرب وما والاه في قراءة القرآن الكريم، وإمامهم في تلاوته وتأدية حروفه عبر الأزمان . عرف عن الشيخ منذ صغره حبه للقرآن الكريم ومدحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتواضعه الشديد وجديته وبساطة عيشه وهمته العالية في الحفظ والتعليم، وحباه الله بصوت وأداء جميل وتميزه بقراءته على رواية الإمام ورش عن نافع، وعلى الوقف الذي وضعه الإمام الهبطي الصماتي، محافظا على خصائص القراءة المغربية المتميزة بمقاماتها ونغماتها الفنية ذات الطابع الأندلسي. مارس الشيخ عبد الرحمن بنموسى في بداية حياته التجارة زمانا تم "الكتابة الشرعية بمحكمة الاستئناف وفي المجلس الأعلى كما تشرف بإلقاء الدروس ببعض المساجد والزوايا بمدينة سلا وكان مشفعا بالمسجد الأعظم" [2]، وكان يجوب المساجد والزوايا يقرأ القرآن الكريم في كل مناسبة ويمدح الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحفظ الأشعار الصوفية ومختلف المتون والنصوص اللغوية والدينية، إلى جانب العديد من المقرئين والمداحين حتى أصبح علم هذه الكوكبة، وفارس تلك الحلبة. تعرف الناس على صوته من خلال أثير الإذاعة الوطنية، ثم تعرفوا على صورته عبر التلفزة المغربية في بداية الستينيات التي كان يفتتحها ويختم إرسالها بآيات من القرآن الكريم . ينتمي صوت الشيخ عبد الرحمان بن موسى إلى طبقة "تينور tenor" وهي من الأصوات الحادة التي تكون مساحتها مساحة واسعة، تمكنه من أداء الأنغام سواء كانت في حالة القرار أو الجواب بشكل فيه كثير من الراحة والتعبير والزخرفة... فقراءته هي عبارة عن توليفة متجانسة ومتناسقة من المقامات المغربية الأصيلة التي استقاها من احتكاكه بالمديح والسماع، حتى اشتهر بقراءته بمقامين اثنين "مقام رمل الماية ومقام السيكا الذي كان بارعا فيهما ويؤتيها حقهما ويشد الأسماع إليه عندما يقرأ بهما" [3]. "كان المقرئ الفقيه بنموسى من المؤسسين لجمعية هواة الموسيقى الأندلسية بمعية شخصيات مرموقة كالمرحوم علال الفاسي والمرحوم محمد الفاسي والمرحوم الحاج أحمد بلافريج وقاسم الزهيري وغيرهم في يناير 1958، كما كان له شرف المشاركة في عدة لجن وطنية ومحلية لمباريات حفظ وتجويد القرآن الكريم وكذا جمعيات فن المديح والسماع" [4]، وظل على هذا النهج حتى توفي - رحمه الله - يوم الاثنين 17 شوال 1417هـ الموافق ل 24 فبراير 1997 عن سن تناهز التاسعة والثمانين. [1] د. عبد الهادي حميتو: قراءة الإمام نافع عند المغاربة من رواية أبي سعيد ورش. [2] ترجمة موجزة للقارئ / الشيخ عبد الرحمن بن موسى من الموقع الرسمي للمجلس المحلي لمدينة سلا. [3] برنامج أصوات من السماء -حلقة عن الشيخ القارئ عبد الرحمان من موسى- قناة الجزيرة الوثائقية. [4] ترجمة موجزة للقارئ / الشيخ عبد الرحمن بن موسى من الموقع الرسمي للمجلس المحلي لمدينة سلا.

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق