]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المسؤولية الجزائية للباعث العقاري

بواسطة: مباركة رحومه - باحثة - كلية الحقوق و العلوم الساسية بتون  |  بتاريخ: 2012-09-07 ، الوقت: 01:04:12
  • تقييم المقالة:

 

 

يعتبر الجانب المعماري من بين أهم الجوانب بالنسبة لنمو أي دولة لذلك فإنه يحظى بإهتمام كل الشعوب و الحكومات منذ أمد بعيد . إلا أنه بالرغم من تقدم العالم في هذا القطاع و القطاع الصناعي خاصة و نموه نموا مطردا فإن هذا الجانب المعماري بقي يشكو أزمة على صعيد تطور مستوى البناء الذي بقي في عديد الأحيان يفتقد إلى عدة نقائص ناتجة عن تدني مستوى تكوين الحرفيين و المتدخلين في ميدان البناء بالأساس .

 

و أمام كل ذلك أصبح هذا القطاع يشهد عدة مشاكل عملية برزت و لا زالت تبرز على مستوى تطور نسب الضحايا المتأتية من تعدد الحوادث و الكوارث في هذا المجال الأمر الذي جعل الإهتمام بموضوع تحديد المسؤول الحقيقي عن وقوع مثل هذه الأفعال يأخذ طريقه في النصوص التشريعية الوضعية خاصة بعد أن أصبح إنهيار المباني خلال عملية تشييدها أو بعد إكتمال تشييدها بوقت قصير ظاهرة ملقتة للنظر و مدعاة لرثاء حقيقي1.

 

و بتفاقم الأزمات في هذا القطاع و بتزايد عدد الضحايا جراء تلك الحوادث التي كان لتعدد العناصر المتدخلة في عملية البناء الدور الأكبر في حصول تلك الأضرار بإعتبار أن قطاع تشييد المباني يشمل اليوم العديد من الإختصاصات تتحد كلها من أجل تحقيق هدف واحد ، كان من الضروري البحث أولا في وسائل وسبل التخفيض

من نسب الأضرار ثم إيجاد حلول ناجعة من أجل الإرتقاء أكثر بميدان البنـاء عامة و تطوير مستوى تكوين المتدخلين فيه.

و يعتبر الباعث العقاري في هذا المجال من أهم محترفي البناء إلى جانب المهندس المعمـاري و المقاول و الفني في البناء فمن هو الباعث العقاري و كيف تقوم مسؤوليته في هذا الإطار ؟

 

لتعريف المقصود بالباعث العقاري كان من المفروض الرجوع إلى التعريف اللغوي لهذه اللفظة إلا أن الإطار لا يسمح بالتدقيق في هذا الموضوع من هذه الناحية بالنظر إلى أن دراسة هذا الشخص من خلال هذا المجال هي دراسة عملية بالأساس.

 

و على خلاف ذلك فإن الأمر يقتضي الرجوع إلى التعريف التشريعي لهذا الشخص إن وجد ، لذلك فإنه و بالإطلاع على الفصل الأول من القانون عدد17 لسنة 1990 المؤرخ في 26 فيفري 1990 و المتعلق بتحوير التشريع الخاص بالبعث العقاري يتبين و أن المشرع إعتبر البـاعث العقاري كـل شخص مـادي أو معنـوي ينجـز قصد البيع أو الإيجـار بصفة إعتيـادية أو من قبيل المهنة عمليـات تقسيم و تهيئة أراضي مخصصة أساسا للسكنى و كذلك بناء و تجديد عقارات فردية أو نصف جماعية أو جماعية معدة للسكنى أو التجارة أو المهنة أو الإدارة .

 

على خلاف التعريفات الفقهية التي جاءت نسبية ، يلاحظ أن التعريف التشريعي للباعث العقاري جاء ملما بكل الجوانب المهنة فقد حدد الشخص فالمهام الموكولة إليه ثم الوسائل فالهدف من إحداث هذه المهنة أما الأولى فقد إهتمت في معظمها بجانب دون الآخر ، إذ عرف أحدهم الباعث العقاري بأنه وسيط إقتصادي و ذهب إلى القول بأن وظيفة هذا الشخص هي التي تخلق الباعث العقاري و ليس المهنة .

 

و قد ذهب آخر إلى إعتباره إما وكيلا أو أجير صنع أو بائع1 أما العربي بلحاج حمودة فقد عرفه بأنه فني في البناء و مهنته تتمثل بالأساس في البناء قصد البيع لعقار أو مجموعة من العقارات المخصصة للسكنى على أراض مكتسبة و مهيئة .

 

بالإستناد إلى كل تلك التعريفات يمكن الإنتهاء إلى القول بأن الباعث العقاري هو كل شخص مادي أو معنوي مهمته الأساسية تتمثل في تقسيم و تهيئة و بناء و تجديد عقارات صالحة للسكنى أو العمل بغية التفويت فيها بالبيع أو القيام بإيجارها.

 

و تجدر الإشارة إلى أن هناك خلط يمكن أن يقع فيه الشخص العادي بين مهنة الباعث العقاري و بعض أصحاب المهن العقـارية الأخرى مثل الوسيط العقاري أو المقاول أو الخبير العقاري و من الضروري جدا التفطن إلى الفرق المتمثل في إختلاف طبيعة مهنة كل شخص من بين هؤلاء الأشخاص.

 

إن بروز مهنة الباعث العقاري لم تكن وليدة الصدفة بل كان نتيجة لتطور ملكية الطبقات أو الشقق بإعتبار أن عملية البناء كانت في البداية موكولة و لمدة طويلة إلى مقاولين و بعض أصحاب المهن العقارية الأخرى كمـا أن هذا الأمر إرتبط بالظروفالعالمية الجديدة للمجتمعات إثر الحرب العـالمية الثـانية و ما صاحبها من هـلاك و دمار شامل على مستوى المباني و المنشآت إلى جانب الضغط المتعلق بالإنفجار الديمغرافي.

 

و إنه لمن الملفت للإنتباه أن أهمية مكانة الباعث العقاري بالنظر إلى  مساهمته الفعالة في تحقيق التنمية العقارية و النهوض بقطاع الإسكان خاصة صاحبه قيـام مسؤوليته في المقابل تأسيسا على أن الهدف الأول بالنسبة لأصحاب هذه المهنة كان و لا زال تحقيق الربح من خلال الإنجـاز السريع للمبـاني دون التركيز على متـانة المبنى و سلامته و جودة الأعمال لذلك أصبح الحديث عن نظام أو أنظمة المسؤولية بالنسبة لهذا الشخص تتواتر من طرف الباحثين في القانون.

 

إن المتعارف عليه أن نظام المسؤولية ينقسم إلى نظامين نظام المسؤولية المدنية بما يشمله من مسؤولية عقدية و أخرى تقصيرية و نظام آخر يتعلق بالمسؤولية الجزائية إلا أنه يمكن الحديث في هذا الصدد عن نظام آخر إستثنائي خاص بميدان البناء هو نظام المسؤولية العشرية الذي ينظمه القانون عدد 9 لسنة 1994 المتعلق بالمسؤولية و المراقبة الفنية في ميدان البناء و هو نظام إستثنائي بالنظر إلى أنه مفروض بموجب القانون كما أنه لا يقوم إلا بإنتهاء المرحلة العقدية إضافة إلى أنه يتسم بطابعه الزجري و الآمر لأنه يهم النظام العام.

 

إلا أن موضوع المحاضرة تعلق بالمسؤولية الجزائية للباعث العقاري بالإستناد إلى أن هذا الجانب من المسؤولية لم يحظ ، كما تبين ، بالإهتمام اللازم على خلاف بقية الأنظمة كما أن هذا الجانب يكتسي نوعا من الخصوصية التي تبرز بمجرد الإهتمام به و التي سوف تتضح عند تناوله بالبحث لاحقا ، ففيم تتمثل المسؤولية الجزائية للبـاعث العقـاري في البدايـة ؟

 

 

تتمثل المسؤولية الجزائية في إلتزام شخص بتحمل تبعات أفعاله الإجرامية بقانون يحدد بدقة تلك الأفعال و العقوبة المستوجبة لها و صورة لإدانته و يكون الإلتزام بتنفيذ العقوبة المحكوم بها من طرف هيئة قضائية1.

 

و يمكن القول تأسيسا على ذلك أن المسؤولية الجزائية تتلخص في ذلك الأثر القانوني لإرتكاب أي فعل يعتبره و يكيفه القـانون كجريمة .

 

و قد مثلت المسؤولية الجزائية منذ القدم مشكلة أساسية في القانون الجنائي3لا سيما بالنسبة لأصحاب المهن الحرة على غرار الأطباء و المهندسين و المهن القضائية نظرا للأهمية الكبرى لهذه المهن و لحساسية الأدوار التي تضطلع بها بإعتبار أنها تهتم بالإنسان في حياته العملية و المهنية و عند ممارسته لنشاط معين في إطار مهنة أو حرفة أو مهنة4.

 

و لقد إستقطبت المسـؤولية الجزائية لأصحـاب المهن إهتمام الفقه و فقه القضـاء و إحتلت حيزا هاما من عمل المحاكم إلا أن الإهتمام بالمسؤولية الجزائية للباعثين العقاريين بقي غائبا و لم يلق البحث في هذا الموضوع التركيز اللازم من طرف الباحثين بالرغم من الثغرات العديدة على مستوى النصوص التشريعية مما يدعو إلى طرح الإشكالية التالية :

 

كيـف تقـوم المسـؤوليـة الجـزائيـة للبـاعث العقـاري ؟

 

إن مسؤولية الباعث العقاري الجزائية مثلها كمثل باقي المسؤوليات الجزائية لأصحاب المهن الأخرى لا يمكن بأي حال أن تقوم إلا بتوفر مجموعة من العناصر الأساسية تتمثل في جملة من الأفعال هي الأفعال المجرمة (الجزء الأول)التي يرتكبها ذلك الشخص ثم في تقنين مجموعة من العقوبات التي تسلط من قبل هيئات قضائية (الجزء الثاني)إلا أنه يمكن الإشارة إلى أن هذه المسؤولية لها خصوصية بارزة بالنسبة لهذا الشخص .

 

الجـزء الأول: الأفعـال المجرمـة للبـاعث العقـاري:

 

بالرجوع إلى كل من القانونين العام و الخاص - هذا الأخير الذي يتعلق بتنظيم مهنة الباعث العقاري - يتبين و أن هذه الأفعال لم ترد بصفة حصرية وواضحة لذلك كان من الواجب البحث فيها قصد التمكن من تحديد شروط قيامها و بيان مضمونها

 

لم يحدد المشرع التونسي الأفعال المجرمة للباعث العقاري و لم يفردها بالتالي بنص خاص إلا أنه و بإعتماد النص العام يمكن تحديد هده الشروط بالإستناد إلى القياس بإعتباره مبدأ قانوني. و تأسيسا على ذلك ، يمكن القول بأن شروط قيام الأفعال المجرمة للباعث العقـاري تتمثل في ثلاث شروط أسـاسية و ضرورية و هي الشرط المـادي و الشرط المعنوي و الشرط القانوني و هي شروط لا بد من توفرها لقيـام أي جريمة و لا يمكن بالتالي الحديث عن قيام أي فعل إجرامي في صورة غياب أي شرط من بين تلك الشروط .

 

إن توفر شروط قيام أي فعل إجرامي صادر عن باعث عقاري إذن يعتبر من الأمور البديهيـة و لا يقتضي بالتالي مزيد الدراسة و البحث بالنظر إلى أنه تم تناول هذه المسألة من طرف أغلب شراح القانون بمناسبة تناولهم لأركان الجريمة عامة و عليه فإن البحث في شروط قيام الأفعال الإجرامية بالنسبة للباعث العقاري من هذه الناحية هو أمر لا يكتسي الكثير من الأهمية و يقتضي تبعا لذلك تناول هذه المسألة من ناحية أخرى تتعلق بالأساس بشروط قيام كل فعل على حدة على الأقل.

و لبلوغ تلك الغاية كان من الضروري الإهتمام بالبحث في مضمون تلك الأفعال واحدا تلو الآخر و يمكن القول في هذا المجال بأنها تتلخص في تلك الأفعال المتعلقة بالإخلال بالقواعد الشكلية المنظمة للمهنة ( الفصل الأول ) و إرتكاب جرائم بمناسبة قيام الباعث العقاري بمهامه( الفصل الثاني )

 

الفصل الأول: الأفعـال المتعلقة بالإخـلال بالقـواعد الشكـلية المنظـمة للمهـنة :

 

تضمن القانون المنظم للمهنة و هو القانون عدد 17 لسنة 1990 المؤرخ في 26/02/1990 و المتعلق بتحوير التشريع الخاص بالبعث العقاري شروطا لممارسة مهنة الباعث العقاري و التي تعرض المخالف لها إلى عقوبات و تجعله بالتالي مرتكبا لجريمة المباشرة غير الشرعية للمهنة (أولا) إلا أن ممارسة هذه المهنة بصفة قانونية لا تمنع قيام جرائم أخرى تتعلق أساسا بعدم إحترام الباعث العقاري للقواعد المنظمة لإنجازه للعمليات التي تدخل ضمن مجال إختصاصه (ثانيا).

 

أولا : جريمـة المبـاشرة غير الشرعيـة للمهنـة :

 

أقر المشرع التونسي مثله كمثل باقي التشريعات الأخرى جملة من القواعد القانونية يهدف من خلالها إلى السمو بمهنة البعث العقاري و حمايتها من كل ما من شأنه أن يمس بأهدافها و من أهمها المحافظة على إقامة مبـان متينة و تشييد منشـآت ثابـتة و تقويم و صون المهنة من العبث و الإرتقاء تبعا لذلك بمقومات الإعداد العلمي و الفني الذي يؤهل لممارسة هذه المهنة .

 

و تتمثل هذه الشروط بالأساس في تلك التي لا بد من توفرها بالنسبة لكل من يرغب في الترشح لممارسة مهنة الباعث العقاري و قد أقرها القانون آنف الذكر أي القـانون المتعلق بالبعث العقاري إذ خصها المشرع بعنوان ثان يتعلق بالترخيص فنص الفصل السادس منه على ما يلي :

"يجب على الباعثين العقاريين الحصول على ترخيص مسبق لكي يتمكنوا من ممارسة الأنشطة المحددة بالفصل الأول من هذا القانون"

و ينص الفصل السابع على ما يلي :

"على الباعث العقاري المترشح للتحصيل على الترخيص أن يكون متمتعا بحقوقه المدنية و السيـاسية و لم يسبق الحكم عليه جزائيـا من أجل أفعـال مخلة بالشرف و الأمانة و لا الحكم بتفليسه و أن يثبت :

-    رأس مال كاف.

-     كفاءة مهنية مع الإلتزام بالإستعانة بأهل الخبرة و بإطارات كفأة لإنجاز مشاريعه..."

 

و بالإطلاع على هذين الفصلين يتبين أن صياغتهما جاءت واضحة و لا تقتضي أي تفسير بإعتبار أن المشرع نص على شروط دقيقة و محددة لممارسة المهنة فعبر عنها بإستعمال عبارتي "على" و "يجب"كما يمكن إعتبارها شروطا أساسية و واجبة التوفر في نفس الوقت بالنسبة للمترشح لممارسة المهنة و لا يمكن بالتالي الإستغناء على إحداها أو تجاهلها.

 

إلا أنه تجدر الإشارة إلى أن المشرع عند تقنينه لمهنة الباعث العقاري قام بإرساء مبدأ حرية الإنضمام للمهنة و ذلك من خلال عدم فرضه الحصول على شهادة للتمكن

 

من الإلتحاق بالمهنة كما أنه لم يفرض التمتع بالجنسية التونسية1على غرار باقي المهن الحرة الأخرى كمهنة المهندس و المهندس المعماري مثلا.

كما يمكن لفت النظر إلى أن الطابع الوجوبي و الآمر لهذه القواعد جعل الإخلال بها من الأمور الجدية و لا يمكن بأي حال تجاوزها لذلك فإن المشرع أقر جملة من الوسائل الردعية كمحاولة منه لمنع مثل تلك التجاوزات و هي لا تقتصر فقط على العقوبات الجزائية التي سيتم التعرض إليها لاحقا و إنما شملت كذلك عقوبات إدارية مثل سحب الترخيص و إيقاف تمتيع المعني بالأمر بكل أو ببعض الإمتيازات الممنوحة له و ذلك حسب صريح أحكام الفصل الثامن من القانون المتعلق بالبعث العقاري.

وتقتضي جريمة المبـاشرة غير الشرعيـة للمهنة توفر ثلاث أركان متعـارف عليها من النـاحية القـانونية لقيـام أي جريمـة و تتمثـل في الأركـان المـادية و المعنويـة و الشرعية .

فبالنسبة للركن المادي لهذه الجريمة فإن الأمر يتعلق بممارسة شخص لمهنة الباعث العقاري دون أن يكون مؤهلا لذلك أو له الكفاءة اللازمة و يقوم بعمليات عقارية خارجة عن إختصاصه و دون أن يكون متحصلا على ترخيص يمكنه من ممارسة المهنة2كأن يمارس مقاول أو مهندس معمـاري مهنة بـاعث عقاري و ينتحل صفته فعليا على أن يتوفر فيه شرط الإستمرار و التعود كما ذهب إلى ذلك رجال القانون3أي إتيان الفعل لأكثر من مرة .

  ثانيا :عدم إحترام القواعد المنظمة لإنجاز العمليات العقارية : تتمثل هذه القواعد أساسا في جملة من الإجراءات الشكلية التي وضعها المشرع من أجل الإرتقاء بميدان البعث العقاري و جعله مستجيبا لمقتضيات الوضع الإقتصادي للبلاد و بصفة خاصة الناحية المعمارية بما أنها تمثل المظهر الخارجي لها و تترجم مستوها التنموي لذلك فإن فرض رخصة البناء و إحترام التراتيب العمرانية من جهة و إعتبارها مخالفة(1) و كذلك الأمر بالنسبة لتأمين المسؤولية و المراقبة الفنية للبناء اللتين إعتبرهما من بين الجنح من جهة ثانية (2)فيه تكريس واضح من طرف المشرع لهذه المسألة خاصة مع إكساء هذه الإجراءات الشكلية طابعا ردعيا .

 

 1 – مخالفـة البنـاء دون رخصـة و عدم إحترام التراتيب العمرانية :   تتمثل مخالفة البناء دون رخصة حسب ما ذهب إليه أحد شراح القانون في عدم الحصول على ترخيص إداري يهم تشييد مبنى أو إنجاز أشغال على مبنى قائم1. كما يمكن تعريف هذه الجريمة بأنها تلك المخالفة التي تتعلق بعدم إحترام صاحب أشغال البناء لإجراء إداري وجوبي يتمثل في الحصول على ترخيص مسبق قصد القيام بعمليات البناء . ويستخلص الطابع الوجوبي للجريمة من خلال الفصل 68 م ت ت ت الذي جـاء به : "على كل من يروم البنــاء أو إجراء أشغــال ترميــم لتدعيـم بنــاية موجودة أو إدخال تغييرات عليها الحصول على ترخيص في ذلك من رئيس البلدية ..."

 

يتبين من خلال هذا الفصل أن جريمة البناء دون رخصة هي جريمة تشمل كل من يقوم بالبناء إستنادا إلى لفظة " كل من يروم البناء "و هي بذلك لا تخص الباعث العقاري فقط و إنما أيضا بعض المتدخلين الآخرين في ميدان البناء كالمقاول مثلا..إلا أنه يمكن الإشارة إلى أن الحصول على رخصة البناء هو أمر محمول على الباعث العقاري سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا تأسيسا على عمومية النص القانوني .

 

و يمكن التعريج في هذا الصدد على مسـألة أخرى تهم موضوع هذه الرخصة.

بالرجوع إلى الفصل القانوني المنظم لرخص البناء و هو الفصل 68 م ت ت ت آنف الذكر الذي جاءت عباراته واضحة و التي تفيد أن رخصة البناء ضرورية بالنسبة للقيام بأشغال بناء أو إجراء أشغال ترميم لتدعيم بناية موجودة أو إدخال تغييرات عليها.

 

أما بالنسبة لعدم إحترام الباعث العقاري للتراتيب العمرانية فإن هذا الأمر يتعلق حسب منطوق الفصل 27 م ت ت ت بمواقع البنايات و بكيفية تركيزها و الوصول إليها و بحجمهـا و بتحديـد و توزيع المسـاحات الخضـراء و المسـاحـات العموميـة و التجهيزات ذات المصلحة العامة و المحافظة على المحيط و الوقاية من المخاطر الطبيعية مع مراعاة الحاجيات التي تمليها الوضعية الخاصة للمعاقين.

 

و يمكن القول بأن هاتين المخالفتين تتكونان بمجرد إمتنـاع عن فعل لا القيـام بفعل معيـن و يتمثل الإمتناع عن الفعل - كما هو ثابت من خلال التعريف السابق - في عدم الحصول على رخصة إدارية للبناء و عدم إحترام التراتيب العمرانية و ذلك دون صدور أي فعل إيجابي آخر عن الشخص المعني بالأمر موازي للإمتناع .

 

2- جنحتي عدم تـأمين المسؤوليـة و عدم القيـام بالمراقبـة الفنيـة للبناء :

 

إن التعرض لهاتين الجنحتين في آن واحد لم يكن إعتباطيا و من باب الصدفة بل إن له مغزى هام يتمثل في إبراز ما كرسه المشرع التونسي و المتمثل في إقتران هاتين الجنحتين ببعضهما البعض إستنادا إلى أن الفصل 6 من القانون عدد 9 المؤرخ في 31 جانفي 1994 المتعلق بالمسؤولية و بالمراقبة الفنية للبناء أقر ما يلي :

 

"المراقبة الفنية وجوبية في كل الأحوال التي يقتضي فيها تأمين مسؤولية المتدخلين في البناء "

و يفيد هذا الفصل أن الباعث العقاري ملزم بمد المؤمن بتقرير المراقب الفني حول الخطر المراد تأمينه عند قيامه بإكتتاب عقد تأمين .

إن عدم إحترام مقتضيات هذا الفصل ترتب جزاء أقره المشرع و هو ما يدعم الصبغة الوجوبية لتأمين المسؤولية العشرية للباعث العقاري خاصة .

 

الفصل الثاني : الأفعــال المتعلقة بمضمون العمليــات العقــارية التي يختص بهـا الباعث العقاري :   تتمثل هذه الأفعال في تلك الجرائم التي يرتكبها الباعث العقاري بمناسبة إنجازه لمهامه و أثنائها و تكون بالأساس أفعال قصدية و أخرى غير قصدية.و تتعلق الجرائم التي يرتكبها الباعث العقاري بتلك الجرائم التي يرتكبها هذا الأخير فتكون أحيانا خاصة بطبيعة المهنة (أولا)و أحيانا أخرى جرائم عامة أي أن الأفعال المرتكبة يمكن أن تشمل أشخاص آخرين و التي ينظمها القانون العام (ثانيا)

 

أولا : الجـرائـم الخـاصة بطبيعـة المهنـة :   بالرجوع إلى القانونين الخاص و كذلك العام يتبين أن المشرع لم يهتم بمسألة تحديد الجرائم التي من الممكن أن يرتكبها الباعث العقاري و التي تخص طبيعة مهنته و تأسيسا على ذلك فإن هذه الجرائم يمكن إستخلاصها من خلال البحث في تلك النصوص و كذلك التجارب العملية للباعثين العقاريين إلا أن الحديث عن هذه الجرائم لن يكون بصفة حصرية إستنادا إلى تعدد أنواعها و أصنافهامما يصعب معه التعرض إليها جميعها.   و تتمثل هذه الجرائم في تلك التي يخرج فيها الباعث العقاري عن المبادئ القانونية التي تقوم عليها المهنة بالأساس و لا يمكن بالتالي في غيابها التصريح بإسداء أو إنجاز عملية من العمليات العقارية التي يختص بهـا على أحسن وجه و وفقا للمعايير المتعارف عليها بل إن الأمر في هذه الحالة يمكن أن يؤدي في أغلب الأحيان إلى حدوث الجريمة التي تكتسي في هذا الإطار صبغة خاصة بالنظر إلى إرتباطها الوثيق بطبيعة مهنة الباعث العقاري من ذلك جريمة الإهمال الناتجة عن الإخلال بواجب الأمـانةفالأمر يتعلق هنا بتنفيذ المشروع عن حسن نية و إعتماد النزاهة اللازمة مع إقصاء كل نية غش و هو مبدأ ذو صبغة وجوبية لا يمكن بأي حال إستبعاده أو الحد منه1من طرف البـاعث العقـاري بإعتبـار أن كل تجاوز له أو الخروج عن النـزاهة المطلوبة يؤدي إلـى وقوع و حدوث الغش و هو ما يرتب العقاب2فحسن النية هو قـاعدة أخلاقية بالأساس و إحترامها يؤدي إلـى ضمان نجاح الإتفـاقات المبرمة بين البـاعث العقاري و حرفائه .

و يمكن التعرض إلى بعض الجرائم التي من الممكن أن تنجم عن جريمة الإهمال الناتجة عن عدم إحترام هذا المبدإ على سبيل المثال بإعتبار تعددها و تنوعها و هي بالخصوص جريمة القتل التي تحدث بمناسبة إنهيـار المنشآت التي يقوم بتشييدها البـاعث العقـاري أو كذلك جريمة الجرح التي تندرج ضمن نفس الإطار إضافة إلى جـرائم أخرى مثـل جريمة التحيـل و التـي تقـوم عند عملية البيع خـاصة و غيرها من الجرائم الأخرى التي ينظمها القانون العام

 

كما يمكن التعرض في هذا الصدد إلى أنواع أخرى من الإهمال الناتج عن عدم إحترام مبادئ أخرى كالإخلال بمبدإ التضامن و الإخلال بواجب النصح و الإعـلام، فالمبدأ الأول يقوم و يستخلص من العلاقات التي تربط الباعث العقاري ببقية المتدخلين في البناء أي المهندس المعمـاري و المقـاول و غيرهما كـل في حدود الإختصاصاتالمخولـة له قانونــا و المقصـود بهذا المبدإ هو التآزر بغيـة تنفيذ الأشغــال على الوجه الأمثـل مع ما يستوجبه ذلك من توافق و إنسجام لتحقيـق الهدف المرجــو .

و يترتب عن الإخلال بمبدإ التضامن حصول عدم الإنسجام على مستوى تنفيذ الأشغال مما ينجم عنه حتمـاإنعـدام الفاعلية و الجودة المطلوبة و بالتالي قصور العمليات العقارية للباعث العقاري فتتكون تبعا للإخلال بهذا المبدأ الجريمة و هي جريمة الإهمال التي ينجم عنها حدوث جرائم أخرى مثل جريمة القتـل على وجه الخطإ أو الجرح على وجه الخطإ أو غيرها من الجرائم الأخرى .

 

أما حالة الإخلال بمبدإ النصح و الإرشاد فتتمثل في الإخلال بواجب هام محمول على الباعث العقاري بإعتبار أن هذا الأخير يعتبر ذا حرفة و أصحاب الحرف مطالبون كما هو متعارف عليه بإخـلاص العمل بالنصيحة و الدعاء إلى ما فيه الصلاح و النهي عما فيه الفساد فإذا ما أخل الباعث العقاري بهذا المبدإ فإنه يكون بذلك مذنبا في حق الحريف أولا و في حق المجموعة ككل بالنظر إلى أن هذا الأمر يمكن أن يكون الجريمة التي في حالة تكررها تنتج ما إصطلح على تسميته بـ"العود" في القانون الجزائي بالنسبة للفعل الضار الناتج عن إنتهاج مثل هذا السلوك في صورة تكراره .

 

و يتضمن واجب النصح و الإعلام أو الإرشاد واجبا يتفرع عنه يتمثل في واجب حماية المشتري بإعتبار أن حماية المشتري لا يمكن بأي حال أن تتحقق مع غياب مبدإ النصح و الإرشاد إلا أن هذه الحماية ترتبط شديد الإرتباط بمبدإ الأمانة الذي تم التعرض إليه بالنظر إلى تعلقه بحسن نية الباعث العقاري و عدم إقتصاره على ذلك الأمر إستنادا إلى إرتباطه كذلك بكفاءة الباعث العقاري الفنية.

 

إن في إحترام البـاعث العقاري لجملة تلك المبـادئ التي تفرضها طبيعة مهنـته.و التي تكتسي صبغة أخلاقية بالأساس تحقيق لعنصر جودة خدمــاته المطلوبـة و يتم بذلك تفادي وقوع الجريمة وبالتالي العقوبة الجزائية .

 

ثانيا: الجـرائـم المنظمة من طرف القـانون العـام :

 

بالإطلاع على القانون العام و بالتحديد المجلة الجزائية يمكن التـعرض إلى عدة أنواع من المخـالفات و الجنح التي من الممكن إستخلاص إمكانية إرتكابها من طرف الباعث العقاري جراء الممارسات غير السليمة و الإنجاز غير المطابق للمواصفات لعملياته العقارية إلا أنه يمكن الجزم بصعوبة الحديث عن كل تلك الجرائم بالنظر إلـى تنوعها و تعددها و يمكن التعرض في هذا الإطار إلى بعض الأفعال الجلية بإعتبار تكرار حدوثها في الواقع .

 

و تمثل جريمة القتل على وجه الخطإ من أهمها بالنظر إلى تعلقها الشديد بحالات إنهيار المنشآت و تداعيها للسقوط الناتج عن مس بمتانتها سواء على مستوى أسسها أو هياكلها أو سقوفها الناتج بدوره عن غلط في التصميم أو الحساب أو عن عيب في المواد أو في كيفية البناء أو في الأرض (الفصل 1 من القانون عدد 9 لسنة 1994 المؤرخ في 31 جانفي 1994 و المتعلق بالمسؤولية و المراقبة الفنية في ميدان البناء) فتقوم الجريمة بذلك بمجرد موت شخص أو أشخاص جراء أحد تلك الأسباب أو بإجتماعها.

 

و تجدر الإشارة إلى أن جريمة القتل على وجه الخطإ تنظمهـا المجلة الجزائيـة و تقوم بالتالي كلما توفرت أركانها القانونية مثلها كمثل أي جريمة أخرى.

 

و في نفس الإطار يندرج نوع ثان من الجرائم المتمثل في جرائم الجرح على وجه الخطإ التي مثلها كمثل جريمة القتـل على وجه الخطإ تقوم بمجرد حـدوث جرح

(ليس قتل في هذه الصورة) جراء حصول حالات إنهيار المنشآت و تداعيها للسقوط النـاتج عن مس بمتـانتهـا سـواء على مستوى أسسهـا أو هياكلهـا أو سقوفها الناتج بدوره عن غلط في التصميم أو الحساب أو عن عيب في المـواد أو في كيفية البناء أو في الأرض

 

و يمكن التعرض في هذا الإطار إلى تعدد الحوادث الأليمة الناجمة عنالتغييرات الهامة التي برزت على قطاع الأشغال، لا سيما فيما يتعلق ببناء المنشآت والإعتماد على التكنولوجيا الحديثة في صناعة البناء أمام رغبة الباعثين العقاريين في تحقيق الرّبح من خلال الإنجاز السريع، إذ لا تهمّ المتانة والسلامةأو جودة الأعمال بقدر ما تهمّهم سرعة إتمام الأشغالوالإقتصاد الشديد المبالغ فيه أحيانا في تكاليف تشييده ولو كان ذلك على حساب الصلابة والمتانة .

 

كما يمكن لفت النظر إلى أن تاريخ تجريم هذه الأفعال يعود إلى عهد حمورابي ملك بلاد الرافدين الذي أصدر حكما قضى بالإعدام ضد البنًٌٌٍِاء الذي شيد بناية إنهارت على صاحبها فأردته قتيلا .

 

إن من بين أهم الجرائم التي يتكرر حدوثها من طرف الباعثين العقاريين هي جرائم التحيل التي نظتها المجلة الجزائية بإعتبارها جريمة متشعبة الأركان إذ جاء بالفصل 291 م ج ما يلي :"يعــاقب كل من إستعمل إسمـا مدلســا أو صفــات غير صحيحة أو إلتجأ للحيل و الخزعبلات التي من سأنها إقناع الغير بوجود مشاريع لا أصل لها في الحقيقة أو نفوذ أو إعتماد وهمي أو التي من شأنها بعث الأمل في نجاح غرض من الأغراض أو الخوف من إخفائه أو وقوع إصابة أو غيرها من الحوادث الخيالية و يكون قد تسلم أو حاول تسلم أموال أو منقولات أو رقاع أو ممتلكات أو أوراق مالية أو وعودا أو تواصيل أو إبراءات أو إختلس بإحدى هذه الوسائل أو حاول إختلاس الكل أو البعض من ثروة الغير".

 

و يلاحظ من خلال هذا الفصل القانوني أن جريمة التحيل تختلف عن جريمة السرقة بالنظر إلى أن طريقة الإستحواذ فيها يستعمل فيها طرق إحتيالية قصد مغالطة المجني عليه و يتسلم منه الشئ بصفة إرادية .كما تختلف جريمة التحيل عن جريمة خيانة المؤتمن التي يتم فيها تسليم الشئ بمقتضى فقد مبرم بين الجاني و المجني عليه و دون حاجة إلى إستعمال الحيل .

 

ومن خلال الممارسات الواقعية فإن جريمة التحيل بالنسبة للباعث العقاري تتمثل في عدة صور يمكن التعرض إلى بعضها و هي خاصة الحالة التي يقوم فيها شخص ما بالإيهام بكونه صاحب مشروع للبعث العقاري و هي صورة الممارسة غير الشرعية لمهنة الباعث العقاري التي تم التعرض إليها سابقا فيقوم بإبرام عقود وعد بالبيع مع عدد من الحرفاء و يتسلم أموال دون أن تكون هناك في المقابل أي مشاريع بناء في الواقع .كما يمكن ذكر حالة إبرام عقود بيع محلات سكنية وفق شروط و مواصفات معينة إلا أنـه عند قيـام الحريـف بتسلـم المحل يتبين له أن كـل أو بعض تلـك الشروط و المواصفات غير متوفرة بالمرة .

إن صور و حالات التحيل عديدة و متعددة في الواقع كما أنها تختلف من زمن إلى آخر الأمر الذي يجعل النص القانوني قاصرا في بعض الأحيان عن الإحاطة بكل تلك الحالات و تنظيمها بصفة محكمة من الناحية الجزائية تأسيسا على أن النص المنظم لجريمة التحيل جاء دقيقا و مفصلا و يفتقد إلى شئ من العمومية المطلوبـة و لم يأخذ بعين الإعتبار و كما ينبغي مسألة تشعب الجريمة الأمر الذي يستدعي مراجعته و ذلك بإكساءه أكثر ما يمكن من العمومية حتى يتمكن من مسايرة واقع هذه الجريمة كما يقتضي الأمر.

 

و يمكن الإشارة في هذا الصدد إلى أن القانون عدد 59 سنة 1974المورخ في 20جوان 1974المتعلق بتنظيم مهنة البعث العقاري القديم نص ضمن فصله الثامن عشر على جريمة التحيل فأقر ما يلي : "كل إدلاء بوثائق مزيفة أو تصريح مخالف للحقيقة أو إستعمال للتسبقات التي نص عليها الفصل الرابع عشر من هذا القانون لأغراض ليس لها علاقة بتمويل إنجاز البرنامج تعتبر عمليات تحيل و يعاقب عليها بصفتها تلك "و لعل المشرع التونسي قام بالإستغناء ، على ما يبدو، على هذه الأحكام بسبب تنظيمها بصفة أوضح و أدق ضمن المجلة الجزائية .

 

الجـزءالثاني : العقوبات المسلطة على الباعث العقاري نتيجة

الأفعال الإجرامية المرتكبة :

 

إن الحديث عن عقوبة في هذا الإطار لا يمكن أن تقتصر بأي حال على تحديد أنواع العقوبات المسلطة على الباعث العقاري إثر إرتكـابه لجريمـة ما أو لجملة من الجرائم التي وقع التعرض إليها في الجزء الأول و إنما يقتضي الأمر تناول مسألة تطبيق العقوبة عامة بالنظر إلى أهمية هذه المسألة من الناحية العملية .

 

إن التطور العلمـي و التقني و حتى المعلومـاتي يعتبر من بين الأسبـاب الرئيسية و الفعالة في تطور سياسة التجريم التي شهدتها القوانين الحديثة و التي تعكس بالتأكيد أهمية العقوبة و التشديد فيها على المهنيين من أجل قصورهم و جهلهم بالإلتزامات المحمولة عليهم قانونا أو كذلك بسبب إهمالهم الجسيم و الإخلال بواجباتهم المهنية كل ذلك في حدود إختصاصاتهم.

 

و تتمثل العقوبة بالأساس في ذلك الإجراء المقيد للحرية من جهة و هو من أكثر الإجراءات العقابية ردعا بالنسبة للباعث العقاري في هذا المجال و تأتي العقوبات المالية من جهة ثانية لتساندها فيقرها القانون في بعض الحالات إلى جانب العقوبة السالبة للحرية أو تطبق في حالات أخرى بصفة إنفرادية .

 

في هذا الصدد تندرج العقوبات المسلطة على الباعثين العقاريين في أغلب الأحيان إلا أن الإشكال يطرح من الناحية العملية عندما يتعلق الأمر بحالات يصعب معها تطبيق العقوبة (الفصل الأول)و يتمثل الحل، هنا و في إعتقادنا ، في ضرورة خلق إطار تشريعي خاص ينظم مسألة العقوبة المسلطة على الباعثين العقاريين (الفصل الثاني)من أجل تحقيق النجاعة المطلوبة في هذا الإطار .

 

الفصل الأول: صعـوبة تطبيـق العقـوبة بالنسبة للبـاعث العقـاري:

 

تتعلق صعوبة تطبيق العقوبة عمليـا و بالأساس، بشخص الفاعل أي مرتكب الجريمة و هو في هذه الصورة الباعث العقاري الذي لا يقوم بإنجاز عملياته العقارية بصفة شخصية في أغلب الأحيان و إنما يقوم بالإستعانة بأشخاص آخرين مما يصعب معه تحديد الشخص المقترف للفعل الإجرامي خاصة في حالة تعدد هؤلاء الأشخاص(أولا).و تتعلق الصعوبة العملية الثانية في حالة الباعث العقاري الشخص المعنوي (ثانيا) الذي يصعب معه تصور إمكانية تطبيق العقوبة عليه خاصة إذا تعلق الأمر بإرتكاب جريمة القتل على وجه الخطإ مثلا و التي تستوجب كما هو متعارف عليه عقوبة السجن أي عقوبة بدنية بالأساس.

 

أولا: صعوبة تطبيق العقوبة المتعلقة بتعـدد المتدخلين في البناء :

 

بالرجوع إلى الفصل الأول من القانون المتعلق بتنظيم مهنة البعث العقاري يلاحظ أن الباعث العقاري هو شخص يقوم بإنجاز عمليات تقسيم و تهيئة الأراضي المخصصة للسكنـى و بناء و تجديد العقـارات المعدة سـواء للسكنى أو التجـارة أو المهنـة أو الإدارة.

و بقراءة أولى لهذا الفصل يتبين أنه من الصعب جدا تصور شخص الباعث العقاري بوصفه شخص طبيعي يقوم بأعمال التهيئة و التقسيم و البناء بصفة منفردة و دون إستعانة بأشخاص آخرين ، فمن البديهي جدا - بالنسبة للقيام بإنجاز مثل هذه الأشغال- من الإستعانة بأشخاص آخرين مختصين في هذا المجال إلا أن وظائفهم تختلف بإختلاف الأعمال المطالبين بإنجازها.

و قد نص الفصل 7من القانون آنف الذكر على هذا الأمر بمقولة أنه على الباعث العقاري أن يثبت كفاءة مهنية مع الإلتزام بالإستعانة بأهل الخبرة و بإطارات كفأة لإنجاز مشاريعه و هو ما يدل و بصفة جلية على أن إنجازالأشغال لا يمكن أن يتم بأي حال بصفة إنفرادية من طرف الباعث العقاري .

 

و تجدر الإشارة إلى أن الأشخاص الذين يقوم الباعث العقاري بالإستعانة بهم هم من أهل الخبرة و إطارات كفأة كما نص على ذلك الفصل السابع من القانون المنظم للمهنة و يمكن تعريفهم بأنهم أصحاب مهن حرة و أصحاب شهادات تكتسي في الغالب صبغة تخصصية و هم بالتحديد المهندسيـن و المقاوليـن و الفنيـين الساميين بإعتـبار أن الباعث العقاري ليس بالضرورة مختص في البنـاء .و حتـى و إن كان مختصا فإنه يبقى غير قادر على القيام ببعض العمليات الدقيقة كتركيز المدارج الآلية مثلا أو أجهزة التدفئة أو الهاتف .

 

و يتبين من خلال كل ذلك أنه في صورة إرتكاب أي خطإ أو أي فعل إجرامي، فإنه يصعب معه تحديد الشخص المسؤول نظرا لتعدد المتدخلين في هذا الميدان المتشعب و بالتالي يتضح و أن مسألة تطبيق العقوبة تمثل معضلة حقيقية و في هذه الحالة يجد

القاضي نفسه مخيرا بين أمرين إثنين يتمثلان في :

إمـا تقييد القضية ضد مجهول و بالتالي يبقى الفاعل الأصلي دون عقاب و يتفصى من مسؤوليته الجزائية أو يعتبر القاضي الجريمة مشاركة و بالتالي يخضع أشخاص ليس لهم أي علاقة بالفعل الإجرامي للعقاب و هو ما لا يمكن أن يستقيم من الناحية العملية تأسيسا على قواعد العدل .

 

إن الصعوبة هنا تقتضي مزيد البحث قصد محاولة إيجاد حل تشريعي و عملي من أجل الإرتقاء بالنص الجزائي الذي و رغم كل ذلك، يبقى دائما قاصرا و غير ملم بجميع الصور في ظل التطور السريع الذي تشهده المعاملات بين الأفراد .

 

ثانيا: صعوبة التطبيق المتعلقة بصورة البـاعث العقاري الشخص المعنوي:

 

نص القانون المنظم لمهنة الباعث العقاري على أن الممارس للمهنة يمكن أن يكون شخصا طبيعيا أو شخصا معنويا ، و لما كان الأمر هين بالنسبة لتطبيق العقوبة على الباعث العقاري كشخص طبيعي فيما يتعلق بالعقوبة الجسدية السالبة للحرية فإن هذا الأمر لاقى صعوبة عملية و تم طرح الإشكال التالي : هل أن تسليط عقوبة سالبة للحرية يعد في طريقه بالنسبة للباعث العقاري الشخص المعنوي خاصة و أن الثابت أنه ليس هو من يقوم بمهمة تنفيذ الأشغال ؟ و بالتالي هل أن طرح مثل هذا الإشكال هو في محله من الناحية العملية ؟

إن الإجابة تبدو للوهلة الأولى بديهية و لا تقتضي طرح أي تساؤل إلا أنه و بالتعمق في المسألة يتبين أن الأمر يخص حالة وحيدة تتعلق بتعدد المتدخلين في البناء و صعوبة تحديد المسؤول جزائيا عند حدوث فعل يكون جريمة قتل مثلا فكيف تتم إدانة الباعث العقاري الشخص المعنوي و تطبيق العقوبة البدنية عليه في هذه الصورة ؟

الإجابة عن هذا التساؤل تبدو مستحيلة في هذه الحالة بإعتبار أنه ليس من المنطقي أبدا تطبيق عقوبة سالبة للحرية أو بدنية على شخص معنوي و بالتالي فإن الأمر لا يمكن بالمرة أن يكون في هذا الإتجاه و يتم الإكتفاء بالعقوبة المالية أو بغلق المؤسسةمثلا، إلا أنه و في ظل غياب تنصيص تشريعي على هذه الحالة كان لزاما الإستناد إلى الآراء الفقهية لتجلي بعض النقاط.

 

إنقسم الفقه إلى إتجاهين إثنين ، فأما الإتجاه الأول فقد تشبث بالمفهوم التقليدي الذي يذهب إلى عدم الإعتراف بالمسؤولية الجزائية للشخص المعنوي إطلاقا بإعتبار ، هذه المسؤولية تقوم بالأساس على الخطإ الشخصي ، أما الإتجاه الثاني فيعتبر أن هذا الشخص له كيانه القانوني و يحمله بناء على ذلك تبعة أفعاله الإجرامية .

هذا التوجه الثاني تبنته محكمة التعقيب في مناسبات قليلة من ذلك مثلا القرار التعقيبـي عدد 6555 المؤرخ في 23 جوان 1971 و الذي نص مبدؤه على ما يلي : "الذوات المعنوية نفسها تحال جنائيا على المحاكم الزجرية إذا كانت عقوبة المخالفة المرتكبة مالية صرفة "

و تجدر الإشارة إلى وجود توجه ثالث أعطى حلا وسطا تمثل في إعتبار الذات المعنوية مسؤولة بصفة غير مباشرة على الخطإ الجزائي الذي يرتكبه مسييريها بمناسبة إدارتهم لمصالحها و لذلك يمكن محاكمة هؤلاء المسييرين شخصيا ليس على أساس خطئهم الشخصي و إنما على أساس الخطإ في إدارة المؤسسة و بصفتهم ممثلين للذات المعنوية التي يديرونها .

 

و يعتبر هذا الإتجاه الأخير في طريقه من الناحيتين الواقعية و القانونية و بالتالي يمكن إعتماده بالنسبة لصورة الباعث العقاري الشخص المعنوي.

 

الفصل الثاني : ضرورة خـلق إطـار تشـريعـي خـاص :

 

إن التعرض إلى مسألة خلق الإطار التشريعي الخاص يقتضي بادئ ذي بدء الحديث عن العقوبات (أولا) التي يقرها سواء القانون الخاص أو العام حتى تتجلى المسألة بوضوح (ثانيا).

 

أولا : العقوبـات المسلـطة علـى البـاعث العقـاري:

 

إن الحديث عن عقوبة في هذا الإطار لن يعني بالضرورة العقوبات الجزائية فقط لأن الأمر يتعدى القانون الجزائي في كثير من الصور بالنظر إلى أن هذا الشخص يعتبر من بين أصحاب المهن المنظمة ضمن قوانين خاصة و التي تتضمن أنواع من العقوبات لا تتناولها القوانين الجزائية و هي العقوبات التأديبية (1)إلا أن ذلك لا يمنع وجود عقوبات جزائية (2) إلى جانب هذه الأخيرة و هو أمر بديهي .

 

1-  العقـوبـات التـأديبيـة :

 

ينص الفصل 8 من القانون عدد 17 لسنة 1990 المؤرخ في 26 فيفري 1990 المتعلق بتحوير التشريع الخاص بالبعث العقاري على ما يلي :

 

"عدم إحتــرام البــاعث العقاري للأحكــام التشريعية و الترتيبيـة الجــاري بها العمل و خــاصة المجلة العمـرانية يترتب عنه سحب الترخيـص أو تـوقيف تمتيعـــه بـكل أو ببعض الإمتيازات التي منحت له في نطاق هذا القانون ..."

 

يتبين من خلال هذا الفصل أن العقوبات التأديبية التي يمكن تسليطها على الباعث العقاري تتمثل في نوعين من العقوبات و هي :

-   سحب الترخيص . -   توقيف تمتيع الباعث العقاري بكل أو ببعض الإمتيازات المنصوص عليها بالقانون الخاص بالبعث العقاري .  

إن الإقتصار على نوعين من العقوبات التأديبية يبدو في غير طريقه من الناحية الواقعية تأسيسا على أن التجاوزات التي من الممكن تصور حدوثها من طرف البـاعثين العقـاريين و التـي تحدث فعلا في الواقع هي عديدة و متعددة إلا أنـه و بالإطلاع على بعض النصوص المتفرقة و المتعلقة بميدان البناء يلاحظ إقرار بعض العقوبات الأخرى من قبل المشرع من ذلك مثلا الفصل 14 من القانون عدد 34 المؤرخ في 4 فيفري 1976 المتعلق برخص البناء و الذي نص على عقوبة الهدم أو القيام ببعض الأشغال الضرورية قصد فرض إحترام القانون و إن كانت هذه العقوبات تصنف ضمن العقوبات الإدارية بالأساس إلا انه يمكن إدراجها ضمن العقوبات التأديبية بصفة إستثنائية بالنظر إلى الهدف من تسليطها ضد الباعثين العقاريين.

 

ويطرح التساؤل التالي في هذا الإطار و يتعلق بتحديد السلطة المختصة بتطبيق هذه العقوبات التأديبية ؟

 

نص الفصل 8 من القانون الخاص بمهنة البعث العقاري على أن قرار سحب التراخيص أو التوقيف عن التمتع بالإمتيازات المشار إليها سابقا يعود إلى الوزير المكلف بالإسكان بعد أخذ رأي اللجنة الإستشارية للبعث العقاري .أما فيما يتعلق بعقوبة إيقاف الأشغال و حجز مواد البناء مثلا ، فإن مجلة التهيئة الترابية و التعمير تنص ضمن بابها المتعلق بالعقوبات المترتبة عن مخالفة الأحكام المتعلقة برخص البناء أن رئيس البلدية و الوالي أو الوزير المكلف بالتعمير كل حسب إختصاصه مكلفون بالإذن بمقتضى قرار فوري و نفس الأحكام تطبق في حالات الهدم(الفصل 80 م ت ت ت و ما بعده).

 

إن العقوبة التأديبية هي جزاء يمس من الشخص المرتكب لفعل ما و الذي يخطئ في مركزه الوظيفي و الأصل في العقوبة التأديبية أنها لا تمس سوى الحقوق و المزايا الوظيفية  و الهدف منها هو تقويم المخالف و زجره ليكون عبرة لغيره و كي يلتزم كل شخص بواجباته الوظيفية .

 

2-  العقـوبـات الجـزائيـة :

 

إن السؤال المطروح في هذا الصدد هو : هل أن التتبع الجزائي يقترن بالضرورة بالعقاب التأديبي أم أن لكل إستقلاليته ؟ و بعبارة أوضح هل أن إصدار عقوبة تأديبية يتوقف على ثبوت إدانة الباعث العقاري لدى القضاء الجزائي؟

 

بمراجعة القانون الخاص بمهنة الباعثين العقاريين يتبين أن المشرع لم ينظم هذه المسألة و ترك بالتالي باب التفسير مفتوحا و إكتفى بالتنصيص على " أن عدم إحترام.الباعث العقاري للأحكام التشريعية و الترتيبية الجاري بها العمل ...يترتب عنه سحب الترخيص ... و ذلك دون إعتبار العقوبات المنصوص عليها بالقانون العام " (الفصل 8من القانون المذكور).

 

إلا أن الفصـل 87م ت ت ت ينص على ما يلي : " لا تمنع الدعوى الجزائية من القيام بالتتبعات التأديبية ضد ... كما لا تمنع الإدارة أيضا من سحب المصـادقة من البـاعثين العقـاريين أو المهندسين المعمـاريين أو المقاولين ".

 

و تأسيسا على ذلك يمكن القول بأن التتبع التأديبي مستقل تمامـا عن التتبع الجزائي و بالتالي فإن إصدار عقوبة تأديبية لا يتوقف بالمرة على المؤاخذة الجزائية و إصدار عقوبة جزائية.

هذا الأمر يمكن أن يؤدي من الناحية العملية إلى خلق نوع من التضارب بين العقوبتين كأن يتخذ قرار بسحب الترخيص مثلا في حين أن القضاء الجزائي يحكم بالبراءة أو العكس وارد أيضا ، مما جعل الفقهاء يذهبون إلى القول بضرورة تعطيل النظر في الموضوع بالنسبة للعقوبة التأديبية إلى حين إستكمـال الأبحـاث الجزائية و تحديد مآلها1و هو حل يعتبر في طريقه من الناحيتين الواقعية و القانونية.

 

فماهي العقوبات الجزائية التي يمكن أن يخضع إليها الباعث العقاري عند إرتكابه لفعل إجرامي ما ؟

 

لا يوجد بالقانون عدد 17 لسنة 1990 المؤرخ في 26 فيفري 1990 المتعلق بتحوير التشريع الخاص بالبعث العقاري أي تنصيص على أي نوع من العقوبات الجزائية إلا أنه و بالإطلاع على القانون عدد 9لسنة 1994المؤرخ في 31جانفي

1994المتعلق بالمسؤولية و المراقبة الفنية في ميدان البناء يتضح و أن المشرع أقر جملة من العقوبات ضمن الباب الثالث من هذا القانون و التـي تتمثل بالأسـاس في خطايا و عقوبات مالية يتراوح مقدراها بين 5000و 50.000دينار جراء مخالفة أحكام المراقبة الفنية .

كما أن مجلة التهيئة الترابية و التعمير تقر جملة من العقوبات المتعلقة بحالات مخـالفـة الأحكـام المتعلقة برخص البنـاء و تتمثل كذلك في جملة من الخطايـا و العقوبات المالية تصل إلى حدود 5000دينار (الفصل 86 م ت ت ت ).

 

أما بالنسبة لمخالفة الأحكام المتعلقة بالتقسيمات فإن العقوبات تصل إلى حدود 20.000دينار مع إضافة عقوبة السجن لمدة تتراوح بين 16يوما و 3أشهر في بعض الحالات التي تهم إنجاز تقسيم غير مصادق عليه أو بيع مقاسم منهو في صورة العود يصبح العقاب بالسجن ضروريا و بخصوص عدم إنجاز أشغال تهيئة كليا أو جزئيا أو عدم إنجازها حسب المواصفات الفنية المصادق عليها فإن الخطية تصل إلى حدود 50.000 دينار(الفصلين 76 و 77).

 

إضافة إلى تلك العقوبات التي تسلط على الباعثين العقاريين بمناسبة قيامهم بمهامهم نتيجة إرتكابهم للأفعال التي تم التعرض إليها سابقا فإن هذه الفئة من المتدخلين في ميدان البناء يخضعون إلى العقوبات التي تقرها المجلة الجزائية و تتمثل في العقوبات المقررة بالنسبة لأنواع الجريمة التي يرتكبونها مثل جريمة القتل أو الجرح على وجه الخطإ أو التحيل ...

 

ثانيا: ضرورة خـلق إطـار تشـريعـي خـاص :

 

تكمن الحاجة إلى خلق إطار تشريعي خاص بتنظيم مسألة العقاب بالنسبة لفئة معينة من الأشخاص المتدخلين في ميدان البناء و هي فئة الباعثين العقاريين في أن هؤلاء الأطراف يقومون بدور هام على مستوى الرقي بالجانب العمراني للبلاد و بالتالي مساهمتهم الفعالة في تحقيق التنمية التي تعتبر من الأهداف الرئيسية لذلك فإن البحث في مسألة تنظيم العقوبة سواء كانت تأديبية أو جزائية أنتج الكشف عن وجود ثغرات تشريعية لا بد من تجاوزها حتى يتم الإرتقاء بميدان البعث العقاري .

تم تبين أن هذه الثغرات تكمن أساسا بالنسبة للعقوبات التأديبية في وجوب خلق هيكل خاص مهمته هي تطبيق هذا النوع من العقوبات على الباعثين العقاريين و بالتالي يتم سحب هذا الإختصاص من الوزير المكلف بالإسكان و إسناده إلى الهيكل الذي يهتم بشؤون الباعثين العقاريين بإعتبار أنه أكثر قربا من هذه الفئة و بالتالي فإن إجراءات السحب أو التوقيف عن ممارسة النشاط ستكون آلية و مبسطة و ليس فيها أي تعطيل قياسا بما هو معمول به الآن نتيجة إحترام التسلسل الهرمي القانوني لصدور القرارات الإدارية فالهدف من التأديب ليس مجرد العقاب فحسب بل إنه يرمي أساسا إلى تمكين الهيكل المختص بشؤون الباعثين العقاريين من إصدار العقوبة و آداء رسالته و جعله يحـيط بالظروف التي أدت إلى إرتكـاب الخطإ أو سهلت إرتكـابه و ليتسنى له بالتالي سد الثغرات و معالجة العيوب في إطار مهنة الباعثين العقاريين1مثلما هو معمول به بالنسبة لبعض المهن الأخرى مثل مهنة المهندسين .

كما أن الثغرات تبرز على مستوى إجراءات التأديب فلا أثر لأي إجراء ينظمه القانون بالنسبة لسحب التراخيص مثلا سوى الإشارة إلى السلطة المختصة فالتدقيق ضروري بالنسبة لهذه المسألة بإعتبار أن الحاجة إلى الردع أكيدة و تقتضي وجود مجلس تأديب لا مجرد الإكتفاء بآراء اللجان الإستشارية نظرا لحساسية القطاع .

إن التنصيص على عقوبات جزائية مختلفة في طريقه واقعا و قانونا إلا أن أهمية قطاع البعث العقاري تقتضي خلق إطار خاص ينظم العقوبات الجزائية وكذلك التأديبية حتى يسهل الإطلاع عليها و يتم ردع كل مخالف .

 

الخـــاتمـــة

 

يمثل الحديث عن المسؤولية الجزائية للباعث العقاري موضوعا على درجة كبرى من الأهمية بالنظر إلى حساسية قطاع البعث العقاري و تأثيره المباشر على النمو الإقتصادي لأي بلد .

 

و لما كان الأمر كذلك كان من الضروري البحث في مدى إهتمام الفقهاء و أصحاب المهن القانونية بهذا الموضوع إلا إنه بإتباع هذا المسار تبين و أن الأهمية التي يتسم بها لم تلق العناية اللازمة لذلك كانت دراسة المسألة واجبة .

 

و تأسيسا على كل ذلك يتبين و أن المسؤولية الجزائية للباعث العقاري تتمثل في ذلك الأثر القانوني الذي ينتج عن صدور فعل إجرامي عن الباعث العقاري ، ففيم يتمثل هذا الأثر القانوني ؟

 

إن الأثر القانوني لقيام مسؤولية الباعث العقاري الجزائية يتلخص في قيام جريمة مستوفية لكل شروطها القانونية وهنا تتعدد و تختلف أنواع الجرائم الخاصة بهذا الشخص و في تحديد العقوبة المستوجبة من طرف المشرع بالنسبة لكافة أنواع تلك الجرائم .

 

فأما بالنسبة لتعدد و إختلاف الجرائم التي يرتكبها الباعث العقاري فقد تبين و أنها تنقسم إلى نوعين يتعلق الأول بالجرائم التي تخص الإخلالات الشكلية و التي تتمثل بالأساس في تلك الجرائم التي تهم المباشرة غير الشرعية للمهنة أو تلك التي تخص عدم إحترام القواعد المنظمة للعمليات العقارية الخاصة بالباعث العقاري ، أما النوع الثاني من الجـرائم فتتمثل في جرائم تتم بمنـاسبة إنجاز المهام أي عمليات التهيئة و التقسيم و البناء و التجديد التي حددها القانون المنظم للمهنة و هي تنقسم بدورها إلى نوعين هما الجرائم الخاصة بطبيعة المهنة و أخرى منظمة من طرف القانون العام كجريمة التحيل مثلا.

 

إلا أنه و بدراسة مسألة العقوبات المسلطة على الباعثين العقاريين بمناسبة إرتكابهم لأفعال إجرامية فقد تبين وجود صعوبات تطبيقية بالنسبة لهذا الشخص رغم إقرار نوعين من العقوبات هما العقوبة التأديبية و أخرى جزائية ، هذه الصعوبات تكمن بالأساس في تعدد المتدخلين في إنجاز العمليات العقارية التي تدخل ضمن مجال إختصاص الباعث العقاري مما ينجم عنه صعوبة تحديد المسؤول الجزائي الحقيقي أو الفاعل الأصلي في كثير من الأحيان كما تكمن الصعوبة في التطبيق بالنسبة لصورة الباعث العقاري الشخص المعنوي .

 

إن هذا الإشكال يتطلب الدعوة إلى ضرورة خلق إطار تشريعي يمكن من تفادي مثل تلك الصعوبات و يهدف إلى الإرتقاء بتنظيم مهنة لها مكانة مميزة بالنسبة لأغلب مكونات الإقتصاد الوطني.

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق