]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

شاعر في بطن النقد .

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-09-09 ، الوقت: 11:55:25
  • تقييم المقالة:

 

عندما تسلمت من الصديق ( بوزيان حجوط ) مخطوط ديوانه ( شاعر في بطن الحوت ) ، وعكفت على قراءته ، وكتابته بالآلة الكاتبة ، قبل أن يدفعه إلى أي مطبعة ، ويخرجه إلى عالم النشر ، كنت أنتظر وآمل أن أقرأ شعرا جيدا ، أو أقرب إلى الجودة والإتقان .. شعرا يثيرني ، ويعجبني ، وأجد في قصائده المختلفة ـ ولو بعض منها ـ أبياتا حسنة تبهرني ، وتهز وجداني هزا ، وتحرك مشاعري تحريكا ، وأطرب بمعنى جميل ، أو يغشاني شعور نبيل ، أو يأسرني موقف نبيل ، أو تأخذني صور شعرية موفقة ؛ اجتهد الشاعر في صياغتها ، وتفنن في خلقها ، تحملني إلى عالم أشد روعة ، وأسحر بدنيا غير هذه الدنيا ، التي أراها ، وأسمع عنها كل يوم .. أو حتى أجد أسلوبا مميزا ، ولغة بديعة ، أغبط عليها صاحب الديوان ، وأقول :

ـ هذا شيء جديد ، وبديع .. !!

كنت أحب أن يحدث هذا ، إلا أن شيئا من هذا لم يحدث !!

إذا الشعر لم يهززك عند سماعه

فليس خليقا أن يقال له شعر .

وكان الديوان ، كله تقريبا ، يقحم نفسه في دنيا الشعر إقحاما ، ويتسلل بطريقة خشنة ، فيها كثير من التكلف ، والافتعال ، والتصنع ، والتطفل ... وما كنت أحب ( للشاعر ) أن يقع في مثل هذه المآخذ ، والمزالق ؛ فقصائده ـ في معظمها ـ عبارة عن أفكار منظومة ، وآراء مبثوثة ، ومواقف مطروحة ، في قضايا وشؤون عديدة ، أفاض في الحديث عنها ، كثيرون قبله ، ولا يزالون بعده ، كان للعقل والمنطق فيها الدور الأكبر ، والنصيب الأوفى . وهذا من اختصاص النثر ، الذي هو لغة العقل والمنطق ، بينما الشعر هو لغة العاطفة والوجدان ..

وقد بدا أن ( بوزيان حجوط ) تعمد أن يخرس صوت القلب ، ويحبس لسان العاطفة ، ويمنعهما من الانفعال ، والتأثر ، والمشاركة ، إلا فيما ندر من القصائد ، وقد فعل ذلك على استحياء واستياء !!

وهذا أكبر خطأ ارتكبه ؛ فالشعر الحق هو :

« نبضة قلب قبيل أن يكون لمعة فكر ، وهو خفقة حياة قبل أن يكون فكرة ذهن ، وهو حالة نفسية قبل أن يكون قضية فكرية ، وهو ظلال إنسان قبل أن يكون إلتماع أفكار ، ووسوسة أفئدة قبل أن يكون رنين ألفاظ . » (1)

وإنما الشعر إحساس بما خفقت

له القلوب كأقدار وحدثان .

هذا هو الشعر ، الذي كنت أتمنى أن يتحفنا به ( الشاعر ) ، ويشنف أسماعنا ، ويرهف نفوسنا ، ويمتع أذواقنا ؛ فالشعر يجب أن يكون له جرس موسيقي ، وأن يكون له تفعيلة ، ويكون واضح القصد ، يلامس مشاعر الآخرين ، وأن يكون نابعا من اللغة ، وليس بخارج عنها ، لا يحطمها ، ولا يدمر قواعدها ... إلا أنه ربما لبداية التجربة ، وحداثته الشعرية ، تغافل عن كل هذا ، واضطرنا أن ننتقل معه ، في كثير من قصائده ، إلى زمن الحلاج المصلوب ، وليالي شهرزاد الدامية ، وأيام العرب الجاهلية ، وجبال سيزيف القاسية ، وأساطير الأولين ... صحيح أنه حاول ـ مجتهدا ـ أن يخلخل هذه الموروثات ، ويفكك رموزها ، ويتمرد عليها ، ويقدمها إلينا بصور جديدة من صنعه هو ، ويخرجها في طبعة حديثة هي ( طبعة حجوطية ) ، ويسخر من العرب المعاصرين ، ويعيب حضارتهم المختلفة ، بسخرياته اللاذعة والكاريكاتورية ، إلا أن هذه الصور ، وتلك الطبعة ، والسخرية ، والعيب ، كانت بعلمه أو دون علمه ، معادة مكررة ، قد سبقه إليها شعراء كبار ، أمثال صلاح عبد الصبور (1983/1931) ، وأمل دنقل (1983/1941) ، وعبد الوهاب البياتي  (1999/1926) ، ونزار قباني (1998/1923) ، وأحمد مطر ... وغيرهم .

وكان هؤلاء أجود منه ، وأبدع . ( طبعا دون أن نقصد أي مقارنة بينه وبينهم ) .

« فالشعر لا يقوم بموضوع ، ولكن بالفن الذي يحول الموضوع إلى حقيقة جمالية ممتعة مؤثرة ، ولو كان هذا الموضوع خرافة أو رذيلة . » ( 2 )

وكذلك لأن قصائد هؤلاء لم يغب عنها عنصر الموسيقى ، في حين أن قصائد ( بوزيان ) ـ إلا القليل ، القليل ـ كانت الموسيقى تحتضر ، وإيقاعها وأوزانها تتحشرج ، وتموت !!والموسيقى في الشعر ضرورية ضرورة أكيدة ، تحمل النفس والأذن معا على الطرب والمتعة ؛ فالشعر غناء قبل أن يكون أي شيء آخر ، والغناء من طبيعته لا يكون دون موسيقى أصيلة ، شجية ، هي التي تميز الشعر عن النثر . وصلاح عبد الصبور يقول :

« إن المقدرة على التشكيل ، مع المقدرة على الموسيقى ، هما بداية طريق الشاعر ، وجواز مروره إلى عالم الفن العظيم . »

والحقيقة أن هذا المأزق يقع فيه كثير من أصحاب قصيدة النثر ، الذين تزعجهم الموسيقى ، وتضايقهم ، وتسبب لهم حرجا وحساسية غير محبوبة ...

صحيح « لقد ظلت الموسيقى تمثل سورا عاليا يميز الشعر عن النثر ، وتمتحن به المواهب الأصيلة في تحليقها نحو الأكوان الشعرية العليا . » ( 3 )

وللأسف فإن قصيدة النثر أضرت بالشعر العربي ضررا بالغا ؛ فقد فتحت الباب لكثير من الأدعياء ممن لا مواهب لهم ، وأفقدت الشعر العربي جزءا كبيرا من تواصله مع الناس ، كما أنها دخلت في دائرة من الغموض الذي أبعد القارئ عنها ...

أيها الصديق :

إذا كان بمقدورك أن ترتقي بشعرك ، وتمتلك ناصيته ، وتتمكن من أدواته ، وتستجيب لشروطه ، كي يكون أفضل ، وأجمل ، فافعل ، وانصب ، واجتهد أكثر .. أو فاهجر الشعر هجرا جميلا ، واخطب ود أخيه النثر ، وألزم حدوده ؛ فذلك أسلم ، وأجمل ؛ ولعلك بهذا القرب تنتسب حقا إلى عائلة الأدب ، دون أن يمس كرامتك ، وكبرياءك ، شيء من أذى ، أو مكروه .. أو تعتبر عند الناس ضيفا ثقيلا ، أو متطفلا بغيضا ، على مائدة الشعر ، يجبرونك بين لحظة وأخرى على الرحيل !!

وهذه نصيحة من صديق شعاره في الحياة : حق يضر خير من باطل يسر .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) فؤاد دوارة . 

(2) أحمد عبد المعطي حجازي .

(3) محمد إبراهيم أبو سنة .   


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق