]]>
خواطر :
رغم إني أخاف من الغرق ، عقدة تلازمني منذ الصغر...أتمنى الغرق في بحر ذكرى هواك...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

(عندمــــا تكـــون الغـــربة أوطــــــان........)

بواسطة: Fairouz Attiya  |  بتاريخ: 2012-09-14 ، الوقت: 05:39:31
  • تقييم المقالة:


 

"سفرٌ ونصبٌ ورحيل و إرتحال" بهذه الكلمات الأربع نستطيع جميعنا أن نلخص السيرة الذاتية لكل فرد منا في هذه الحياة. فجميعنا في هذه الحياة مسافر ، ولا أعني بالمرة تلك الفكرة السائدة بأننا مسافرون في هذه الحياة الدنيا إلى دار القرار والإستقرار، مع صحة الفكرة بالطبع، ولكن السفر المقصود هنا هو بحث الإنسان الدائم و المستمر عن ذلك القلب الحنون الذي يستطيع في صحبته اللينة أن يسير آمناً في دروب الحياة المتشعبة والمفزعة، وما يصاحب ذالك من تعب بل ونصب وشقاء. فليس من السهل أبداً أن نجد في هذه الحياة الدنيا ذلك القلب الهين اللين الذي نستطيع في رفقته أن نواجه برحابة مصاعب و متاعب هذه الحياة.

إن البشر في هذه الحياة على إختلاف ألوانهم وأجناسهم نستطيع حصرهم في كلمة واحدة و هي "قلب" أو حتى "قلوب"، "روح" أو حتى "أرواح". فهذه الكلمة سواء كانت مفردة أو جامعة هي الإنسان، البشر، وليس هنالك من البشر من يستطيع أن يمضى وحيداً في هذه الحياة، حتى و إن ظن البعض أن سعادته أو على الأقل راحة باله في البعد عن الأخريين، تجده في نهاية المطاف يبتعد عن أناس ليقترب من أخريين و إن كان ذلك على أغلب الظن دون إدراك كامل منه، وإن كان إقترابه ذاك مجرد إقتراب خفي من نفسه وذاته.

 

وأما "الرحيل" بل و حتى "الإرتحال" فهو تلك المحاولات المستمرة والبائسة للبشر في الهروب من صنوف أخرى من البشر أيضاً والقلوب التي لطالما ما نغصت و تنغص دوماً حياتهم، ولا يستطيعون معها حولا ولا قوة فيختارون عنها الرحيل المستمر الذي يعرف "بالإغتراب"، فنعود هنا ونقول بأننا كلنا في هذه الحياة ليس فقط بمسافر و لكن كلنا على إغتراب.

 

ومن عجائب الدنيا أيضاً أن يغترب فيها البشر عن ذواتهم لا عن ذويهم وعن أنفسهم لا عن نفائسهم وغواليهم، غربة طويلة قد تصل عند البعض إلى أعوام مديدة وعند الآخرين قد تكون يسيرة وقد يعيش بعضنا و يموت ولا يدرى أنه في هذه الحياة إغترب عن ذاته، عن حلمه، لا عن أهله و خليله. وتلك هي الغربة، فما الغريب غريب مال ولا غريب خلان ولكنه غريب عن نفسه لا يجد فيها أمان.

 

وقد يكون إحساس الإنسان بالغربة هو مجرد إختيار، نعم مجرد إختيار شخصي، فمن الناس من لا يقوى كثير على إحتمال جلّ الأمور أو حتى صغارها، و لا يتسنى له مسايرة بعض البشر في طباعها و تصرفاتها ولا يستوعب حتى سلوكها، فيختار وقتها البعد في الحال، وإن لم يقوى على الهروب من المكان والبعد عن ما يكره من صنوف الإنسان، ينزوي سريعا داخل جدران نفسه باحثاً عن برهة آمنه في هذا الزمان. مجرد برهة من الزمن أحياناً وقد يتطلب الأمر أعواما من هذا الهروب فيتحول الأمر إلى إدمان على الإغتراب. والحق أنه محظوظ ذاك الذي يتسنى له الهروب، ولو في شكل إغتراب، فمن الناس من لا يقوى حتى على هذا المنهاج، لا يعرف كيف ينهى حديثاً لا نهائي مع متفلسف عبقري ولا السبيل إلى الهروب من متسلط بفكره على محدثه أو حتى قبيلة من قومه ، وهم في هذا الزمان كثير، فيظل صاحبنا متلعثماً مضغوطا مضطربا طيلة وقته ومشتتا، لا يعلم بعد علم شيئا ولا يجد من أمره مخرجا، فيضيع منه العمر كله محاصرا مهزوما من ذلك التسلط و شعوره الدائم بالإمتهان.

 

ومن الناس من يعيش غريبا بين أهله و ناسه وداخل أقطار وطنه دهورا ولكنه لا علم لديه بذلك على الإطلاق، تراه حزينا، بل وفي أكثر الأحوال مكروبا قد تشبعت حشاياه بالهم والبلايا ولا يدرى لذلك سببا ولا يتعجب من قله المهتمين بحاله أو المكترثين لعلته، لا يجد ولو جروا صغيرا يواسى فؤاده المتعب من كثرة الهموم،يرى الدنيا من حوله و قد خلت إلا من مبتلي مثله أو مشتكي من قلة الأخلاء و المهتمون. فتنزل روحه عن غضبها وتعود قانعة بحالها متعللة بأنه ما من مرتحل في هذه الدنيا قد خلا من البلاء و الهموم.

 

ومنهم من لانت الدنيا له ونزلت عن رغباته و أحلامه، وامتلأت حياته بالرفقاء والمعارف والأحباء ولكنه لا يجد في ليله راحة، ولا في قرب خلانه سعادة، تراه دوما هائما مهموما في أحواله ليس بسعيد ولا بالهادئ البال.فذاك إستطاع بتفوق التعايش مع كل من حوله من صنوف القلوب و البشر ولكنه كان مع ذاته من البلهاء.

 

ولشد ما عجبت من أناس كدوا في هذه الحياة وتعبوا وشقوا وإرتقوا حتى لأظن أنه قد آن الأوان لهذه الأرواح المجدة المتعبة أن تركن إلى الهدوء بعد الصخب وإلى الراحة بعد التعب ولكنها على النقيض من ذلك تسعى و تركض وتنهك حتى ليظنها الناظر من بعيد أرواح ملئها الجشع والطمع ولا ترضى أبدا ولا تقنع، وحقيقة الأمر أنها أرواح هاربة تخشى لحظة اللقاء فتفر إلى مزيد من التعب والشقاء،فحين نراها نحن أرواح ناجحة متفوقة، يملؤها الإقبال على الحياة ولا يجهدها العمل والكد بل يزيدها تألق وعطاء ترى هي نفسها روح متخاذلة متوانية نجحت في كل شيء وأي شيء سوى التوافق مع من حولها، وما أقسى ذلك من إحساس، أن تجد نفسك وقد ألنت الحديد وقربت من كل صعب عتيد ولكنك أبدا ما إستطعت أن تقترب ممن تحب،قد تعيش معه أو حتى معهم بين نفس الجدران و تحت نفس الأسقف محاطا بنفس الهموم و الآمال ولكن....ليس هنالك من توافق ووفاق ولا حتى مجرد أمل في الإتفاق على أبسط قواعد الحياة، ما تراه خيرا يراه شريكك الشر بعينة، و ما تتهلل لعملة يراه منك قمة الخيبة يجر عليه وعليك بالطبع البلاء، فتنطوي و تنطوي و تنعزل و تنزوي وما تلبث أن تسافر بعيدا بعيدا، لا خارج أقطار وطنك بل خارج جدران بيتك و محيط عملك مغتربا بذلك عنه أو حتى عن نفسك، لا يهم المهم أن تبتعد عن تلك الروح اللائمة التي ما تلبث أن تلومك وتلومك فتمحى نجاحاتك و تزيد من همومك، عندها تكون الغربة وطنا ما أحلاه تجد فيه تلك الروح الهاربة المبتغى وتبتعد ولو قليلا عن تلك الروح المدمرة، حتى تستطيع من جديد الكد والجهد والعطاء،وإن ظن من حولها أنها.. في قمة الغباء....

 

وغيرهم وغيرها من العديد من الأمثلة التي لا تمّل منها الروح ولا تنتهي،ولا تزول ولا تختفي، وكيف لها أن تنتهي وهي متجددة مع شمس كل صباح ، دائمة ديمومة الروح والحياة حتى قيام الساعة،،،عندها فقد تنتهي الحلقة المفرغة التي كلنا فيها يدور، كما تدور الفراشات الصغيرة حول النور، وتحين ساعة المعرفة، فالدنيا دار جهل لا دار علم، وتعلم بلا شك،ولكن قدر ما علما و تعلمنا فنحن فيها جهلاء بدرجة علماء، والعلم الحق يكون عند وقوفنا بين يدي الملك الحق حيث توفى كل نفس ما عملت، وتعلم كل نفس ما جهلت، و ينكشف كل مستور ، و يضيء كل مظلم معتم بالحقيقة المطلقة، وهى الحقيقة الإلهية التي تنتهي بها الحقيقة الزائلة الدنيوية و تبتدئ بها الحقيقة السرمدية، و تنتهي معها ودونما أي شك غربة النفس والأوطان.....فتجد كل نفس لروحها وطن حقيقا وعنوان.....

 

إمضاء.....

 

روح مغتربه..........

 

 


مقـــدمة مجمـــــوعتي القصصيــــة الأولــــــي "عندمــــا تكــــون الغــــربة أوطــــان"

د. فيــــــروز عـــــطية


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق