]]>
خواطر :
الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

عسر القراءة : مقاربة نظرية

بواسطة: الركيبي محمد  |  بتاريخ: 2012-09-10 ، الوقت: 18:26:26
  • تقييم المقالة:

   

                      

 

عسر القراءة :  مقاربة نظرية

 

مقال من انجاز  :  الدكتور الركيبي محمد

 

     مقدمـــــــــــــــــــــــة

 

          يكتسي عسر القراءة طابعا خاصا ، حيث أنه يتعلق بخلل أو قصور في مهارة أساسية لاكتساب المعارف وتداولها ، وهذه المهارة ، أي القراءة ، تلعب دورا أساسيا في المجتمعات الحديثة ، حيث تساهم بشكل كبير في الترقي  الاجتماعي للفرد .

         ومن بين الأولويات التي تشغل بال المربين  والمدرسين هو التوصل إلى طريقة أو منهج ناجع  لتعليم الأطفال أسس القراءة  بشكلمبسط وفعال.

       إلا أن هذه المهمة – أي تلقين المبادئ الأساسية للقراءة -  قد لا تتم بالشكل المطلوب  ، ويتعثر بعض  هؤلاء الأطفال في التعلم السليم للقراءة رغم المجهودات التي يبذلها المعلمون من أجل تذليل هذه الصعوبات . مما حدا ببعض هؤلاء المدرسين ، عن خطأ أو تسرع،  إلى اعتبار هذا العسر في القراءة ناتجا عن ضعف في  القدرات الذهنية .

      وفي هذا المقال سنحاول أن نتطرق لعسر القراءة من  وجهة نظر المتخصصين ، التي تخالف الرأي المألوف للعامة بل ولأغلب الذين يمارسون مهمة التدريس .

 ولكي نتفادى أن يصبح مفهوم أو مصطلح، عسر القراءة  "dyslexie";مشجيا يعلق عليه الفشل المدرسي، يجب أن نعرف عمن نتحدث، أي من هم الأطفال الذين يمكن أن نطلق عليهم عسيري القراءة "dyslexiques"؟. كما يجب أن نعرف أيضا عن ماذا نتحدث، بمعنى آخر أن تكون لدينا فكرة واضحة عما نعنيه باكتساب و تعلم القراءة.

 

من هم الأشخاص المعسورين قرائيا ؟

 

غالبا ما نتحدث عن عسر القراءة مباشرة إذا تقدم لدينا طفل لديه صعوبات في تعلم القراءة. إذ أن هذه الصعوبات يمكن أن تكون لها أسباب مختلفة، فيمكن أن تكون ناتجة عن سوءإتقان للغة، أو عن محيط اجتماعي غير مشجع أو عن مسار دراسي متعثر، وفي هذا الصدد يرى الدكتور بنعيسى  زغبوش[1] :... وفي هذا الإطار أكدت دراسات أخرى أن بعض الأطفال في وضعية دراسية صعبة لا يدرك أن نجاحه أو فشله متعلق بمجهوده الشخصي ،.. يرجع الفشل في القراءة إلى إسناده إلى القدرات الضعيفة للطفل وليس الى المجهود القليل المخصص للقراءة  ، فالقراء غير الجيدين  يخصصون وقتا أقل ب 40 %  وعليه ، فالقارئ الاستراتيجي ، حسب paris   وآخرون ، يعتبر نفسه فاعلا في تعلمه الخاص ، ومسئولا عن كفاءته ، ويشعر بقدرته على تحديد أهدافه ، ويربط سببيا بين أفعاله الخاصة والنتائج المترتبة عنها . والعكس صحيح بالنسبة للطفل في حالة الفشل . فهذا الأخير يعمل على تطوير تقنيات دفاعية  لحماية التقدير الشخصي للذات والتخفيف من القلق لتفادي تنشيط  انفعالات مرتبطة  بوضعيات الفشل السابقة ، وهو ما يؤدي الى ظهور سلوكات سلبية  من قبيل عدم الالتزام بالقراءة ، واسناد الفشل لعوامل خارجية ، وتجنب المهمة ما أمكن ، والاحتفاظ بالصعوبة في مستوى منخفض.."        كذلك إذا كان الطفل يعاني من اضطرابات نفسية خطيرة. أو من نقص ثقافي و ذهني، أو يعاني من مشاكل في الإبصار و الرؤية، و كذلك السمع. فالأطفال الصم لا يتعلمون القراءة بشكل سهل و عادي، الأمر الذي يؤكد أن القراءة ليست فقط نشاطا بصريا. إنه فقط أمام قصور شديد في تعلم القراءة، و بعد إزالة الأسباب الكامنة للفشل يمكن الحديث عن  عسر القراءة "dyslexie"فالأطفال الذين يعانون من مشاكل و صعوبات في القراءة ليسوا كلهم عسيري القراءة.

 وقد ورد تاريخيا  أن بعض المشاهير: كإنشتاين،وغاليلي، ودافنشي،و ت.إديسون، كانوا  يعانون من عسر القراءة، مما حدا بالبعض لأن يطلق على عسر القراءة "مرض النبوغ "  pathalogie de superiorite"[2]

 

ما لذي يميز عملية القراءة ؟

 

         القراءة هي استخراج المعنى انطلاقا من متواليات متعاقبة من العلامات المكتوبة التي تنتسب إلى رمز اعتباطي موحد لدى مجموعة ما. ففي اللغات الهجائية  فان الرمز المكتوب يعني إعادة ترميز ما هو شفوي.  فالحروف ا والمقاطع  الحرفية تترجم مختلف فونيمات اللغة المنطوقة .

      لهذا السبب فانه يجب أن يتم تعلم الرمز أولا (القواعد التي  تنظم الارتباط بين الوحدات المكتوبة والوحدات الصوتية  في كل لغة)       grapheme    1   phoneme(و يجب على الطفل أن يتدرب على دمج الأصوات  والمقاطع الصوتية لكي ينتج كلمة ما في لغته، الشيء الذي يمكنه من الولوج إلى المعنى (المسترجع من معجمه السمعي ). إنها المرحلة التي يطلق عليها فك الشفرة . وعند نهاية  هذا السياق فان  الولوج إلى المعنى يكون بطيئا و ويتطلب مجهودا كبيرا من ناحية الانتباه والذاكرة العاملة.

 و شيئا  فشيئا فان الكلمات المعتادة سيتم الاحتفاظ  بها في الذاكرة الطويلة الأمد تحت شكلها الإملائي. ويمكن أن يتم استدعاؤها أو استذكارها مباشرة :نتحدث إذن في هذه الحالة عن القراءة بواسطة الإحالة  أو (مباشرة) وهي إستراتيجية مفضلة  لدى القارئ المتمرس الذي يلجا إلى إعطاء المعنى السريع  والدقيق والأوتوماتيكي لكل كلمة أو جملة مكتوبة .[3]

 

ولكي نتحدث عن صعوبات تعلم القراءة، يجب أن نتعرف أولا على  ما هو الشيء الخصوصي الذي يميز هذا التعلم، وبشكل أعم عملية القراءة في حد ذاتها . ففهم نص ما  رهين، في نفس الوقت ، بمستوى الفهم الشفوي و بإتقان الميكانيزمات الخاصة بالقراءة. ولتفسير ذلك يمكننا الاستعانة بالمثال التالي  :  فقد لا يتبادر إلى ذهن أي أحد بأن الشخص الذي يعاني من عدم القدرة على " قراءة" نوتة موسيقية أنه يعاني  بسبب صعوبات في فهم الموسيقى، فمن البديهي القول بأن الذي ينقصه هو، إتقان الميكانيزمات التي تمكن الموسيقي المتمرس من الربط، بشكل أوتوماتيكي، في ذهنه بين متوالية من النوتات (notes)المكتوبة و بين النغمات الموسيقية و الأمر نفسه يتعلق بالقراءة و على نفس المقاس: فالطفل الذكي لا يمكنه فهم نص مكتوب إلا إذا استدمج الميكانيزمات التي تمكنه من  معرفة و تحديد الكلمات المكتوبة.و قد يصعب على البعض  أن يصدق بأن نشاطا متميزا مثل القراءة يتطلب آليات أوتوماتيكية، ولكن  حقيقة الأمر هي أن هذه الآليات "automatismes" لا تعمل بشكل جيد لدى الأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة.

وقد تم إبراز هذا الطابع الأوتوماتيكي للتعرف على الكلمات المكتوبة ، لدى القارئ الراشد، الذي يتقن القراءة و الذي يطلق عليه القارئ، المتمرس  "lecture expert" ، بواسطة اثر "ستروب"،  [4]"l'effet stroop"الذي ينتج عن تداخل بين معنى الكلمة و شكلها و هكذا، فإن طلبنا من قارئ متمرس، تسمية و تحديد ألوان الحبر الذي كتبت به كلمات معينة، فإن جوابه يكون أكثر  بطئا في حالة ما إذا كانت الكلمة المكتوبة، هي كلمة لا تناسب لون الحبر. مثلا كلمة  "أزرق" مكتوبة بلون أحمر. فالذي يعرف القراءة لا يمكنه إلا أن يقرأ ما هم مكتوب. حتى و لو طلبنا منه ألا يقرأه. و هذا ناتج عن الآلية الأوتوماتيكية "Automatisme" فهذا المثال يبين بأن القارئ المتمرس يلج مباشرة للشكل و لكن أيضا لمعنى الكلمة.

وبشكل أكثر غرابة، فإنه تم التأكيد و البرهنة على أن القارئ المتمرس يسمع ، و يتمثل ذهنيا الشكل الصوتي" Sonore" للكلمة ، الأمر الذي لا يعني التلفظ بها، مهما كان النسق الكتابي الذي يقرأ بواسطته.

      ويوجد فعلا، مجموعة من الأنساق الكتابية. فهناك الكتابات التي يطلق عليها : المرتكزة على الصوت :"    Phono centrée" ،والكتابات اللفظية :"  syllabiques"، والكتابات الهجائية : Alphabétiques "، تدون أساسا الأصوات. وكتابات أخرى تدون و تكتب المعاني خاصة: كالكتابات اللوغوغرافية. كالصينية مثلا.

        و يمكن افتراض أن القارئ المتمرس لا يستمع إلى "موسيقى" الكلمات ورناتها، إلا إذا كانت الكتابة مرتكزة على الصوت.ولكن الأمر ليس كذلك، فقد تم تأكيد اثر "ستروب" أيضا حتى في حالة تقديمنا ، لقراء صينيين ، كلمة تنطق بنفس الطريقة الذي تنطق به كلمة تشير إلى لون معين  ، و لكنهما  تختلفان  في المعنى وفي الشكل الحرفي .

 

 

 

كيف يتعلم الطفل القراءة ؟

 

بالنسبة لكتابة ذات نسق هجائي  . فإن التعرف على الكلمات يمكن أن يتم، سواء بواسطة الطريقة الكلية، التي تمكن من التعرف على الكلمات التي نصادفها غالبا، أو بواسطة الطريقة التحليلية، التي تمكننا من قراءة الكلمات الجديدة و ذلك عن طريق الربط بين الوحدات الأساسية للكتابة،وهي الحروف ،بالوحدات المناسبة للشفوي أو المنطوق ،أي الأصوات وفي هذا الإطار نتكلم عما يسمى بفك الشفرة.

        في بداية تعلم القراءة فإن الأطفال يركزون أساسا على فك الرمز أو فك الشفرة، و هي عملية  بطيئة وتتطلب مجهودا كبيرا و وقتا أطول في البداية. و هذا الأمر يمكن الأطفال في البداية من  التعرف على كل الكلمات التي تترابط  فونيماتها مع أشكالها الكتابية  ، بينما يجدون صعوبة كبيرة في قراءة الكلمات غير المنتظمة  حتى ولو كانت متداولة بشكل كبير  .

بالإضافة إلى ذلك، فإن سهولة هذا التعلم مرهونة بشفافية العلاقة بين الشفرة  المكتوبة، و الشفرة الملفوظة. و إذا لم يكن هناك أي منظومة  للكتابة شفافة بشكل كلي بالنسبة للمنطوق أو الشفوي، فإن بعض هذه المنظومات أكثر شفافية من الأخرى : فالاسبانية، والايطالية، والألمانية، بل وحتى الفرنسية،أكثر شفافية  مقارنة مع الانجليزية. إذن كلما كانت الكتابة أقرب إلى النطق، فإن الأطفال يتعلمون القراءة بشكل أسرع.

وهناك نقطة أخرى، ذات أهمية بالغة  و هي أن الدراسات الطولية ، تلك التي يتم فيها تتبع  نفس الأطفال لمدة طويلة و ملاحظة تطور اكتساب القراءة لديهم .قد أثبتت أن إتقان فك الرموز الكتابية  هو شرط أساسي لهذا التعلم. الفارزين الجيدين المبكرين هم الذين يتطورون بشكل أسرع، حتى بالنسبة لقراءة الكلمات التي لا تخضع  للقواعد .

نقطة أخرى مهمة، و هي انه كلما كان الطفل أكثر قدرة على القراءة، كلما استطاع إدراك  وتمثل الصورة الرنانة  "  l'image sonore  "  للكلمات. و قد تمت البرهنة على ذلك باستعمال مهام وأنشطة تجريبية  يطلق عليها  "مهام  الإشعال " taches d’amorçage"[5] ، حيث يتم تقديم، كلمتين مكتوبتين، بشكل متوال وخاطف  (في بضعة أجزاء من الثانية) للمتلقي : حيث تكون إحدى هاتين الكلمتين هدف و الأخرى شعلة " amorce " يفترض أنها تسهل التعرف على الكلمة الأولى، ونأخذ مثالا لذلك من اللغة الفرنسية  لإبراز العلاقة بين الكلمتين حيث  يمكن أن تكون هذه العلاقة  صوتية ، (fraise – frèze)، أو بصرية  (fraise – froise)،   أو دلالية  (fraise – fruit). وقد لوحظ أن  الأثر الذي تتركه عملية الإشعال   البصري و الصوتي يتزايد مع التقدم في السن و مستوى الخبرة في القراءة، بينما يتناقص أثرها الدلالي، الشيء الذي لا يتماشى مع الفكرة السائدة، و التي مفادها أن القراء الجيدين هم الذين يلجئون إلى المعلومات الدلالية لتحديد وفهم الكلمات المقروءة .

الخلل الفونولوجي وتأثيره على اكتساب المهارات القرائية ؟

 إن عملية فك الشفرةالكتابية  تستدعي الملاءمة  بين الحروف و الأصوات أو بين الأشكال الحرفية والوحدات الصوتية . وبالتالي القدرة على إتقان المعالجة الفونولوجية.

 وقد اعتبر فيما قبل  بأن عسر القراءة هو اختلال أو عجز بصري. فالمعسورين قرائيا ، يخلطون بين الحروف التي تحمل نوعا من التشابه ، مثلا بين (b)و (d)، هذا الرأي و الذي لا يزال يحظى بشعبية كبيرة،قد تم رفضه بشكل واضح. حيث أن الدراسات الحالية تؤكد بأن المعسورين قرائيا  يعانون من  عجز فونولوجي. و هكذا فعندما يقرءون، فإنهم لا يتمكنون من الوصول إلى فك الشفرة الخاصة بالكلمات المكتوبة بشكل صحيح و سريع، خاصة بالنسبة للكلمات الجديدة. هذا العجز يبدو جليا   حتى في حالة مقارنة هؤلاء  مع الأطفال الأصغر منهم سنا  و الذين  يمتلكون نفس مستواهم  القرائي ، مما  يشير إلى أن الأمر لا يتعلق ببساطة بتأخر في التعلم. و مع ذلك، فانه يظهر بشكل أكثر أو اقل وضوحا حسب شفافية الشكل الإملائي .

وقد بينت الدراسات  بأن العجز الفونولوجي  للمعسورين الانجليز مثلا  يبرز  بشكل أكثر حدة مما لدى قرنائهم الفرنسيين ، والذين هم بدورهم أكثر معاناة من المعسورين الايطاليين . مما يوحي ، من خلال  هذه النتائج ، بأن عسر القراءة ، يعود بشكل بسيط  إلى  عوامل محيطية أو بيئية .

ولكن الأمر على خلاف ذلك  ، كما يتضح من خلال تقنية  التصوير الدماغي  "l'imagerie cérébrale"، ففي الواقع ، فإن هناك نفس المناطق الدماغية لا تعمل بشكل مناسب لدى  كل المعسورين قرائيا  مهما كانت لغتهم الأم. وهذا الأمر يسمح لنا أن نعتبر بأن العجز في عملية فك الشفرة المكتوبة  يمكن أن نكون له أصل واحد : و هو عجز أو قصور في المعالجات الفونولوجية.

في الواقع ، فإن أنواعا أخرى من العجز الفونولوجي تم اكتشافها لدى المعسورين قرائيا، خاصة ما يسمى بالتحليل الفونيمي " analyse phonémique".  ولكي يتم استعمال العلاقة بين الحروف و الأصوات، يجب أن ندرك  مثلا أن الكلمة المنطوقة /kar/ مثلا  تتضمن ثلاث فونيمات مختلفة، وتكتب بواسطة  ثلاثة حروف c+a+r))، وبما أن داخل أي مقطع صوتي  يتم نطق الفونيمات دفعة واحدة ، وهو ما يطلق عليه التلفظ المشترك  ، فان اختبارا لتمييز الفونيمات وعدها يعتبر معيارا أساسيا لتحديد وتمييز المعسورين قرائيا عن غيرهم . وقد استعمل الباحثون هذه الطريقة  ليتأكدوا من وجود مشاكل في التحليل الفونيمي لدى المعسورين قرائيا  . كأن يطلبوا منهم  احتساب عدد الأصوات المختلفة التي يسمعونها حينما ننطق كلمة /kar/ مثلا أو في كلمة /krab/.     و بمواجهتهم بهذا النوع من العمليات أو المواقف  فإن المعسورين قرائيا  يصبحون في موقف عجز وفشل خاصة إذا كانت الكلمات ذات بنية صوتية معقدة .

بالإضافة إلى ذلك فإن نتائج الدراسات، التي من خلالها تم  تتبع  نفس الأطفال قبل، و بعد تعلم القراءة.  تشير إلى أنه قبل هذا التعلم فإن المعسورين المستقبليين أو الذين يحملون بوادر عسر القراءة، يختلفون عن القراء الجيدين ، بشكل أساسي من خلال  قدرتهم على التحليل الفونيمي. فهذه القدرة إذن ستصبح مؤشرا ينبئ بالقدرة على القراءة مستقبلا .

وهناك صعوبات واختلالات  على مستوى الذاكرة الفونولوجية ذات الأمد القصير تم تحديديها واكتشافها بشكل متكرر لدى المعسورين. فهذه الذاكرة تكتسي ضرورة قصوى  حينما يتطلب منا الأمر أن نتذكر، على سبيل المثال، رقم هاتف مجهول  في الوقت الذي نقوم بتركيب أرقامه  .  فبالنسبة للقراءة فإن هذه الذاكرة هي التي تمكن من تذكر النتيجة الخاصة  بعملية فك الشفرة الحرف – الصوتية ، و ذلك سواء تم التوصل إلى الكلمة المقروءة، حينما  تكون معروفة في معجمنا الداخلي، أو خلق كلمة جديدة يتم تخزينها فيما بعد  داخل هذا المعجم .و لفحص الأداء  الصحيح لهذه الذاكرة فإننا نطلب من المفحوص إعادة وتكرار  متواليات رقمية تتدرج في الطول أو متوالية من الكلمات ذات أطوال مختلفة، من 3 على 6 مقاطع صوتية  مثلا. ومن خلال ذلك تبين أن المعسورين قرائيا   يحصلون على  نتائج  ضعيفة في هذا النوع من التمارين و الاختبارات.

 

 

تصنيف حالات العجز القرائي

رغم الكم الهائل من نتائج الدراسات المختلفة عبر العالم في العشرين سنة الأخيرة و هي دراسات  أوضحت بأن المعسورين قرائيا يعانون من عجز في مختلف المجالات التي تستدعي المعالجات الفونولوجية. إلا أن أصل  هذه الاختلالات لم يتم التعرف عليه بعد بشكل مضبوط .    فهناك مجموعة من الفرضيات المفسرة تم تقديمها. أولاها فرضية "  Tallal " الذي يرى أن  المظهر الأساسي لعسر القراءة يكمن  التقليص الزمني للنسق السمعي، الذي يؤثر سلبا على إدراك الأصوات المختصرة  والتحولات الزمنية السريعة .حيث أن هذه  الأصوات الشديدة  الاختصار أي :  الصوامت  "  les consonnes"و التحولات السريعة ، التي تميز اللغة ، إضافة  إلى ما يقارب  30 أو 40 فونيم مختلف الخاص بلغة معينة، تمكن  من الإبداع  اللغوي وإنتاج عدد لا محدود من الكلمات.

 ويرى  باحثون آخرون أن مشكل عسري القراءة يفسر بخلل وظيفي في النظام البصري الذي يمكن من معالجة الذبذبات الفضائية المنخفضة (الشيء الذي يسمح بضبط محيط الكلمات) وهذا النسق  مسئول عن تدبير حركات العين.

و فريق آخر من الباحثين يؤكد على أن المعسورين  قرائيا يعانون  مشاكل على مستوى التوازن  والتناسق الحركي ، الشيء الذي دفعهم للقول باقتراح أن هناك نقصا و قصورا على مستوى  النخاع ألشوكي ، يمكن أن يكون سببا في عسر القراءة، و بشكل أخص في الاختلالات الآلية التي تلاحظ لدى هؤلاء الأطفال.  فالنخاع الشوكي يفترض  أنه أساس الآلية الذاتية (les automatismes).

 و أخيرا هناك نظرية تكاملية  ،تحاول  دمج  الفرضيات السمعية و البصرية  ، و تفترض أن خلالا عصبيا وحيدا يصيب الطريق الكبيرة الخلايا  "les voies magnocellulaires   كيفما كانت المستويات الحسية .فهذا النسق الذي يمكن ، في نفس الوقت ، من معالجة الذبذبات الزمنية  العليا و الذبذبات الفضائية أو المكانية المنخفضة ، هو الأصل في الاختلالات البصرية والسمعية لدى المعسورين قرائيا ، سواء أكانت هذه الاضطرابات الأخيرة خاصة أو غير خاصة باللغة.

ونظرا لتعدد التفسيرات المقدمة لتفسير وتحديد الأسباب الرئيسية لعسر القراءة  وما يكتنف ذلك من غموض ، أحيانا ، وترجيحات لنظرية أو اتجاه في مقابل اتجاهات أخرى  وما قد يسببه ذلك من تشكك وحيرة في ذهن القارئ فلا بأس أن نقدم  قراءة نقدية جد مقتضبة  ل " راموس "      Franck Ramus" [6] وقد برهن على ذلك  في مقاله ، فإن هذه الفرضيات المختلفة لم يتم تأكيدها.

     من خلال الأدبيات العلمية حول عسر القراءة فان كاتب المقال يختار النظرية الفونولوجية  ولكن بشكل محدد باعتبارها نظرية سببية  للاضطرابات القرائية .

        فحينما  ننظر إلى الدراسات التي تم انجازها حول عسر القراءة ، ولكي نحدد ونضبط العائقين الأساسيين  لتفسير وتأويل المعطيات . أولا ، إذا كانت مجموعتان من الأفراد تختلف إحصائيا حول القياس  X  فهذا لا يبين لنا كم هي نسبة الأفراد التي ساهمت في  الاختلاف ، يكفي فقط  أن يكون  ربع المعسورين قرائيا  ضعيفا في اختبار  X   مثلا  لكي  يجعل معدل المجموعتين مختلفا بشكل محسوس  حسب الاختبارات الإحصائية المعتادة ، بينما يبقى الثلاث أرباع لديهم  أداء عاديا في هذا الاختبار .

    ما الذي  نستنتجه من هذه الحالات ؟  نستنتج أن المعسورين قرائيا  يعانون من قصور في  X   ، وهو الأمر الذي تم  تمويهه  جزئيا  بواسطة الأخطاء  القياسية والغموض  الإحصائي ؟  أو أن هناك جزء من المعسورين قرائيا  يعانون من قصور في  X  والآخرون  عاديون ؟  والجواب هنا ليس دائما بديهيا .

      في  كل الحالات ، فانه من الضروري ، النظر إلى المعطيات الفردية وليس فقط  معدلات الفوجين  .

           الصعوبة الثانية  تكمن في الدور ألسببي الذي ينسب إلى قصور معين .  فحتى  لو سلمنا  بأن  %100 من المعسورين  قرائيا يعانون من مشكل ما  في   X  فهذا الأمر لا يعني  بأنه السبب  في الاضطرابات القرائية . 

       قد  يكون من الممكن مثلا أن السبب الحقيقي   Y، يتضمن  في نفس الوقت   X   للاضطرابات القرائية ، إلى درجة  أنهما يتساوقان ، ويبرزان باعتبار أن كليهما قد يكون سببا للأخر . فهناك إذن اعتبارات أخرى مستقلة ضرورية لضبط وتثبيت العلاقات السببية .

        وبالنظر إلى هذه  الملاحظات ، فان اختبارا نقديا للأدبيات العلمية  يمكننا من إبراز النقاط التالية  . 

    حسب الدراسات  ، فان نسبة المعسورين قرائيا  التي  تبدو عليها  اختلالات سمعية   تتراوح  بين   0  و 50 %  .( من ضمنها دراسات  TALLAL) .  حسب الدراسات  ، فان نسبة المعسورين قرائيا  التي  تبدو عليها  اختلالات بصرية   تتراوح  بين   0  و 25 %  . نسبة المعسورين قرائيا  التي  تبدو عليها  اختلالات حركية  تتراوح  بين   0  و 80 %  . نسبة المعسورين قرائيا  التي  تبدو عليها  اضطرابات فونولوجية   تتراوح  بين   75 %  و 80 %  .
           فدراسة المعطيات الفردية تبين إذن  أن هذه الاضطرابات الفونولوجية  تشمل  كل  أو تقريبا كل  المعسورين قرائيا ، والاضطرابات الحسية الحركية  لا تعني  ألا جزءا  كثيرا أو قليلا منهم  ، ومن هذا المنطلق فانه لا يمكننا أن نسند للاضطرابات الحسية الحركية  تفسيرا عاما لعسر القراءة  .     يتطلب الأمر منا إذن  أن نهتم ، بشكل أدق  بالدور السببي  لمختلف الاضطرابات المذكورة آنفا .    فالدور السببي المباشر للعامل الفونولوجي في القراءة  هو دور سببي لا غبار عليه  .  فقد تم إبرازه، مرارا وتكرارا ، إذ أنه يعتبر هو أولوية أساسية في تعلم القراءة ، وأن القدرات الفونولوجية  للأطفال الصغار  تعد مؤشرا أساسيا  على القدرات القرائية للقراء المستقبليين .     ولكن السؤال  المطروح  هو معرفة  ، هل الاضطرابات أو القصور الفونولوجي  بنفسه ناتجا عن  قصور سمعي ؟ الجواب  كلا .      وفي الواقع  ، ومن خلال الدراسات  السابقة  ، فان المعسورين قرائيا  يبدو  عليهم  في الغالب  قصورا فونولوجيا  غير مصحوب  بقصور سمعي . بالإضافة إلى ذلك  ، فان الامكانيات السمعية  لا تنبئ  بالقدرات الفونولوجية ، فوجود اختلال فونولوجي  قد يكون في غياب تام  للاختلالات السمعية   ، ولكن أذا صادف أن  تواجدت هذه الاختلالات الأخيرة فإنها تؤدي إلى تعميق المشكلة  وتفاقم الاضطراب الفونولوجي .      و يبدو أن  الاضطرابات السمعية إذا تواجدت ، لا يمكن أن نعتبرها  ببساطة  كاضطرابات للمعالجة الزمنية السريعة  ، على النقيض من فرضية " TALLALSTEIN".       والسؤال الموالي يعنى بالدور  الإضافي الذي يلعبه  الاختلال البصري . ففي ما يتعلق  بالاختلالات البصرية  من نوع : الاضطراب الكبير الخلايا    "magnocellulaire " المفترض من طرف " STEIN  "، فان أثرها على القراءة ، لم يتم إثباته  لحد الساعة .        وأخيرا فان الاضطرابات الحركية لا يبدو أنها تلعب دورا حاسما ومحددا في اكتساب القراءة .       واختصارا ، وباستثناء عدد قليل من  حالات الإرهاق البصري ، فان اختلالا فونولوجيا ، يبدو أنه هو السبب الخاص لاضطرابات القراءة .  فلدى بعض الأفراد يكون القصور الفونولوجي سببا خالصا  ، دون مصاحبة أية أعراض بصرية أو سمعية أو حركية .  ولدى فئة أخرى فان أعراضا  حسية – حركية  تصاحب القصور  الفونولوجي ، مع تأثيرات قليلة على القراءة ،  إذ لا يمثل إلا إمكانية  تكثيف القصور الفونولوجي  بواسطة الاضطرابات السمعية .         يمكننا أن نتساءل لماذا هذه الأعراض " syndrome  " الحسية- الحركية  مرتبطة  بعسر القراءة ؟ ، و لكن بنسب مختلفة  حسب الدراسات .       يجب أن نلاحظ أولا ، بأن هذه الأعراض  ليست رهينة بعسر القراءة ، ولكنها توجد في عدد كبير من الاضطرابات  النمائية ، مثل  عسر الكلام  ،  واختلالات تآزر الحركات الإرادية     "  dyspraxie " والتوحد  ، والاضطرابات الانتباهية ، وغيرها        هذا ما يؤكد  أن الاضطرابات الحسية – الحركية  ليست مرتبطة بشكل خاص بالقراءة  ، ولكن باضطرابات نمائية أكثر عمومية . وبشكل آخر ، فإننا نجد أن هناك مساوقة بين  هذه الاضطرابات وبين بعض حالات عسر القراءة  فمن بين 30  إلى 50  %  من المعسورين قرائيا  هم أيضا يعانون من صعوبات في الكلام  ، ونسبة أخرى  متفاوتتة العدد تعاني من اختلالات في تآزر الحركات الإرادية  أو تعاني من  صعوبات في الانتباه .      وأخيرا فان الأعراض "  syndrome" الحسية-الحركية  تكون شديدة  التواتر أو أو التواجد  من  بين الأفراد  الذين  تبدو عليهم  الاضطرابات  المتزامنة  بين اثنين أو الكثير من الاضطرابات  النمائية ، خاصة  بين عسر القراءة وعسر الكلام .  وبين عسر القراءة  والاضطرابات الانتباهية . على خلاف الأطفال الذين يعانون من عسر القراءة الخالص . وأخذا بهذه الاعتبارات ، يبدو أن الاختلافات  بين الدراسات  يمكن تفسيرها بواسطة  الأخطاء الناتجة عن  اختيار العينات . فقد لاحظ كاتب المقال ، من خلال دراساته ، بأن الاضطرابات الحسية- الحركية تبدو مرتفعة بشكل جلي حينما يتعلق الأمر بعينة من الأطفال المعسورين قرائيا منتقاة من وسط دراسي خصوصي  ( حيث نجد العديد من الحالات تتضمن اضطرابات مختلفة ومشاكل متعددة ) ، أكثر مما تبدو في عينة المعسورين  قرائيا الذين يتابعون دروسهم بشكل عادي ، وبمؤسسة  عادية ، ويتابعون أحيانا  دروسا  مسائية .       وإذا أخذنا بعين الاعتبار كل هذه المظاهر ، فان ذلك يسمح لنا بإجابة بعض الإكلينيكيين الذين يستقون من خبراتهم  وتجاربهم العملية ويعطون انطباعا بأن الأعراض  الحسية- الحركية  هي غير منفصلة عن عسر القراءة  الحقيقي ، خاصة في فرنسا حيث أن عسر القراءة لم يتم تحديده وسبر آثاره  بشكل منظم ، فالأطباء العياديين لا يرون في الواقع ، إلا فئة " مغلوطة نوعا ما " من عموم المعسورين قرائيا  ، والتي تتضمن نسبة كبيرة من الحالات الأكثر حدة  والحالات التي تعاني من أعراض مرضية متزامنة .

خاتمــــــــــــــــــــــــــــــة

       إن المكانة الجوهرية  لنسق معالجة الأصوات الكلامية في تفسير نجاح أو فشل تعلم القراءة يمكن أن تكون ناتجة عن كون اللغة المكتوبة عبر تاريخ الإنسانية، كما في تاريخ الفرد، تابعة و تالية لتعلم اللغة المنطوقة أو الشفوية. انه ليس من الغريب  إذن أن  يركز الطفل  أولا على ما يعرفه من  لغته الشفوية لكي يتعلم القراءة بعد ذلك ،فقد  يكتفي، في الواقع،  بتذكر عدد محدود من الارتباطات الثابتة و المنتظمة بين الحروف و الأصوات.

             وفي الختام ، يبدو عسر القراءة ، قبل كل شيء كقصور أو خلل خصوصي للادراكات الفونولوجية . وفي بعض الحالات يكون مرفقا باضطرابات حسية أو حركية تلعب، بشكل أو بآخر، دورا في المشاكل القرائية . يتبع ذلك ، أنه في الإطار الحالي للمعارف فان الاستراتيجيات العلاجية الأكثر ملاءمة  تبقى تلك التي ترتكز على تدريب الوعي الفونولوجي وعلى تعليم ملائم للقراءة . وإذا كان المعطى النفسي العصبي  يستدعي ذلك ، فان علاجات أخرى يمكن وصفها  إذا كانت ملائمة.

j. أحرشاو الغالي، وﺁخرون ، سيكولوجية الطفل: مقاربة معرفية ، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، طبعة 1 ، 2008، منفصل : استراتيجية معالجة المعلومات في العلاج المعرفي  ، للدكتو بنعيسى زغبوش ، ص : 110

 

jاعتمادا على مقال بعنوان : apprentissage de la lecture et dyslexie    ل  L. Sprenger-Charolles    مجلة :  médecine et enfance  عدد ابريل 2005   ص 249

 jM. Mazeau , neuropsychologie et troubles des apprentissages , du symptôme a la rééducation, masson, 2005 paris, page 234                                                                                                                                                            

 

jتنسب هذه الظاهرة " ظاهرة ستروب " إلى جون.ستروب الذي تطرق لأول مرة لها في أطروحته التي تقدم بها لنيل شهادة الدكتوراه في سنة 1935. وتؤكد الدراسات الحديثة أن تفسير "ظاهرة ستروب" يرجع إلى التداخل الذي يحصل في الدماغ بين عمليتي معالجة

الكلمات البديهية أو البسيطة والكلمات التي تحتاج إلى جهد وتركيز، فالتداخل بين ما تشير إليه الكلمات ولون هذه الكلمات مثلاً هو سبب الفارق الزمني بين الوقت الذي ستستغرقه في قراءة الكلمات الدالة على الألوان والملونة بشكل صحيح .

jاعتمادا على مقال بعنوان : apprentissage de la lecture et dyslexie    ل  L. Sprenger-Charolles    مجلة :  médecine et enfance  عدد ابريل 2005   ص250

 

  jاعتمادا على مقال بعنوان :  trouble sensorimoteur dyslexie developpementale : deficit phonologique spécifique ou   ل . F.RAMUS      مجلة :  médecine et enfance  عدد ابريل 2005   ص255

 

 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق