]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . 

مفهوم السياسة الحيوية من خلال الطرح الفوكوي

بواسطة: غادة زقروبة  |  بتاريخ: 2012-09-13 ، الوقت: 09:19:09
  • تقييم المقالة:

 

 

                      مفهوم السياسة الحيوية من خلال الطرح الفوكوي

                                                                                        بقلم غادة زقروبة

 

          إن نظرية السيادة في العصر الحديث وراء ديمقراطية الدولة الحديثة، فتظهر كسلطة منظّمة للحياة و للسكان و من ثمة منظمة للمجتمع و تختفي في إطار مراقبة اجتماعية حديثــــــــــــــة ـ أيضا ـ، فتُنَظَّم مراقبة الفرد لتسهل معاقبته. فبعدما كانت مشاهد التعذيب و قطع الرؤوس وصلب الأجساد في الساحات العموميّة، أصبحت اليوم هذه المشاهد غير حقوقية،فنُظِمت لذلك وفق القوانين المحلية و الدولية  أماكن يُمارَس فيها التعذيب حسب ما يليق بكرامة الإنسان!و التي تمثّل السجون و المعتقلات، أشكالها.

     إذًا،فإن مسألة السلطة الحيوية بتيكنولوجيّاتها المختلفة ستُركّز على جسد المواطن و صحّته و معيشه و ستوفّر لأجل سلامته الصحية و النفسية و العملية كل الآليّات و الأساليب المتاحة لهذا الغرض، و من هنا، سنرى في الصفحات المقبلة كيف تتداخل التيكنولوجيات المنظمة لحياة السكان و تتفاعل لتشكيل ما يُعرف اليوم بالسياسة الحيوي و مدى تأثير هذه الأخيرة على المجتمع، و كيف ستتفاعل السلطة الحيويةو المعرفة لتشكيل حقل علمي معرفي يُسهِّل فهم و من ثمة التحكم في حياة المواطن ــ أو الساكن ــ.  

 

إن الدور الحقيقي لنظريات الدولة مطلقة النزعة (absolutistes )  ليس في الواقع تدبير حقوق الإنسان بقدر ما هو تسويغ حصر لكل القوة الجبرية بين يدي الملك. والمقصود إذًا بالنسبة لهذا الملك، هو إنشاء جهاز ممركز حول الإدارة العامة وتشجيع معرفة تطبيقية مفيدة للإدارة، وموضوع هذه الحاجة الجديدة إلى المعرفة ليس المواطن بحقوقه وواجباته بل الفرد بجسده وحياته. وعليه سوف تبدأ تلبية هذه الحاجة بواسطة معرفة محاسبية وإحصائية، معرفة تتناول الولادة والموت، المرض والجنوحية ، العمل والاتصالات ورفاهيّة السكان وفقرهم.

تلك هي بالنسبة إلى فوكو الخطوات الأولـــى لسياسة بيولوجية تكونت تدريجيّا تحت الستار الرسمي لخطابات قانونية متعلقة بسيادة الدولة.

 

               السياسة الحيويّة (الإحيائيّة)

    بدأت تتأسس في القرن التاسع عشر تكنولوجيا جديدة للسلطة هي  السياسة الحيوية ويتعلق الأمر في هذه السياسة الجديدة بمجموعة العمليات والإجراءات مثل نسبة الولادة والوفاة ومعدل الخصوبة والإنجابالخ.إن هذه الإجراءات أو العمليات الخاصة بالولادة والوفاة وطول العمر هي التي شكّلت بوجه خاص في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ، اتصال وترابط مع عدد من المشكلات الاقتصادية والسياسية والموضوعات الأولى للمعرفة والأهداف الاولى للسياسة في المراقبة.

وفي هذا الوقت وضع القياس والإحصاء لقياس هذه الظواهر وظهر علم الديموغرافيا، كما يتعلق  الأمر بظواهر المرض، ليس فقط  كما كان الحال عليه في زمن الأوبئة حيث الخطر الذي لازم السلطات السياسية منذ أوائل العصر الوسيط (تلك الأوبئة التي كانت مآسي مؤقتة للموت المتعدد، للموت المحايث للجميع). الأمر في نهاية القرن الثامن عشر لم يكن يتعلق بهذه الأوبئة، ولكن بشيء مغاير : بالأمراض المستوطنة ، أي بشكلها وطبيعتها، وانتشارها ومدتها وكثافتها بين السكان. إنها تتسّبب في الموت بوتيرة معيّنة.  الأمراض، عوامل دائمة لضعف القوة وانخفاض وقت العمل، وتدني الطاقة وارتفاع في التكلفة الاقتصادية، إنها تتسبب في نقص الإنتاج وفي العلاج المكلف.  باختصار، أصبح المرض ظاهرة سكانية، ليس بوصفه موتا ينزل فجأة على الحياة، ولكن بوصفه موتا دائما يتسرب إلى الحياة لينخرها ويضعفها باستمرار.

    حقل آخر لتدخل السياسة الحيوية، يتمثل في مجموعة من الظواهر الشاملة والعرضية غير أنها تؤدي إلى نتائج مماثلة كانعدام القدرة وإبعاد الناس عن النشاط وتحييدهم، لذا فإنه يمكن القول أن المشكل الأكثر أهمية منذ بداية القرن التاسع عشر (في وقت أزمة التصنيع)، هو حقل الشيخوخة والفرد الذي يقع خارج نطاق القدرة والنشاط والإنتاج ، بالإضافة إلى الحوادث والعاهات وأشكال الشذوذ المختلفة. على هذا الأساس ستضع السياسة الحيوية ليس فقط المؤسسات المساعدة للرعاية، ولكن آليات أكثر نجاعة ونفاذا من الناحية الاقتصادية وأكثر عقلانية من مؤسسات الرعاية الكبيرة.

       أمّا الحقل الأخير للسياسة الحيوية هو هذه الدراسة بين النوع الإنساني، أي الإنسان بوصفه كائنا حيا، ومحيطه سواء  تعلق الأمر بالآثار المباشرة للمحيط الجغرافي والمناخي أو بمشكلات المياه ، كالمستنقعات والأوبئة المرتبطة بها، وذلك خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

و بشأن المحيط؛ لا يتعلق الأمر بالمحيط الطبيعي فقط بل بالمحيط الذي صنعه الإنسان وآثاره على السكان. وهذا ما يطرح مشكلة المدن والحواضر من بعض الممارسات القائمة في الميادين الأولى التي كانت مجالا لتدخل المعرفة والسلطة : تلك المجالات المتعلقة بالمواليد ونسبة المرض والعجز البيولوجي وآثار الوسط والبيئة. و حول هذا الحقل من المشكلات ستعمل السياسة الحيوية على إقامة معرفتها وتحديد حقل تدخلها.   

         إن حقول اهتمامات السياسة الحيوية  أبرزت مجموعة من العناصر منها عنصر جديد لم تعرفه النظرية القانونية ولا الممارسة الانضباطية. فالنظرية القانونية لا تعرف إلاّ الفرد والمجتمع، الفرد المتعاقد والجسد الإجتماعي المُشَكَّل من قبل العقد الإداري والمتضمن للأفراد. إن هذا العنصر الجديد من السلطة الحيوية لا يتصل بالمجتمع ولا الفرد – الجسد . إنه يتصل بجسد مغاير: جسد لكن برؤوس عديدة، جسد  محسوب ومعدود، يتعلق الأمر بمفهوم"السكان".هذا المفهوم الجديد يمثل مشكلة سياسية وعلمية في الوقت نفسه، مشكلة بيولوجية وسلطوية.

            بالإضافة إلى عنصر"السكان" هناك طبيعة الظواهر التي تمّ أخذها بعين الاعتبار. تلك الظواهر الجماعية التي تحدث آثارا اقتصادية  وسياسية عندما تصيب مجموعة من السكان أو جميع السكان وتتميز بكونها ظواهر مفاجئة وغير منتظرة إذا ما درست بمفردها. ترتبط هذه الظواهر بمدة طويلة نسبيا . إنها ظواهر متسلسلة، وإلى هذه الظواهر ستتجه السياسة الحيوية.

   انطلاقا من هذه الظواهر والأحداث ستضع السياسة الحيوية مجموعة من الآليات. تهتم السلطة الحيوية بالتوقعات والتقديرات الإحصائية والقياسات العامة وتعديل تلك الظواهر بوجه خاص، وبالتدخل على مستوى الظواهر العامة وليس الفردية. كان يجب تعديل و حفظ نسبة الوفيــات  وإطالة الأعمار و تنشيط الولادات و إقامة آليات منظمة للسكان والمحافظة على معدلات معيّنة وذلك بإقامة نوع من الانضباطية الذاتية وضمان تعويضات، وباختصار إقامة آليات الأمن حول هذا التناسب الضروري للسكان كي يستطيع الفرد أن يعيش ويحسّن ويطوّر حياته. إنها آليات كما الآليات الانضباطية موجهة في مجملها إلى رفع درجة القوة غير أنها تمر عبر طرق مختلفة كليّا. لأن الأمر على خلاف الإنضباطات، يتعلق هنا بترويض جسد الفرد حتى ينجز الأعمال الموكلة إليه. يجب الأخذ بعين الاعتبار الحياة والعمليات البيولوجية  المختلفة  للإنسان – النوع  وضمانها بآليات تنظيمية وليس بآليات انضباطية.

الآن، أصبح بمقدورنا القول بأن السلطة ليس لها الحق في الموت بل لها الحق في التدخل في الحياة. وطريقة  الحياة ومستوى الحياة ورفع مستوى الحياة وإطالة الأعمار.


... المقالة التالية »
  • د. وحيد الفخرانى | 2013-01-21
    العزيزة / غادة . . . قرأت مقالك هذا مرتين ، مرة من وجهة نظر موضوعية تتعلق بموضوعه الذى يتناول السلطة والسياسة الحيوية ( الإحيائية ) . . . ومرة أخرى من وجهة نظر تعبيرية تتعلق بطريقة عرض المقال وأسلوب التعبير عن فكرة الموضوع . . . والحق أننى كنت أنتظر منكِ تبسيطاً أكثر لفكرة السياسة الحيوية التى تعطى مؤشراً هاماً على الإهتمام بحياة الفرد والبعد عن المفاهيم الجافة للأفكار الفلسفية . . فالمتخصصون أمثالنا يتعين عليهم دوماً تناول الموضوعات المتخصصة بقدر أكبر من التبسيط حتى يتسنى لأكبر عدد ممكن من القراء إستيعابه ، أما الحديث فيما بين المتخصصين بعضهم البعض فله شأن آخر يا عزيزتى .    طبتِ دوماً وطاب مساؤكِ .
    • غادة زقروبة | 2013-01-21
      الى الستاذ وحيد الفخراني
      المقال جزء من بحث مطوّل قمت به عن مسألة السلطة الحيوية لذلك بدا ان المفهوم معقد شيئا ما وذلك راجع الى ان المقال مقتطف.
      شكرا لاهتمامك.
  • تاجموعتي نورالدين | 2012-09-16
    سيدتي الفاضلة .. تملّكني شجون الماضي القريب وأنا أقرأ لكم

     هذه التحفة التي تستحق إدراجها في خانة ما يسمى الدراسات 

    الاستراتيجية .. أقول تملّكني شجون الماضي القريب نظرا لتفاعلي

     وأنا طالب في شعبة العلوم السياسية مع مثل هذه المقالات .. 

    وحتّى أكون صريحاً معك .. لا أدري لماذا وأنت تشرحين المنحى 

    البيولوجي الذي ارتكز عليه فوكو  لتحصين سيادة الدولة .. أقول لا

    أدري لماذا لم توسعي هذا الطرح بإظافة نظرية مالتوس حيث 

    كان من تبعات هذه النظرية وضع بيانات استباقية لكيفية الحصول

    على توازنات ببين الموارد والبشر مما خلق إشكالات سياسية 

    واجتماعية لاحقة أدت إلى حروب أخذت طابع ما يُسمى ( المجال 

    الحيوي) خصوصا عند هتلر الذي رأى أن التوسع الجغرافي ليس فقط

    تحكمه العصبية العرقية(الجنس الآري) وإنما ابتلاع واكتساح 

    الجغرافيا ضرورة تفرضها السوسيولوجيا بمعنى التاريخ هو أبو

    الجغرافيا .. سيدتي مقالك رائع والاسلوب بديع .. ستكون لي عودة

    أخرى لقراءته بتمعن أكبر والاستفادة أكثر . لك أطيب المنى .

    • غادة زقروبة | 2012-09-16
      هذا المقال هو جزء من عمل مطول، من بحث قمت به تحت عنوان" اشكالية السلطة الحيوية في الطرح الفوكوي" وفي هذا البحث قد حللت مفهوم السلطة الحيوية عند ميشيل فوكو وما مفهوم السياسة الحيوية الا جزء من هذه السلطة. وما قلته سيدي الكريم عن نظرية مالتوس و فكرة المجال الحيوي التي اخذت طابعا مميزا مع هتلر قد تطرق اليه ميشيل فوكو في دروسه في الكوليج دي فرونس والتي نشرت بعد موته تحت عنوان "il faut défandre la societé" (يجب الدفاع عن المجتمع) ولان العمل قد اخذ شكل البحث وكنت قذ تعاملت فيه مع كتب اخرى لفوكو فانني رأيت ان يكون ما اكتب سيمس فقط ما كتب فوكو..
      انا سعيدة جدا باطلالتك الفريدة على ما كتبت.
  • أحمد عكاش | 2012-09-14

    الفاضلة غادة:

     يؤسفنا انسحابك من عضوية الصالون الأدبي،

    فلقد وجدتُ في كتاباتك أسلوباً جميلاً جداً، وغنًى جليّاً في الثروة اللغوية و ,,, الكثير من مؤهّلات النجاح في الكتابة

    لكن ، كما قلتِ دراستك أهمّ بكثير من الصالون ومن المشاركة فيه

    تقبّلي أطيب أُمنياتنا لك بالنجاح والتفوّق،

    لا تحرمينا من إطلالتك إلى (الصالون) كلما وجدت الوقت مناسباً.

    أخذ الله بيدك إلى الخير.

    • غادة زقروبة | 2012-09-15
      السيد المحترم احمد عكاش، 
      سررت جدا بملاحظتك على كتاباتي لان رأي شخص في حجمك اكيد يهمني.. ليس غرورا ولكنه ثقة في النفس ان اقول لك انا واثقة في قدرتي على الكتابة والتحليل والنقد لانه بالاضافة الى دراستي وميولاتي الفلسفية فانا قد تربيت منذ اطلالتي الى الحياة على حب القراءة والنهم للادب..
      سأحاول كلما سنحت الفرصة ان اطل على الصالون..
      لك احتراما خاصا سيدي الكريم. 
  • غادة زقروبة | 2012-09-14
    سيد احمد عكاش شكرا لتوضيحكم فأنا فعلا لا أعرف هذه التفاصيل عن صالونكم الادبي..تمنيت حقا ان اساهم بعمل ولكن ولان لديكم التزامات واعراف خاصة وأنا لا أملك الكثير من الوقت لقراءة المقالات والتعليق عليها بشكل مستمر  وذلك لاني اكمل دراسة الماجيستير في الفلسفة.. اعتذر عن عدم المواصلة معكم واتمنى منكم سيدي ان تقبلوا طلبي في سحب عضويتي..
    لكم كل الاحترام.
  • أحمد عكاش | 2012-09-14

    الفاضلة (غادة زقروبة)

    تحية وبعد: أحيطك علماً أن (صالون مقالاتي الأدبي) ينشر في كلّ يوم (الإثنين) من كلّ أسوع مقالاً واحداً فقط،

    ويكون بحسب تسلسل أسماء الأعضاء،

    والأن في هذا الأسبوع دور الزميل رقم (6)، وفي الإثنين الذي يليه يأتي دور الزميل رقم (7) وهكذا،

    أنت يا زميلة رقمك في تسلسل الأعضاء (9)، فحين يحين دورك نرحب بك ونبلغك ونبلغ الزملاء مسبقاً،

    فنرجوك الآن عدّلي اسم مقالك هذا، واحذفي منه (مقال الصالون الأدبي)، وتقبلي اعتذارنا الكبير،

    وإذا شئت أن يكون هذا المقال (مفهوم السياسة ..) هو مقال (الصالون) فاحذفيه الآن لتُنزليه في موعده،

    وإن شئت أن يبقى الآن وتُتزلي غيره في الموعد، فأنت حرة، اختاري لنفسك ما تشائين.

    ومن الأن إلى أن يحين موعد إنزال مقالك، يجب أن تشاركي في النقاش والنقد الذي يوجه إلى الزميل صاحب المقال،

    نأمل أن تساهمي في مناقشة كل مقال ينزل، هذا شرط لإستكمال قبولك في (الصالون)

    وأهلاً وسهلاً بك،

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق