]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قصة صحفية: المتضرر حقاً

بواسطة: مصطفى بدر  |  بتاريخ: 2012-09-12 ، الوقت: 02:29:48
  • تقييم المقالة:

بقلم: مصطفى بدر

بعد أن قمت و زميلي ضرار الزغير بتغطية المسيرات الإحتجاجية ضد الغلاء في بيت لحم بتاريخ 10-9-2012 توجهنا بالسيارة عائدين إلى قريتنا بتير, كنت أقود السيارة و كانت الساعة تقارب التاسعة مساءاً, شوارع بيت لحم بدت شبه خالية من الحركة بعد يومٍ كاملٍ من الإضراب, و قد كانت تستوقفنا كل حينٍ حاويات القمامة التي قام البعض بقلبها و نثر محتوياتها لإغلاق الطرق كنوعٍ من الإحتجاج على الغلاء, و كلما أرى حاويةً مقلوبةً تغلق الطريق أوقف السيارة و أخرج أنا و ضرار لإلتقاط الصور.

لم أكن قد رأيت أحداً يسحب تلك الحاويات إلى وسط الطريق و يقلبها, كأنما الريح هي من فعلت ذلك, و خلال مروري بأحد الشوارع إستوقفني منظرَ شاذَ مثيرَ للريبة جعلني أوقف السيارة و أخرج مسرعاً بجنون و كاميرتي في يدي. سيدةٌ تبدو في نهاية العقد الرابع من عمرها, و طفلٌ لم يبلغ العاشرة, و طريقٌ نصف مغلقةٍ بحاوية, و المرأة و إبنها يسحبون الكنبة و يجرونها نحو النصف الغير مغلق من الشارع, إنهم يغلقون الشارع! هذا ما حسبته, و لكن السيدة و الطفل استمروا بجر الكنبة و التي كانت على أية حالٍ ملقاةً قرب القمامة متجهين بها إلى غير رجعة..


 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة: السيدة وإبنها و هما يجرون الكنبة (مصطفى بدر)

على الأرجح أنهم متوجهين بها إلى البيت, و كان الله في عون المحتاج الذي يضطر إلى إستصلاح ما يخلفه الآخرين, تركتها ذاهبة دون أن أجرؤ إلا على إلتقاط بضع صور لهم و هم ذاهبين غير مكترثين.

ركبنا السيارة و تابعنا سيرنا نحو بتير, و في الطريق استوقفنا مشهدٌ أخر عند المخرج الغربي لبلدة الخضر قرب البلدة القديمة, حيث أن مجموعةَ من الفتية. بل الأطفال الذين لا تتجاوز أعمار معظمهم الـ10 سنوات قاموا بإغلاق دوارٍ كاملٍ بكافة منافذه بالحجارة و الحاويات, و كانوا يقفزون و يتراقصون فرحين, نزلنا من السيارةِ و هممنا بإلتقاط بعض الصور و إذ بهم قد ازدادوا فرحةً و هرجاً عندما شاهدوا عدساتنا, فمن طبع الفلسطيني أن يستطيب كونه هدفاً لآلات التصوير و الصحافة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصورة: الأولاد و قد فرحوا برؤية كاميرات الصحافة مسلطة عليهم (مصطفى بدر)

كم تأثرت بما رأيت, و ربما كان زوج تلك المرأة عاطلاً عن العمل, أو متوفياً, و ربما هي زوجة أسير أو شهيد, لم أرها هي أو ابنها في أيٍ من التظاهرات التي غطيتها, لم أسمع منها كلمةَ ضد فياض أو إتفاقية باريس, و لم أشاهدها تغلق شارعاً أو تحرق إطاراً, جائت بصمت عبائتها السوداء, كي لا يفضحها هدوء المدينة, و بخفة أخذت تلك الكنبة المهترئة و دونما إكتراثٍ لأحد عادت بها إلى البيت و أغلقت بابها على نفسها, و كم أثارني منظر هؤلاء الفتية الذين لم يقف خلفهم تنظيم أو أجندة و هم يخربون الممتلكات العامة و يغلقون الطرق. بعد أن طلبنا منهم فتح الطريق شاكرين فعلوا و عندما تعديناهم و قد بدؤا يختفون في الأفق رويداً رويداً و أنا أراقبهم في مرآة سيارتي و قد تبادرت تلك الفكرة إلى ذهني, أن من يتظاهر من طلابٍ و موظفين و سائقين و مثقفين و عمال و غيرهم لا يجب أن يتظاهر من أجله فحسب, بل من أجل تلك المرأة المسكينة و طفلها الصغير, و لأجل أولئك الأطفال الذين لولا إضرابات المدارس لكانوا على مقاعد دراستهم يتعلمون المحافظة على الممتلكات العامة, و لأجل ذلك الشاب الذي أمضى سنواتٍ بيأس يستنجد عملاً دونما مجيب, و لأجل ذلك الشرطي الذي يهبنا ليله و نهاره لحمايتنا و خدمتنا, لأجل من ضاقت به الأرض و أغرقته البحار, لأجلنا, لأجل كرامتنا.

 

 

 


هذه القصة عبارة عن مشاهد حقيقية تمت بتاريخ 10-9-2012 في مدينة بيت لحم بفلسطين


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق