]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

كوميديا سوداء بعطر شقائق النعمان

بواسطة: محمد الحداد  |  بتاريخ: 2012-09-04 ، الوقت: 21:21:20
  • تقييم المقالة:

كوميديا سوداء بعطر شقائقالنعمان

 

محمد الحداد /  العراق

مَنْ يأبهُ لدمعةٍ ساخنةٍ في عينيّ مُهرجٍ حزين؟ما قيمتها حينما تضيعُ في متاهةِ وجههِ الذي يرسمُ بأصباغٍ زائفة ضحكة باهتة أكثر منها زيفاً؟

أحياناً..يُخيلُ لي أنَّ الكوميديا السوداء التي اجترحها عقلُ الإنسانِ منذ القدم ما ابتدعتْ إلا لنا..كأنها أثوابٌ فُصِّلتْ تماماً وفق مقاساتِ ظلمنا..لكنَّ خوفنا الأزلي اللابد في المسام..ذلك الذي نحملهُ معنا كعاهةٍ مستديمةٍ كان يُحتّمُ علينا دائماً أن نرتديَ تلك الأثواب أمام الناس في كلِّ حينٍ دون أن نُظهرَ منه شيئاً محدداً يمكنُ أنْ ندانُ بهِ!

هي محنة حقيقية أن تفعلَ الكوميديا السوداء ذلك..أقولُ محنة وأنا أعني ذلك تماماً لأنَّ في الأمر ما يفيضُ بمأساةٍ لا يبقى لنا منها في نهايةِ العرض شيءٌ يُذكر..هي ليستْ مثل فصِ مَلحٍ صغيرٍ ذابَ سريعاً في دلوٍ من الماءِ فتبخرَ الماءُ وفضحهُ مُتلبِساً في قعرِ الدلو وحده! محنة أقسى ما فيها أننا ملزمون إزاء مآسينا التي لانهاية لها أن نعتليَ خشبة مسرحنا الكبير لنقولَ كلَّ شيءٍ دون أنْ نقولَ شيئاً ذا بال خشية أن يطفحَ لسانُ حالنا بما حرصنا طويلاً على إخفائه..ملزمون أن نسكبَ أمشاجاً متناقضة من نواحٍ ضاحكٍ بحذرِ أعمى و ثرثرةِ أخرس..أي دون أن نثيرَ ما أسميهِ دائماً..حفيظة الستائر..

ذلك البكاءُ المُسَلفن بالضحك يقتضي تدليساً ماكراً وإن كان الخوفُ يحرسهُ من جميعِ جوانبهِ..لكنهُ خوفٌ محسوبٌ بدقة..تماماً كما دأبتْ كوميديانا السوداء على ممارستهِ طيلة سنواتِ الظلمِ والقهرِ والكبتِ الذي جثمَ على صدورنا مثلَ مأتمٍ طويلٍ لا يريدُ أنْ ينتهي..

كاسك يا وطن..مسرحية سورية معروفة قُدِّمتْ قبل أكثر من ثلاثةِ عقود.. أتذكرها دائماً لأنها تختصرُ بصدقٍ كبير مأساة المواطن العربي المغلوب على أمرهِ في عصرِ الطواغيت..وأنت تشاهدها اليوم لا تشعر أبداً أنها كُتبتْ بقلمِ الأمسِ البعيد..لا تسمعُ أيَّ صريرٍ في عربةِ زمنٍ ولّى وغابَ بعيداً عنا..ستجدها اليوم صالحة تماماً لزمانكَ ومكانكَ أيضاً..حيثما قسَمتْ لكَ الأقدارُ أن تعيشَ في أيةِ بقعةٍ من وطننا الكبير..

في مشهدٍ مُلفتٍ منتلك المسرحيةيتحاورُ المواطن البسيط غوار مع ابنتهِ (أحلام) وهيلازالتْجنيناً فيبطنأمها..يُغذيها كلَّ يومٍ بدروسٍ مبكرةٍ في السياسةِ والتاريخِ والوطنية..في إحدى المرات يُكلمها عن قيم الشهادةِ في سبيلِ الوطن ويذكّرها ببطولاتِ جدِّها الشهيد الذي كان إذا اشتبكَ مع العدو تُزغردُ بارودتهُ من مسافةِ ميل..لكنَّ(أحلامهُ)هذه تبدأ بالبكاءِ لأنَّ براءتها الغضة لا تحتملُ حديثَ الأمواتِ بتلك القسوةِ التي يصفها لها والدها..تصوروا..حتى جنيننا يبكي وهو في بطنِ أمه! فيجيبها غوار بلهجةٍ شاميةٍ مُحببة (يا أحلام لمّا بتسمعي أسم جدك أوعي تبكي..لأن جدك ما مات...لأنو شهيد..وهذا وسام الشهادة تبعو.. يا أحلام وقت بينسفك دم الشهيد يطلع محلو شقائق النعمان..بكرة تشوفي أديش شقائق النعمان كتيرة في بلدنا !والشقشقية يا بنتي لو تنقلع من الأرض تموت لأنها تحب تظل مزروعة بها الأرض..)

واستكمالاً لسلسلة كوميديانا السوداء فإنَّ (أحلام)غوار هذهِ تُصاب بعد ولادتها بحمى شديدة تموتُ على إثرها نتيجة إهمال طبي لأنَّ مسؤولاً مهماً يعملُ في بلاد الغرب يأخذ دورها في طابور العلاج ليحصلَ من الطبيبِ على وصفةٍ (مُنشطة)لأنهُ أخفق ذاتَ ليلةٍ مع فتاةٍ أوربيةٍ لدرجةٍ جعلتهُ يخجلُ أن يُفصحَ لها من أيِّ بلدٍ هو..بالتأكيد من أجل سمعةِ الوطن! ماتتْ أحلامُ قبل أنْ تشبعَ من حليبِ أمها..ربما دُفنتْ جنبَ جدِّها الشهيد وربما استحالتْ هي أيضاً إلى حزمةٍ صغيرةٍ من أزهار شقائق النعمان.. لأنَّ أباها يصرُّ أنها شهيدة لم تمتْ بل قُتلتْ والفارق يبدو كبيراً حينما يتعلقُ الأمرُ بإضافةِ شقشقيةٍ أخرى جديدة جنب جنائن شقائقناالتي يمتلئُ بها ترابُ وطنٍ لا يضيقُ ذرعاً بمزيدٍ من تلكَ الشقائق الحمراء..ليباركَ لنا دمائنا ويرضى عنا..ويصرخَ بإثرنا هل من مزيد؟

نبوءةُ غوار تحققتْ بالفعل..فهاهو الغد الذي واعدَ ابنتهُ أحلام بأنْ ترى فيهِ شقائقَ نعمان كثيرة قبل أكثر من ثلاثةِ عقودٍ رأيناهُ نحن اليومَ بأمِّ أعيننا.. حينما أضحتْ تلك الشقائق رمزاً مُقدساً لموتنا الحي في حياتنا الميتة.. اليوم...كبُرتْ كثيراً تلك الجنائن الصغيرة حتى أصبحتْ بلاداً أخرى داخل كلّ بلاد..تغصُّ بموتٍ أوشكتْ الحياةُ أن تضيقَ بهِ دون أنْ يضيق..

لكنَّ العجيبَ أنَّ لجنائنِ شقائق النعمان هذهِ استحقاقاً مُحيراً يكادُ يوقفنا جميعاً كمتهمين في امتحانٍ غريبٍ وغبيٍّ معاً نجدُ أنفسنا مقذوفين في اتونهِ دون إرادتنا..امتحانٌ لا يحقُّ لنا أن نختارَ فيهِ إلا جواباً واحداً : إما الوطن أو المواطن..محنةٌ أخرى تضعُ الجميعَ على مَحَكٍّ خطيرٍ وحساس هو حُبُّ الوطن! لذا لا يكادُ ينجو من لهيبِ نيرانها أحد إلا مَنْ قررَ أن يُخرجَ جسدهُ سلفاً من جلبابِ الوطن وإلا دخلَ حتفَ أنفهِ تلك الجنائن من أوسعِ أبوابها.. دون أنْ يظفرَ بخيارٍ آخر..

لكنْ لنتمهل قليلا كي نُلقي عن كواهلنا ثقلَ هذا السؤال : عن أيِّ وطنٍ نتحدث؟أعني أيُّ وطنٍ ذلك الذي لهُ في أعناقِ أبنائهِ دَينٌ لا ينتهي يوجبُ عليهم أن يسفكوا دمائهم على ترابهِ بطيبِ نفسٍ لتستحيلَ إلى شقائق بحجم الوطنِ وهم يشعرون أنهم لم يوفوهُ حقهُ بعد؟

هل هو ذلك الوطن الذي شيدتهُ الجماجمُ والدمُ؟أم الذي كان مَطية لطغاةٍ اشتروهُ بأبخسِ الدماءِ وباعوهُ بأبخسها أيضاً؟هل هو ذلك المنهوبُ منّا سلفاً الذي فتحنا أعيننا الصغيرة على عشقٍ وسِعَهُ كلهُ ولم نرَهُ يوماً إلا وهو طعمةً بين فكّي طاغيةٍ مهووسٍ يوهمنا مرةً بعدَ مرةٍ بعبثهِ المقدس فنُحنّي ترابهُ بدمائنا في معاركِ مصيرٍ لم نحسمْ أيَّ مصيرٍ فيها أبداً ؟أم تُراهُ ذلك الذي ورثنا خرابهُ قبلَ أنْ نكون..وسنُغمضُ أعيننا فيهِ إلى الأبد لنورثَ أبنائنا من بعدنا خراباً أكبر؟

خيبتنا الكبرى أننا اكتشفنا اليوم وبعد فواتِ الأوان أنَّ شقائقنا الممتدة في جسدِ الوطن من أقصاهُ إلى أقصاه لم تنبتْ من أجلِ مجدِ هذا الوطن وعزتهِ ورفعتهِ..بل من أجل طغاةٍ تبينَ لنا أنهم وهمٌ من رمال..أو محضُ تماثيلَ من زجاجٍ هش تكسرَ بأولِ حجر..

لكنْ أية اتجاهاتٍ مُرعبةٍ تلك التي تأخذنا من أيادينا نتقلبُ على جمرِ احتمالاتها المستحيلة في الولاءِ والإخلاصِ وحُبِّ الوطن؟أيُّ امتحانٍ عسيرٍ ذلك الذي حُشرنا فيهِ داخل حلقةٍ مُفرغةٍ قبالة وطنٍ يريدُ منّا الجميعُ أنْ نسفحَ بين يديهِ كلَّ ما بجعبتنا من حُبٍّ شقائقيٍّ دون مقابل ليشهدوا لنا بالبراءةِ والنجاح!

سنواتُنا..أعمارُنا هذه التي تنسربُ من بين أيادينا..هي أبعاضُنا النفيسة فإلى متى نظلُّ نُبعثرها في امتحانٍ كهذا لا يكادُ ينجحُ فيهِ أحد؟ ثمة خلطٌ كبير تتداخلُ فيهِ صورٌ كثيرة لا نمييزُ من بينها إلا صورة باهتة لسرابِ وطنٍ آخر لا نعرفهُ..ليس ذاتهُ الذي وقفنا فتية منتصبين أمام رايتهِ العالية ورفعنا لهُ رؤوسنا نحييهِ في ساحاتِ مدارسنا واضعين أصابعنا المصفوفة جنبَ أعيننا دونَ أنْ يرمشَ لنا جَفن..ذلك وطنٌ آخر!

 أرجعوا لنا وطننا الذي نعرفه..ناصعَ البياضِكيومِ ولادتهِ..ونحنُ نفاضلهُ على دمائنا..فإنْ لم تكن شقائق النعمان تليقُ بوطنٍ مُقدسٍ كهذا فعن أيِ وطنٍ كنا نتحدث إذن؟

أحلامُ غوار ماتتْ بُعَيدَ ولادتها..لكنْ ماذا نفعلُ نحن الذين ماتتْ أحلامنا قبل أنْ تولدَ دونَ أن تجدَ لها شبراً واحداً على أرضِ الوطن؟

نحن أصحاب أكبر جنائن شقائق نعمان في هذا العالم كلهِ..ملأنا بها أوطاننا حتى امتدتْ مثلَ أفقٍتراهُ من بعيدٍ لاتكادُ تعرفُلهُ بدايةمننهاية..وفي دوامةِ مشهدنا الراهن..مسرحنا الكبير..تُكتب كلّ يومٍ كوميديا سوداء من نوعٍ جديد بحجمِ جحيمنا المُستعر تجهدُ أن تصِفَ ما يحدث فيهِ من حريقٍ يكادُ يُشعلُ كلَّ شيء..فهل كانت تلك أكبر أكاذيبنا التي صنعنا أسطورتها بأيدينا ثم صدقناها بعد ذلك؟وإلى متى سنظلُ نصنعُها؟إلى متى ستظلُ وجوهنا مجبرة أن ترسمَ ضحكة باهتة عند مواطن البكاء مثل ذلك المهرج الحزين؟متى سنمتلكُ جرأة تكفينا لأنْ نُمزقَ عن وجوهنا حدودَ خوفها التي تفصلُ بين ضحكةٍ زائفةٍ أمام السِتار وبكاءٍ خلف الكواليس؟مَنْ سيضمنُ لنا أننا لن نتحولَ جميعاً إلى مشاريع مُثمرة تنتظرُ دورها التاريخي كي تطرحَ في الغدِ شقائق جديدة؟وهل حقاً سنرفعُ رايتنا البيضاء بوجهِ موتنا الذي سيصبحُ جديراً أكثر منا....بالحياة؟

تلك بعضٌ من أسئلتنا الكبرى التي لا يُريدُ أحدٌ أن يستيقظَ من سُباتهِ ليجيبنا عليها ! 


... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2012-09-05
    محمد الحداد ..افتقدت كتاباتك الراقية الرائعة .. والتي تتحدث بها بطريقة بلاغية راقية , اما عن الوطن الذي يمتلك محبته فينا فطرة ..فلا تسل ,,, لقد بات السواد يلبسنا , والدمع يغرقنا , وسكون الموتى فينا ,, شقائق النعمان حقا لونها يخالط الجمال ,, لكن بات وضع الوطن يغذي الدماء التي سقت تلك الشقائق عداوة الجفاف ,, هم اخذوها بسيف الاذلال لأمتهم ,, وجلسوا على كراسيهم بقوانين هم انتجوها مع مخرجين كمثلهم ,,وصار المرض يستشري بكل من حولهم ..لتصبح كلمة (اللهم نفسي )هي عنوان كل مسيطر ,, إلى متى تبقى رائحة الدماء لا يقدر ثمنها ,,بيدأن العطور لها أثمان أغلى منها ؟؟؟ !!! الى متى يبقى للكماليات ثمن يعلو ويعلو ,,ولشهداء الوطن ثمنه البخس ؟؟!!!
    لقد ضاقت الدنيا بنا بما رحبت ,,ليتنا فقط نختار الاختيار الاسلم ..كي ننال خير الاخرة والاولى ,,ونسعد في السبيل الذي يوصلنا الى ما خفي عنا ,, بارك الله بكم كاتب بحرف من ضياء ..ينسجم بخصوصية المعرفة والفكر والحس سلم اليراع ومن كتب به الحق
    طيف بخالص التقدير والإمتنان لكم

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق