]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

تنمية سلوك التعصب عند الاطفال في مرحلة ما قبل المدرسة

بواسطة: د. غالب الاسدي  |  بتاريخ: 2012-09-13 ، الوقت: 18:10:42
  • تقييم المقالة:

 

 

    تعد عملية انتقال الاطفال من التربيةالاسرية  الى عالم تربوي جديد (كما في رياض الاطفال او البيئة الاجتماعية المحيطة مثل الحارة او القرية او المدينة )  وغير مألوف يلتزم الطفل فيه ببعض الانظمة والسلوكيات والاساليب التربوية الجديدة غير المعتاد عليها صعبة  شيء ما،  لما يتطلب الموقف من تكيف وانسجام مع الوضع الجديد والذي يختلف مقداره من طفل الى اخر وفقا لالتساق الطفل بهذه المرحلة بمن حوله في الأسرة، فبعض الاطفال لديهم قدرة تكيفية عالية فينسجموا مع اقرانهم الاخرين بشكل سريع والبعض الاخر يكون انسجامهم واندماجهم مع الاخرين اكثر صعوبة وليست عملية يسيرة او سهلة بالنسبة لهم .  ويمكن ان تسميته هذا بفطام الاسرة فيما اذا قارنه بفطام الرضاعة ، اذ ان على الطفل  ان يقضي اوقاتا تمتد لساعات مع اطفال ومربيات بعيدا عن الاجواء الاسرية ، وان يتكيف مع الظرف الجديد الذي يختلف عن الاجواء السابقة التي كان يعيش فيها ، فاذا كان محط اهتمام الاسرة في السابق كأن يكون الولد الوحيد ضمن مجموعة من البنات او البنت الوحيدة ضمن مجموعة من الولد او الطفل الوحيد لدى الابوين او طفل متبنى من الزوجين ، فتعد مشكلة التكيف مع النمط الحياتي الجديد الذي يجعل من الطفل محاطا بمجموعة من الاظفال الاخرين الذين يشاطرونه المصادر التربوية الواحدة او المصادر التربوية الاخرى المختلفة مشكلة صعبة وتحتاج الى صبر وتاني في معالجتها  ، وتقود مثل هذه الصعوبة بالنتيجة الى ان الطفل سيعاني  من مشكلات اخرى لها علاقة بمشكلة التكيف هذه ، تتحكم بها بعض السلوكيات المكتسبة نتيجة لعمليات التشكيل او التربية في الاسرة . مثل طبيعية التربية القاسية او الانعزالية او غير الثرية بالمحسوسات الحضارية التي تربى الطفل من دون ان يدركها في الاسرة والتي يكون لها مساهمة كبيرة في عدم تحقيق التكيف السريع ، ومعظم الاطفال الذين يكونون من المتعصبين مستقبلا عادة ما يكونون ضمن هذه الفئة .

   ان السلوك الاناني لدى بعض الاطفال يساهم مساهمة كبيرة في اعاقة تكيف الطفل مع البيئة الاجتماعية الجديدة ، اذ يحاول الطفل ان يعبر عن انانيته  باشكال سلوكية مختلفة ابرزها عدم مشاركة الاخرين باللعابه الخاصة ،  بل ويصل الامر  الى حدود محاولة الاستيلاء او اخذ اللعاب الاطفال الاخرين ، ويعكس هذا السلوك حب التملك،  والتي تعد غريزة في داخل الانسان اما ان يحدث لها تهذيبا او لايحدث عن طريق التربية  فعندما يرى الطفل والديه وهما لايؤثران الاخرين بشيء او لايحسنا للضعفاء والمعوزين ويجمعون الحاجيات من حولهم بشكل اناني حتى لو كان على حساب الاخرين من حولهم فانه يحاول ان يقلدهم ويحاكيهم في كل هذا ، وعندما يخرج لمجتمع انساني يفترض فيه ان يتعاون الجميع بعضهم مع البعض الاخر في تمشية الامور ، فاذا كان الطفل رُبي على الانانية وعدم التعاون فانه  سيعاني من الشعور بالوحدة وعدم الانسجام او التوافق مع اقرانه الاخرين،  والعزلة وربما يتطور الامر الى ظهور مستوى من السلوك العدواني الذي يكون بداية لتنمية السلوك العنفي عند مثل هولاء الاطفال مستقبلا ، وكل هذا السلوك هو عبارة عن محاولات لتوكيد الذات ، وربما يعكس اول بوادر التعصب نحو الذات و قدر او مستوى من الاستعلاء والتكبر على الآخرين

     وينطبق الوصف المذكور سابقا والى مدى بعيد على الطفل الانطوائي ، الذي تربى على التربية الانطوائية ، اذ تراه انعزالي او يميل الى العزلة والانزواء عن الاطفال الاخرين ، ومهما حاول بعض الاطفال الاجتماعين التقرب او الاندماج معه يفشلون في مساعيهم  ، لانه تعود عن طريق التشكيل الاجتماعي داخل الاسرة  ان يكون هكذا ، وهو انعكاس سلبي اذا استمر على نفس النمطية او المستوى ليصل الى شخصية تعصبية مستقبلا ، ولكن لا يمكن تطبيق هذا المعيار على معظم الاطفال الذين يتصفون بمثل هذه الصفات الشخصية مستقبلا وانما ينطبق على البعض منهم  ، اذ تنحل او تتفكك لديهم الانطوائية او الانعزالية فتراهم بعد مدة زمنية تختلف من طفل الى اخر وفقا لدرجة الممانعة او قوة التشكيل الاجتماعي الاسري مندمجين مع الاطفال الاخرين ويعيشون طفولتهم كما يعيشها الاخرون من حولهم ، وربما يكونون شخصيات اجتماعية مستقبلا وهذا يعتمد على درجة المرونة والممانعة التي تتكون  بعد كسر حاجز الانطوائية او العزلة  لديهم .

   يرى بعض العلماء  ان هناك مجموعة من العوامل  تقود الى ظهور السلوك التعصبي عند بعض الاطفال في مرحلة ما قبل المدرسة منها :

1)    الحماية الزائدة : اعتاد بعض الاطفال  في الاسرة ان يحصلوا على كل مايريدونه من الاباء مما يعني اعتيادهم على اللامسؤولية ، وعندما يخرجون للمجتمع في اول اطلاله لهم عليه يتوقعون من المجتمع ان يلبي لهم مثل ما كان يلبي لهم في الاسرة ، مما يؤدي الى التصادم مع الواقع وبالتالي التزمت بالسلوك الفردي مما يعني تعصب الطفل لنفسه مقابل آراء الاطفال الاخرين، والذي ربما يؤدي بالنتيجة الى انعزال الطفل وما يترتب على هذا الانعزال من سلوك عنفي او عدواني كنتيجة لهذا التعصب  . 2)    التمييز في المعاملة بين الأبناء :اذ ان بعض الاباء يميز بين بعض الابناء في المعاملة كالتمييز بين الذكور والاناث او ابناء الزوجة الاولى والثانية او بين طفل مطيع واخر غير مطيع ، مما يؤدي إلى تشكيل اولى بوادر الغيرة العدوانية والتي ربما تقود بالضرورة الى التعصب في عشق الذات والانطواء عليها وعدم تقبل الاطفال الاخرين .. 3)     التربية العنفية  :تحقير الاباء للابناء وضربهم الضرب المبرح ، ربما تقود الى السلوك الانطوائي والانعزالي و العدواني ومن ثم السلوك التطرفي ، لذا يكون سهلا  على الطفل الذي تربى مثل هذه التربية  ان يسب ويلعن وينتقم من الصغار الذين يختلفون معه  ولابسط الاسباب , ويدخل في هذا الإطار المبالغة في اللوم والتوبيخ وإساءة استخدام أسلوب الثواب والعقاب فكلها تؤدى إلى مشكلات تقود بالضرورة الى التطرف السلوكي بمختلف اشكاله  . 4)   الخلافات الأسرية :  كثرة الخلافات الاسرية والعراك المتواصل والمستمر بين الاباء ولاسباب لاتستحق احيانا، وبدلا من التفاهم والتخطيط المشترك في تربية ألابناء تشيع بينهم مظاهر السب والشتم وتبادل الاتهامات  . وضرب الأب للأم أو هجرها أوطلاقها .. كل ذلك سيؤدى إلى تشويه الصغار سلوكيا ونفسيا فيفقد أحدهم الطمأنينة التي يجدها من ينعم بأبوين سعيدين مما يكون دافعا للتعصب ومبررا له فيما بعد  . 5)   أن شعور الطفل بالحرمان داخل أسرته : يؤثر على ذكائه , وعلى مفهومه لذاته , وهو شعور بنقص المثيرات المختلفة التي تساهم مساهمة فعالة في اغناء او اثراء تربيته الاسرية  ، مثل الحرمان الاقتصادي الذي يؤدي إلى الحرمان من القصص واللعب والمصروف الشخصي ، والحرمان المعرفي الذي يتعلق بالحرمان من الوسائل التي يمكن أن تستثير نموه المعرفي , كالسماح له بالتعبير عن رأيه و الاستماع إليه والحديث معه ومتابعته دراسيا وتشجيعه على النجاح والتفوق , كذلك الحرمان الاجتماعي كالتشجيع على العزلة والانطواء وتخويف الطفل من الاخرين وشرور مفترض حصولها عند الاختلاط بهم . وتشير بعض الدراسات الى  خطورة الحرمان العاطفي وهو فقدان الطفل لشعور الحنان من قبل الاباء لاسيما الام لاسباب متعددة مثل موت الام او الطلاق او الهجر .. الخ . فتنشأ شخصية غاضبة حاقدة لاتعرف الحنان والرحمة لانها لم تتمتع بها اصلا ، وهذا الحرمان ربما يكون من اخطر انواع الحرمان التي تنشا شخصية شرسه وعنيفة وحاقدة وكارهة او مبغظة للمجتمع ، فتكون في مراحل عمرية لاحقة عالة وخطر على المجتمع 6)   التدليل الزائد : إن الطفل المدلل الذي يلبي له الابأء جميع طلباته المقبوله وحتى غير المقبوله احيانا  ، من الطبيعي ان يؤدى في الامر إلى إنسان يعجز عن أتخاذ القرارات المناسبة للمواقف والظروف المختلفة التي يواحهها في حياته اليومية ، فتتكون في داخله شخصية اتكالية هامشية ، وتزداد لديه التبريرات غير المنطقية وربما تزداد مخاوفه الاجتماعية وشعوره بالنقص ، ونتيجة لضعف جانب تحمل المسئولية عند الابن المدلل لأن جميع طلباته مجابة ، وتحكم الابن في أبويه وخضوعهما له ، وتمكن مشاعر الغرور والتكبر لدى الابن ، فان كل ذلك يحول الأبن المدلل إلى شخص غير قادر على التكيف الاجتماعي، لأنه دائما يتوقع من أصحابه وأقرانه أن يستجيبوا لغروره وطلباته، لذلك نراه دائما وحيد دون أصدقاء ويميل للتعصب بالراي وهو احد اهم اشكال التعصب  . 7)     التسلط : إن المراقبة المباشرة والمبالغ فيها من قبل الآباء والمربين للطفل تفقده الإحساس بالأمان والاعتماد على النفس وتشعره بالنقص وربما تضطره للكذب أحياناً، ولايعني ذلك ترك الباب مفتوح على الغارب وعدم متابعة او مراقبة الابناء ، بل العكس هو الصحيح ولكن يجب ان يكون بشكل حذر ويكون التدخل في الوقت المناسب والمكان المناسب، وعدم المبالغة فيها و التدخل في كل ما يقوله ويفعله الطفل. يجب اعطاء فرصه للابناء ان يبنوا شخصياتهم بانفسهم وعن طريق خبراتهم الشخصية ولكن بمراقبة من الاباء للتدخل فيما اذا شعروا بوجود تهديد او خطورة في سلوك الابناء لزيادة تلك الخبرات وبالتالي المساهمة في بناء شخصياتهم ، اما التسلط والتجسس والمراقبة المبالغة و الاستصغار والالغاء وتكميم الافواه لا تساهم في العملية التربوية إلا مساهمة سلبية ، فيتعلم الطفل فيما بعد كيف يتسلط على من هو اصغر منه او ادنى مرتبة في العمل او الوظيفة او المستوى الثقافي او الاجتماعي وهو شكل من اشكال التعصب  .

    ان سمات شخصية الاطفال في مرحلة ما قبل المدرسة هي معايير سلوكية يمكن عن طريقها التنبؤ بمدى وجود التعصب بانواعه المختلفة ضمن خصائص وسمات شخصيات الاطفال المستقبلية ،  ولكن من الصعب ان نجد هذه المعايير جميعها في شخصية الطفل الواحد في هذه المرحلة العمرية ،وربما نجد واحدة او اثنين او اكثر او اقل وفقا للنمط التربوي الذي تربه عليه الطفل في الاسرة . ومن الصعب ايضا ان نتنبا بعصبية الطفل المستقبلية فيما اذا توافرت واحدة او اكثر من هذه المعايير ، ولكن وفقا لماهو متوقع ضمن هذه المعايير وما تعكسه على طبيعة شخصية الفرد يتم التنبؤ بالسلوك المستقبلي ، ويعود السبب في ذلك الى ان عمليات التشكيل الاجتماعي مستمرة ولا يحدها حدود في مراحل عمرية لاحقة تمتد الى اعمار تدخل ضمن مرحلة الشباب وليس مرحلة الطفولة والمراهقة فحسب . كما ويجدر ذكره ايضا ان بعض الاطفال في هذه المرحلة العمرية لاتكون عندهم تلك المعايير السلوكية واضحة  وانما يعتريها كثير من الكمون ، ولكنها في مراحل عمرية لاحقة ونتيجة لعمليات التشكيل الاجتماعي في المدرسة تظهر بوادرها وتطفوا على السطح بشكل واضح  فيحدث تعلم للسلوك التعصبي  وينعكس على سلوكهم كونه ميزة واضحة لسمات وخصائص شخصيات تعصبية .

د. غالب الاسدي  galab_alasadi@yahoo.com

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق