]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الدخُولُ إلى صَبرا وشاتيلا

بواسطة: ليث العبدويس  |  بتاريخ: 2012-09-17 ، الوقت: 16:47:31
  • تقييم المقالة:

مُرغمون نحنُ على استذكارِ وحيكَ يا أيها النتوءُ البارزُ العصيُّ على المحوِ والنسيانِ والإزالة، يا أيتها اللطخةُ المُشينةُ والوصمةُ الخارقةُ لكلّ جُدران العار، الوصمة التي اختارتْ الإنسانيّة  - وفقاً لذوقِها الثمانينيّ المُزري – أن تُزيّن بها جبينها الكاسِف الذليل، مُجبرون على استحضار وقائعٍ ترفضُ المثول أمام لحظات التأمُل والمُراجعة، تتمنّعُ على الاستدعاء والطلب، تزوغُ في تلافيف الحافِظة العربية كزوغان الآف المحطّات التي نعاني ازائها من مُعضلة إنكارٍ وجُحودٍ مزمنين.

 هل وصل الخَوَرُ بالعربِ مبلغاً صاروا فيه يرعدون من مَحض استجلاءٍ لِذكرى مجزرةٍ "صغيرةٍ" لم تُعمّر كثيراً في وعينا المُصاب بفُقدان ذاكرةٍ حاد؟ ام أننا فقدنا - كشهودِ عيانٍ على المأساة المستديمة - حِسّ الدعابة المُفترض وامتنعنا عن ارسال نُكاتنا السمجة يوم طاشَ الحساب وأفلتتْ لُغة الأرقام وتمرّدتْ مجازرنا على الإحصاءِ والعَدْ؟ ام أصبح مُجرّد استنطاق المِدِيّ واستجواب الحِراب ونقاش الفؤوسِ التي جنّدلتْ كُل تلكَ الرِقاب الفلسطينية والرَصاص الذي خرّطَش أجساد أطفالهم ونسائهم وشُبّانهم الطريّة جريمةً تَفُتُّ في عَضَدِ الوحدة العربيّة وأسفيناً يشُقًّ التضامن العربيّ؟ هل نحن خائفون من حقيقةٍ تجلبَبَتْ بالخلود وارتوتْ من إكسيرِ البقاءِ مفادُها أنّ من باشَر المذبحة المروّعة هُم عربٌ أقحاحٌ، ولعلهم يَمَتون بذي نسبٍ لقحطانَ وعدنانَ والسَمؤآل والغطاريف الاوائل ، وليسوا يهوداً او من سكان المريخ؟

مُشكلة الدمِ الفلسطيني هي رُخصهُ البَخس في سوق الضمير الدوليّة السوداء وغياب إجماعٍ بشريّ على عُصمتة وحُرمته، نظراً لأنَّ المُستفيد من سفكهِ وإراقتهِ كثيرون، ومن التجريد المُخلّ اختصارهم بربائِبِ الدولة العِبريّة او بجيوشِ يهوذا، فهؤلاء مستعدّونَ للقتل بشكلٍ فطريٍ ودائمٍ سَواءً في الأدرياتيكي او الشرق الأوسط، في الاسكا او تُركستان، ثُمّ إنّ القوم وَلَغوا ومنذُ غابر العُصور بدمٍ أشدّ قداسةٍ من كُل دماء البشر يوم اجترئوا على فتح شرايين الأنبياءِ والمُرسلين بكل صلفٍ ووقاحةٍ ورقصوا مع بَغيِهِم سالومي ووثنييّ روما على منظر اضطراب رأس يحيى مُتشحطاً بِدمِه في طبق الجريمة الكبرى، انتظر كُلّ جديدٍ في عالم التخريب والفِتن والارهاب من فئٍة تتبجّحُ بقيادتها لعصابات مطاردةٍ مُختصةٍ بخطف وتصفية مبعوثي الإله وظلاله في الأرض، ومن حيف الأيام علينا أن نُعاصر أحدث موبِقاتهم التي لا يرتضون إلّا أنْ تتخذ طابعاً دولياً تدميرياً شيطانياً ، الفِلم المُسيء لنبي الإسلام – الرمزيّة الكُبرى والأمثولة الأعظم في الموروث والوجدان والوعي الإسلامي، بل الإنساني، القديم والمُعاصر والمستقبلي - ودفعِهِم لمُعتنقي الرسالات السماوية نحو شفا حربٍ دينيةٍ مهولةٍ قد لا تُبقي من البشر على الأرض ديّاراً، تماماً كما اختاروا لكل عصرٍ ما يوائمه من فِتنٍ ولَبوسٍ وشُبُهات.

 دمويّة اليهود بديهة، وشرحها أغبى من اعادة تفسير الماء بالماء وخرطِ القًتاد، لكنّ ما يقُضُّ مضجع المُنصف حقاً هو ذلك الإصرار الذي يكاد لا يجد تبريراً في عقلٍ ولا نقلٍ عل نَكأ التغريبة الفلسطينية وتعميق جُرح التهجيرِ والتشريدِ والنزوحِ واستلاباتِ الأرض والنفيِ والترحيلِ القسريّ بفظاعاتِ الاستئصالِ والإبادةِ والذبحِ الهمجيّ الأرعن، فالفلسطينيون، هذا الفصيلُ البشريّ الذي احتمل كل شائنةٍ وفكرةٍ ساديّة، نُكبِ بتسلّط المجرمين عليه حيثما حلَّ وارتحل، وطاردتهُ فرقُ الموتِ وكتائبِ القتل إيّانَ ولّى شطرَ وجْهه، ولا تزالُ أحراشُ وأحراجُ جَرَشَ تروي فصولاً من مجازر النظام القُطريّ الأردني خلال أيلولَ الأسود 1970، ثم أمعنَ الإنعزاليونَ من ذوي اللسانِ العربيّ فيه تقتيلاً وتمثيلاً في لبنان من بُرج البراجنة والميّة وميّة وتلّ الزعتر وحتى صبرا وشاتيلا، ناهيكَ عن ذبح الفلسطينيين على الهوية في العراق منذ 2003 على يد الظلاميين من زبانية الميليشيات الطائفية، وأخيراً وليس آخراً استهدافهم على يد شُبيّحة وجلاوزة النظام السوري في مخيماتهم العزلاء.

قِفي صبرا، قِفي شاتيلا، أرجوكما لا تقتحما وِحدتي فُجأة لأنّي عَجزتُ الساعةَ عن استحضارِ دمعٍ يَفي كُل تلكِ الفاجعة أو رِثاءٍ أودّعُ بهِ كُلّ اولئك الراحلين، إمنحانيَ هُنيهةً أشطبُ بها إسمي العربي، وملامحي العربيّة، هُنيهةً أكسِر بها سيفيَ العربيّ وأعقُرُ بها خيليَ العربيّة وأهُدُّ أوتاد خيمتي العربية، هُنيهةً أنتمي خلالها إلى اللامُنتمي، لأن كل شيء فيَّ سيُذكركِ بقاتليكِ.

 

ليث العبدويس  alabedwees@yahoo.com  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق