]]>
خواطر :
“كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

(( التجمع اليهودي في عــدن ))

بواسطة: Samir Alshamiri  |  بتاريخ: 2012-09-05 ، الوقت: 09:54:42
  • تقييم المقالة:

د. سمير عبد الرحمن الشميري

 

(( التجمع اليهودي في عــدن ))

 

عدن درة من دُرر الشرق بين حناياها وفوق صـدرها سكنت الأقوام والأعراق وتعايشت الأديان والمذاهب بسلام وانصهرت في البوتقة المدنية , ولا نحتاج إلى دليل لتبيان التراث الثقافي والعلاقات الإنسانية السامية التي جمعت القاطنين في مدينة عدن بمنأى عن التعصب والفجاجة وانغلاق الآفاق العامة .

فهذه المدينة الصغيرة هضمت العقائد والأقوام والعلاقات والثقافات وكونت بيئــة اجتماعية متسامحة تحترم الأديان والثقافات والتجمعات المــدنية ولا تهتــك آدميــة الإنسان ولا تسمح بتقطيع أوصال الوشائج الاجتماعية ولا تؤمن بالتعصب والعنصرية واستلاب شخصية الفرد بل حرصت على الانسجام والتكامل والتجانس وتوسيع الخيارات واحترام التوجهات لكافة أطياف المجتمع . فعــدن تنفــر من العصبية والتفاخر القبلي والعنصري والســفه والتســفل فهذه شــذوذ عارضة في حياتها , فالمدنية والتسامح والتعايش عنوان عريض له عروق متجــذرة في نسيج المجتمع العــدني .

أهــداني المهندس / صلاح أغبري كتاباً قام بترجمته من الإنجليزية إلى العربية موسوم بــ:

" التجمع اليهودي في عدن  وجوده وحتى رحيله " , مترجم الكتاب سليل أسرة عدنية عريقة وهو نجل المثقف والكاتب حسن حسن أغبري , عضو مخيم أبي الطيب المتنبي الذي أُسس في 16/مارس 1939م برئاسة الأستاذ / محمد علي لقمان .

أراني في حاجة للقول , أن الكتاب استهواني بشــدة لمعرفة حياة اليهود العدنييــن الذي أصــدره متحف لندن في إبريل 1991م .

الكتاب يقدم صورة حيــة ونابضة لحياة اليهود في عدن ويرصد تفاصيل حياتهم الدينية والعملية والتعليمية والترفيهية وعاداتهم وتقاليدهم , ويعرج الكتاب على صور من  التسامح والتساكن المدني في عدن بين الأجناس والطوائف الدينية التي تعايشت وتساكنت تحت مظلة المحبة والوداد والاحترام المتبادل ,ويكفي أن نعرف أن الحاخام اليهودي بنين ميسا أوصى قبل مماته في ( 12/10/ 1922م ) , بإقامة جنازة متواضعة بدون حشود بشرية واحتفالات جنائزية كبيرة إلا أن : (( حشوداً كبيرة من الناس , يهود , عرب , هنود , إيرانيين  , صومــال ,وآخرين , جاءوا لزيارته الأخيرة وتقديم احترامهم , ومن بين الحضور الحاكم البريطاني لعــدن )) "ص108" .

ويورد الكتاب ذكريات ليهود عدن القاطنين في لندن الذين : (( يحنون إلى عدن حيث قضوا أحسن أوقات حياتهم, الذين يتذكرون عدن , أو ولدوا في عــدن سوف يقولون دائماً لا يوجد مكان على الأرض مثل عدن )) " ص 73 " .

وعلى نفس السياق , دافع العلماء المسلمون عن اليهود في عدن عندما كانت السلطة تفرض عليهم ضرائب مجحفـــة , ويلتجئون إلى مساجد المسلمين (( مثل مسجد العيدروس )) , عندما يتعرضون  للظلم والسلب والنهــب  " أنظر : ص 91 , 93 , 96 -97 " .

وتصبح الإشارة ضرورية ,أن الكتاب يبسط  ذكريات اليهود الموسيقية في عدن والبصمات العزيزة التي تركها رجل الدين اليهودي سالم الشبزي في وجدان اليهود العدنيين , وجدير بالذكر أن الشــبزي يحظى بمكانة مقدسة في قلوب اليهود والمسلمين وأصبح مرقده المبارك في مدينة تعز مزاراً لعامة الناس حيث يعتقدون بكراماته في إعانة المظلومين وشفاء المعلولين وتحقيق أماني الخائبين , ويرددون أقواله وحكمه وأشعاره المكتوبة باللغة العبرية والعربية .

(( كان الجزء الأكبر من اليهود والعرب متعايشين بسلام في عدن ))" ص 51 " .   

ومن الذكريات المرتوقة في أذهان اليهود العــدنيين التي يبسطها الكتاب أحــداث 1947م  , عندما قررت الأمم المتحدة تقســــيم فلسطين , حيث تومئ ذكرياتهم أن الأحــداث كانت مدبرة من قبل السلطات البريطانية لطرد اليهود من عــدن وإرسالهم إلى فلسطين :

(( في المساء سمعنا صوت طلق ناري واعتقدنا أن الجنود العرب الذين كانوا ضباطهم من الإنجليز يطلقون النار على العرب الذين كانوا في مهاجمتنا , ولكن الجنود يطلقون النار علينا , لم نصدق , حتى هؤلاء الضباط الإنجليز يطلقون النار علينا مع جنودهم ... الذي حصل في عدن من اضطراب , كان قــد أعــد وصــمم له مسبقاً من الحكومة البريطاني وذلك من جراء فعلتها الخاطئة في الأمم المتحــدة , كانوا يعرفون تماماً ماذا يفعلون عندما جاءوا بالجيش العربي , كانوا ينـــوون قتلنـــا , وأعطيت الفرصة للعــرب لعمــل هذا وعملـــــه العــــرب )) " ص52".                                                                                                                  فا لشـوفينية والعنصرية فكرة مذمومة ومفزعة وغير مرحب بها لا يستسيغها العقل والذوق والضمير الحي , وتهجير اليهود بالقوة أو بالإقناع أو بوسائل الكــذب والاحتيال على خلفية الأحــداث المؤسفة التي وقعت عام 1947م  أججـــت ثقـــــــافـــــة الأحقــاد .

ويومئ الكتاب " ص 56 ,58 " , أنه من ديسمبر 1948م – يونيو 1950م تم  تهجير 43 ألف يهودي يمني تحت مسمى ( عملية البساط السحري ) , ومن عام 1951م – 1954م تم تهجير 20 ألف يهودي يمني إلى فلسطين  . وفي إطار عملية البساط السحري بعد أحــداث 1947م , هاجر 4 آلاف يهودي عدني إلى فلسطين من أصل 8  آلاف يهودي في عدن .

ففــي الوقت الذي كانت تجري فيه هجرات محمومة لليهود إلى فلسطين , جرى في نفس الاتجاه عملية تشــريد لــ 700 ألف فلسطيني عنــد إقامة الدولة العبرية في فلسطين , وعلى نفس المنهـــج تم طــرد 260 ألف فلسطيني من الضــفة الغربية بعد حرب حزيران 1967م .

ومن الحــق أن نسجل هنا أن المترجم صلاح اغبري ,  عــزز  الكتاب بطائفة من الهوامش التوضيحية لبعض الكلمات والمصطلحات واستند في ذلك إلى كتاب :د.عبد الوهاب المسيري ,

 موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية .

وثمة عناوين بارزة في الكتاب وأطروحات قــد نتفق وقــد نختلف معها , ومن أبرز عناوين الكتاب :

-         قصة يهود عــدن .

-         تأثير الاحتلال البريطاني على عدن .

-         تأثيــر الصهيونية على يهود عدن .

 

الكتاب ضــرب من حفريات الذاكرة فيه تشــابك وتداخل للمعلومات , حيث حــوى على تشكيلة واسعة من الموضوعات المفعمة بالسرد والتقويمات الانطباعية والأفكار العامة والأحداث التاريخية التي تحتاج إلى تأمل واستبصار . 

فما هو مسطور في الكتاب مفيــد ولابد من إخضاع بعض قضاياه لمناقشة عقلانية هادئة وعدم الاكتفاء بالوصف والتبرير .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق