]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

ثقافة الأحقاد

بواسطة: أشرف محمد اسماعيل المحامى بالنقض  |  بتاريخ: 2012-09-17 ، الوقت: 15:07:48
  • تقييم المقالة:

اذا أردت أن تؤخِّر شعباً عن ركب الحضارة والتقدم فازرع الأحقاد فيه والضغائن .. وإن أردته يظل مُنغلقاً على ذاته متخلفاً عن غيره من الأمم والشعوب فانزع منه القيم الإنسانية كالإيثار والمودة والوطنية والإقدام والتآلف  الاجتماعي على أن تحل محلها مفردات الجهل والكراهية والخوف واعلاء المصالح الشخصية وتقديمها على المصلحة العليا للوطن ..

هذا ما نجح الغرب فى زرعه لدينا نحن العرب فتقدموا هم بينما نحن فقد تخلفنا عن ركب الحضارة والتقدم وظللنا بدوائر الجهل وداخل أسوار الخوف والكراهية والحقد قابعين لا نتحرك قيد أُنملةٍ للأمام ..

ولهذا الحكم على شعوبنا مظاهره الدالة عليه اذ ما يحاول أحدنا تطوير ذاته أدبيا وعلميا ومن ثم فماديا كان لاريب محلا للهجوم عليه بأحقاد لا يمكن تجاهلها فتنال من قواه وعزيمته مهما علت فتتناقص خطواته الى الأمام شيئا بعد شئ حتى يجذبه الآخرون الى حيث يقفون ولا يتحركون بينما فالوطن يبكى من تخلفه الذى لا يريد أحدا من شعبه الثورة عليه..

كل نجاح لدينا لابد وأن يوصف بأوصاف غير وصفه الحقيقى اذ قد بات يوصف بالحظ وسرقة مجهودات الآخرين بما يلزم مكافحته بكافة آليَّات المكافحة من سُبُل التشهير من سبٍ أو قذف أو إشاعات أو تقويض سبل تقدُّمه للأمام بل ربما يصل الحد لاستخدام القانون نفسه فى سبيل تحقيق ذلك وما أكثر مواده التى تعين على تحقيقه لأجل تحطيم هذا النجاح وتقزيمه بمحاكمته تحت المسميات الثورية البراقة كمكافحة الفساد أو الانتماء لفلول ما بعد الثورة وهى مسألة جدٌ يسيرة لكنها فعَّالة و ناجعة فى القضاء على الكفاءات والناجحين لنشاهد وفى لحظة واحدة أن كل الأسماء والرموز من بعد ثورات الربيع العربى فى بلادنا قد صارت محل اتهامٍ وصاحبة موضع قدم وراء أسوار السجون و قاعات المحاكم الجنائية وقد كانوا قبلاً وحتى وقت قريب من قبل نشوب الثورة مضارب أمثلةٍ للجميع الذين يبتغون أن يحزون حزوهم وينجحون كنجاحاتهم .. ليصير الفقيه القانونى وشيخ مشايخ القانون بالأمس مجرماً عتيداً والعلماء الأكاديميون الذين كانوا حتى وقت قريب مُثُلاً عليا لكافة طلاب الأمة بالجماعات الوطنية المختلفة قد صاروا سارقى مقدرات الأمة ذاتها بل وقد صار أصحاب الانتصارات الوطنية العسكرية وقد كانوا فخار الوطن وحتى الأمس القريب هم خونة اليوم وعملاء الحاضر من بعد الثورة .. بل ولتصير بلادنا وبسيوف الأحقاد الثورية صاحبة السبق من بين كل الشعوب والأمم فى ذبح كفاءاتها وعلماءها بل وحتى تاريخها المجيد الذى لم ينأى ذاته عن محاولة العبث به بأدوات الحقد والانتقام .. ولم تعد عدالة الحكم لدى الأفراد ذاتهم فى الحكم على الأشياء والآخرين قاعدة يجب أن نلتزم جميعا بها فنتذكر لجوار المثالب مناقب الآخرين وإيجابياتهم ومن ثم كل شئ قد صار محل اتهام وقد كنا بالأمس القريب نهلل له وننظم فيه قصائد الشعر المادحة ليتبدد مشهد الوطن التاريخى من أمام أذهان أبناءنا وقاعدة عدالة الحكم على الأشياء والآخرين من أمام أجيالنا القادمة ..

هكذا أرادنا أعداؤنا .. فلم تعد انتصارات الماضى الحربية محل فخر اذ صار قادتها فى أذهان أبنائنا ومن بعد الثورة مجرمين وقتلة ..كما لم يعد العلم محل توقير هو والعلماء بل ومعظم ما كنا نفخر بعلمهم وفقههم بالأمس القريب قد صاروا مجرمين كذلك ..

 

ضاعت القيم بصرخات الثورة وقد استدعينا آليَّات القضاء الجنائى لنحاسب بها المسئولية السياسية بينما فالسياسة لا يُمكن أن تحكم عليها آليَّات القضاء الجنائى اذ ما يفعله السياسيون يخرج عن الأُطُر الجنائية لكون الأفعال السياسة تخضع لمعايير المواءمات السياسية والتى لو طبقنا عليها معايير المحاسبة الجنائية لصارت خيانة قد توصف بالعظمى فى معظم الحالات ..بينما لو أخضعناها لآليات المواءمات السياسية لصارت نجاحاتٍ تستحقُ الثناء ..

لقد خالف المدعى العام الفرنسى قانون بلاده ولم يأمر بتوقيف وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيفى ليفنى كمجرمة حرب جراء عدوان اسرائيل على غزة ولم يقل أحد أنه قد خالف القانون بل اعتبروا فعله من قبيل المواءمات السياسية بينما لدينا لو تم مثله لاعتبرناه خيانة وعمالة وممالأة لأعداء الأُمَّة  يستحق فاعله المحاكمة الجنائية وليس حكمنا على واقعة الإفراج عن الأمريكان فى قضية الجمعيات الأهلية ببعيد ..

بآليَّات المحاسبة الجنائية ألقينا كل شخوص المراحل السابقة عن بكرة أبيهم فى السجون وبمحاكمات جنائية وقد نسينا أن مافعله أغلبهم كان عملاً سياسياً صِرفاً لابد وأن يخضع لمعايير السياسة فى الحكم عليه .. تلك المعايير التى لو طبقناها لخفَّفنا الوطأة فى المحاسبة الانتقامية المميتة والتى تنبىء عن محاسبة الأتقياء للخاطئين وكأننا أصبحنا من بعد الثورة كلنا ملائكة لم تخطىء بيد أن كل من ساهموا فى حكمنا شياطين يستحقون الرجم والانتقام ..

إننى لست فى محل دفاع عن هذا وذاك بل أتمسك بضرورة المحاسبة  عن الأعمال الجنائية فقط والتى تخلو من ثمة صبغةٍٍ سياسية ولكن أن نرى الآن التأطير الجنائى لكل شىء وكل فعل قبل الثورة فهذا ماتأباه العدالة فلانحترم أنفسنا ولن يحترمنا الآخرون أوحتىالأجيال القادمة ..

إن الأنظمة المثار عليها  لم تأتى من العدم ولم تسقط علينا بالمظلَّات من الطيَّارات الشراعية  من أعلى بل وافقنا كشعوب على وجودها عقوداً طوال تحكمنا بما لها من شرعيَّة حققناها لها بالتصفيق الحاد والهتافات التى كانت ترُجُ الميادين بفدائها بالعزيزالأكرم من روحنا ودمائنا ..

ومن ثم ولكونها كانت أنظمةً شرعية وليست سلطات إحتلال  وحتى الثورة عليها فقد كان من المقبول أن تدافع عن شرعيَّتها بمقاومة الخروج عليها من البعض ومن قبل  اكتمال المشهد الثورى بخروج كافة أطياف الأمة بالثورة .. ومن ثم ومع بداية خطوات الثورة لم يكن العقل يقبل الحكم على التصدى للخارجين على النظام بذات منطق الحكم على مجابهة النظام للثورة ومن ثم المسئولية الجنائية ولكن المنطق يقول أن ضحايا بدايات الثورة وتصدى النظام لهم من قبل اكتمال المشهد الثورى بما فيه من مئاتٍ وأُلوفٍ من الثوَّار لاينطبق عليه الآلية الجنائية بل الآلية السياسية فى الحكم عليه إذ كان مقبولاً أن يواجههم النظام ووزير الأمن الداخلى الذى ان لم يفعل ولم تنجح الثورة لتعرَّض ساعتها للمحاكمة الجنائية  بالخيانة العظمى بمساعدته للخارجين على الحاكم الشرعى  فى الخروج عليه.. وهذا يعنى أنه لايجب أن تمنعنا مضامين الثورة من اقتفاء آثار العدالة ..

وان لم يكن هذا المنطق صحيحاً لاستحق كل من واجهوا المتظاهرين من بعد الثورة حتى الآن سواء بميدان التحرير أو بمجلس الوزراء أو بمحمد محمود وأمام وزارة الداخلية ذاتها من رجال الأمن بل ورئيس الدولة الحالى ذاته الاحالة للمحاكمة الجنائية ومعاقبتهم بالسجن كمن سبقوهم مادام المنطق واحداً وأن مواجهة كل خروج على الشرعية  ينبغى ألَّا تنتهى  بقتلى أو بجرحى من المتظاهرين ومن ثم يكون ماتوصَّلت أنا إليه من منطق كهذا غير صحيح !!

الأمر الذى يجعلنا نقرر وبحق أن ماحدث فى عموم المشهد الوطنى  فى بلادنا من بعد الثورة  قد إختلط فيه الخطأ والصواب والواجب والمحظور وصار كله قانونيَّاً وشرعيَّاً .. ليتبدَّى المشهد من جديد وكما أراده الغرب والأعداء لنا يحمل كل سمات الحقد والانتقام والكراهية والذى بات يوجهه بعضنا للبعض الآخر وبسوء قصد بل ولتحقيق مصالح شخصية فى غالب الأحوال تفتقر للصالح العام وأصول الوطنيَّة المتطلبة  محو صورة الانتقام .. اذ الانتقام لايبنى دولة من جديد..  

حقاً لقد نجح أعداؤنا من بعد ثورتنا فى أن يقتلوا فينا أعظم صفاتنا والتى كانت مصدر تماسكنا وقوتنا واتحادنا عبر التاريخ وهى سمات التآلف والحب والمسامحة والود واعلاء مصالح الوطن العليا على مصالحنا الشخصيَّة وأحقادنا الدفينة والتى صارت هى اليوم ومن بعد الثورة ثقافةً شعبٍ ومنهاج حياة ..


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق