]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الممثل الفكري والمتفرج الفكري

بواسطة: Akid Bendahou  |  بتاريخ: 2012-09-17 ، الوقت: 16:39:18
  • تقييم المقالة:

 

في سنة 1909 قام  الممثل الإمريكي (وليم بوتس) بدور (ياجو) في مسرحية (عطيل).مشهد يحاول فيه (ياجو) اغراء عطيل واقناعه بخيانة زوجته (ديدمونة) الطاهرة.سقط الممثل (وليم بوتس) صريعا من طرف أحد الضباط الإمريكيين,من مشاهدي العرض,القاتل بسبب انفعاله بالتمثيل.وحينما أبلغوه أن الممثل مات قتل الضابط نفسه بنفس المسدس,وصمم الإمريكيون على دفنهما معا,الممثل والمتفرج في قبر واحد حيث كتب على شاهده:هنا يرقد :(الممثل الفكري) و (المتفرج الفكري).

حديث يعود بنا الى مفهوم الممثل والمتفرج ومابينهما وماقبل بعدهما.فإذا كان مؤلف النص الدرامي,سواء كان كوميديا او تراجيديا,خالق ومبدع النص الإبداعي,بغية ان يمثل ويتجسد فنيا على سطح خشبة المسرح,لايكتفي بالمحاكاة فقط وانما حين يكون الإنسان مضافا للطبيعة.واذا كان المخرج,امبراطور مترجم افكار واحاسيس وعوطف الدراما ,المؤلف الثاني,سيكون الممثل الناطق الرسمي للحدث,بل هوعين الحدث,وهو محور العملية الدرامية وخيط (اريانا) السحري الواصل بين المؤلف والجمهور,بل وبين تقرير مصير الجمهور تكفيرا او تطهير او تفكيرا او تغييرا.

وعندما يندمج الممثل المبدع الخالق المدهش الهائل الساحر الشاعر الرائع في دوره,ويستشعره الى أقصاه,يصيركتلة ولون ومساحة وحجم من الأحاسيس,وحتى ان كان مقيدا بقوانين التمثيل,يتحول بغضب الى حريق وحيوان وثنين وينبوع قبل ان يدعن الى حاجة  الكائن البشري.ذاك ان الممثل والإنسان بصفة عامة مرتبط بذاكرته الحيوانية,بالعهد الذي كان الحيوان يشارك وجوده,فهو ممثل وثيق الصلة بالحيوانية,وبالتالي سادي,انه الكائن الذي يتحرك ويتصرف انطلاقا من طبيعة القسوة,لذا يبدو الممثل كالكلاب,يستشعر الفعل الدرامي الى اللا نهاية.وبهذا الطرح أوجب ان يكون الممثل فكريا المرتبط تاريخيا بذاكرته الإنسانية و بذاكرته ماقبل التاريخية الحيوانية.يجعله ينتقل من عالم وقائع الشعور الإنطباعات المعاشة,الى عالم الا شعور ,من عالم الأضواء الى عالم الظلال, من المحاكاة البسيطة الى المتوحشة,دون ان يمر على مرحلة الحلم او مرحلة الشعر,مباشرة الى مرحلة الفكر.هذه القفزة وحرق المراحل الفنية ,خاصة بالمسرح والسينما ينطوي عليها عدة هوامش وجوانب خطيرة كرد فعل من فعل درا ماتيكي سادي قوي لايرحم.

اذن نحن امام ظاهرة الإتحاد بين الممثل الفكري والمتفرج فكري,أين تم في نقل كل منهما أفكاره لصاحبه بطريقة او بأخرى,كليهما قاتل ومقتول,بتيار الإفراط بالأحاسيس وشحذ العواطف الجياشة.وفي حين كان الممثل يوجه سهام  ورماح ارسطو وهرقل المجنحة التي لاترحم الى صدر المتفرجين وخاصة الضابط,كان بدوره المتفرج الضابط يطلق نيران مسدسه الى قلب الممثل وارداه قتيلا,المسدس لم يعد يقوم بدور المسدس النمطي الآلي وانما جهاز خلاص بل جهاز تطهير وتكفير ,ان لم يكن غير وجه محيط الدراما على الإطلاق,عوضا عن الدموع والأسى والحسرة لبعض الوقت.السلاح رمز لقوة المرء حين يفكر بمنطق ابليس,قوة وجأش العاطفة حين يتحول القلب الى مصنع العواطف والأحاسيس الى مصنع للألم,ومنطق العقل بدلا من يجد حلولا لمشاكل هذا العالم,يصنع ما يدمر البشرية منطق التدمير.لم يترك للعقل التمييز بين الخطيئة والصواب,لم يمنح للحلم ان يتبلور الى شعر خلاق قادر على خلق انفصال بين ما يمكن ادراكه ومالم يمكن ادراكه.بينما نجد من جهة أخرى المخرج المتربص بالجميع اطلق نار مدافعه على الجميع ,على حارس النظام الفني المسرحي الأرسطي,وعلى الضمير الفني حارس شفاعة النظام العام الشرطي, شرطي الأعماق المتغذي على الندم ,وحتى الجمهور لم يسلم من الوقيعة شارك بطريقة او بأخرى بالجريمة الفنية ,حين وقف على العمل الدرامي متفرجا مذهولا مندهشا  تحت طائل الهائل لايحرك ساكنا حتى انتهت المأساة بمأساة اخرى,بواقع داخل واقع ومسرح داخل مسرح,وقاتل وراء قاتل ,حتى تختفي الجريمة وراء سلسلة من الجرائم,كأن يلجأ الجميع وراء تصادي والغيبوبة واللاوعي echolalia/ senstasiasحضارية .بينما القبر الواحد يدل على تقرير المصير الواحد,مصير الممثل والمتفرج,حينما يرتقي بفكريهما الى مصاف التطهير والتكفير.ففي الوقت الذي كان يسعى فيها الممثل لغسيل ملاءات الخليقة من أدران انفعالاتها,كان بدوره الضابط يسعى لغسل وقائع الجريمة بجريمة أكبر,اما المؤلف لقد انمحى كلية,وترك الأحداث الى المخرج ليقوم مقامه,وترجم العمل الى ماهو راسخ في الرأس الى ماهو مكتوب في الطرس.في الحقيقة كليهما ضحية  (نيو هاملتية),الممثل والضابط...,كليهما كان يراودا ذاكرتهما الحيوانية.وحش صعب الترويض والمراس,فالأول بدلا من  ان يطلق (سهام هرقل) ورماحه المجنحة على الوحش,الذي يحتويه دون الأنهيار وتقمص الدور الى درجة الإندماج,دون ان يترك جدارا للأنفصال في أي وقت وبالتالي انتصر الوحش.انتصر الوحش الذي ابدعه,وعملا على نقل المتفرج والضابط من مجرد لعبة فنية عميقة الجذور الى برزخ التمثيل الذي قلما يعود منه ممثل او متفرج سالمين ,أخدعا لخيانة ابداعية,اشد وطأة  من الخيانة الأخلاقية ,خيانة عطيل لزوجه ديدمونة او خيانة ياجو واغراء عطيل.,او خيانة المؤلف لشخوصه وواقعه,او خيانة المخرج للمؤلف.ولذا في لحظات التجلي ,ادراكا بان قدرهما الدار الأخرة وان الوحش لايؤتمن له جانب,قتل كل واحد منهما وحشه وتعددت الأسباب والموت واحد.قتل الممثل (وليم بوتس) وحش الضابط,وقتل الضابط وحش الممثل,وحش ذاكرتهما الحيوانية ,ما قبل التاريخ.ليس الوحشين في حياة المحاكاة هذه,لكن بالواقع ايضا,لابد ان يعايش الكاتب الفنان أشخاص مسرحيته,ويعتبر الكتابة والفن بقدر ما تحمل سعادة للإنسان تنطوي على شقائه أيضا ,بقدر ما هي لعبة وتسلية بقدر ماهي جد وقاتلة,بقدر ماهي محاكاة بقدر ماهي واقع مرير,بقدر ماهي أمل بقدر ماهي ألم,الفن عموما ,هو وحش (بروثيموس مقيدا) / او (بروثيموس طليقا),بروثيموس جد البشرية سرق (خيانة) النار من السماء للبشر فعوقب بربطه الى صخرة,حيث كان نسر (وحش الطير) يأكل كبده كل يوم,ويعود صحيحا بالليل,انقذه هرقل العظيم ,او كما تقول الأسطورة اليونانية الرائعة الجميلة..كم نحن في حاجة الى هذا العمل الرائع,يسموا فيها المتفرج الى مصاف الممثل,والممثل الى مصاف المتفرج على ان يعي كل واحد مهما نفسه في اللحظة التي  تجب ان نحافظ على قواعد لعبة اللعبة الفنية,قاعدة الذئب والعنزة والراعي.لكن يبقى العمل فنيا انسانيا كما يجب ان نهذب وحش ادران النفس وان نغذيها بالندم بالطرق السلمية,وبقدر ما يغذي الفنان عمله بالعرق والدم وبنار بروثيموس,بقدر ما يكون التعايش السلمي ممكنا ,عندما يروض الحيوان ويتخلى عن بعض وحشيته ويقترب من ذاكرة الإنسان,من أجل ان يعيش الإنسان والوحش جنبا لجنب, الطبيعة والإنسان,المسدس بجانب الورد,والحرب بجنب السلم في هذه الحياة القائمة على التناسب,ولنقص اصيل فينا جميعا أصلا وفصلا ,قولا وعملا ,ولغة واصطلاحا ,جنبا بجنب تلك الكلمة التي كانت في البدء,وتلك الفكرة التي تغير وجه العالم.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق