]]>
خواطر :
يا فؤادُ، أسمع في نقرات على أبوابك تتزايد... أهي لحب أول عائدُ ، أم أنت في هوى جديد منتظرُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

المبادئ .. أوعية الحياة

بواسطة: Hasan Alnajjar  |  بتاريخ: 2012-09-04 ، الوقت: 14:08:07
  • تقييم المقالة:

 

 

المحور الأول / المجتمع والمبادئ

 

القيادة في المجتمعات .

 

دوائر المبادئ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ القيادة في المجتمعات

     في كل عصر , وفي كل شعب , هنالك أفراد يستقطبون اهتمام الناس ويكسبون الأكثرية , وعليهم تنعقد آمال الناس ومطامحهم , لكن ليسوا دائما ممن يحوز على منصب الرياسة السياسية والحكومية , فسواءا حصلوا عليها أو لا هم قد حصلوا على القيادة , فمثلا في الهند حصل المهاتما غاندي على قيادة لا على منصب ؛ فأحيانا تثنى وسادة القيادة للثائر , وأحيانا لمنقذ الاقتصاد والحالة المادية , وأحيانا للفيلسوف , وأحيانا للفنان والأديب , وأحيانا للطيب وأحيانا للخبيث , وأحيانا للشيخ وأحيانا للشاب , كل ذلك يعتمد على فلسفة الجيل وتطلعاته وظروفه العصرية ؛ أحيانا تستمر القيادة بضع سنين , وأحيانا لا تنتهي إلى بوفاة القائد , وأحيانا تستمر بعد وفاته , بل تتحول قيادته إلى ألوهية , مثل هبل واللات التي ورد في بعض المصادر أنهم أفراد كانت لهم قيادة لمجتمعات شبه الجزيرة العربية , لكنها أكثر من قيادة عشائرية وقبلية مثل أبي سفيان وغيره , إن القيادة لا تتحول إلى التقديس إلا إذا كانت تتضمن قيادة روحية , فالجاذبية الروحية للشخص هي التي تدفع للتقديس بعد وفاته , لا الجاذبية الاقتصادية والاجتماعية والطبقية ..

       وقد تنصب اهتمامات الناس وتنعقد مطامحهم بالقائد السياسي دون أن يأخذ بمجامع قلوبهم , ويقود أرواحهم , لكن هيبته الطبقية , وصلاحياته في ذلك المجتمع تجعله يحصل على القيادة قهرا وفرضا على المجتمع . وهذا لسنا بصدد الكلام عنه , إنما نتكلم عن الظواهر التي تتكرر تلقائيا , أي المرتبطة بطبيعة المجتمعات , أما هذا النوع فأسباب حصوله واضحة ولا تحتاج إلى التحليل .

    يلاحظ بأن قيادة الجيل على مر التاريخ , تأتي بعد زمان من الخمول , والافتقاد للشخصية التي تسيطر على القلوب , وقد نعيش هذا حاليا في الوطن العربي بل في أكثر دول العالم , وهي غياب القطب الاجتماعي , بل يوجد أكثر من شخصية في كل مجتمع لها شيء من تلك القيادة , أما أن توجد شخصية كالقمر بين النجوم فهذا لم يحصل في القرن الحادي والعشرين الميلادي , وقد كان موجودا حتى أواخر القرن السالف , فقد كان موجودا في العراق مثلا ولا نريد ذكر الأسماء , وفي الخمسينيات كان موجودا أيضا في العراق , وقبله كان موجودا في مصر , وفي كوبا , وفي ألمانيا والاتحاد السوفياتي , نعم فهنالك شخصيات مثل لينين قيادتها لبعض الشعوب قل نظيرها , وإلى الآن , فقد تم الحفاظ على جسد لينين للشعور على الأقل بالحضور البدني لذلك القائد ؛ إن هذه الأمثلة غير متجانسة أبدا , ففيها رجل الدين , وفيها الرجل العسكري والسياسي , وفيها المفكر , حسب الجيل والعصر كما ذكرنا , لكنها تشترك في صفة واحدة متشابهة عينا , وهي صفة القيادة للقلوب .

       والآن علينا أن نعرف ما هو سر تلك القيادة ..

       إن قيادة الفرد للآخرين تدور حول ثلاثة محاور :

المحور الأول / المبادئ :

 

إن المحور الأول في القيادية هي المبادئ التي يحملها ذلك الشخص , كالإنسانية , والحرية , والثورة , والاقتصاد , والحكمة , والدين , والأخلاق , والمحبة .. الخ .

 

لكن أليس هنالك الكثير من الأفراد الذين يحملون هذه المبادئ في المجتمع , فلماذا هنالك شخص أو شخصين منهم يتميزون بالقيادة بينما الآخرين لا يفعلون ذلك ؟

 

على أساس هذا السؤال هنالك محورين آخرين .

 

المحور الثاني / الأطر العصرية للمبدأ :

 

إن البشرية لها أساليب وأطر حياتية متقلبة مع مرور العصور , وفقا لما تتوصل إليه من رؤى واكتشافات وأفكار وآلات جديدة , بل وشخصيات أو جهات أو فئات قيادية جديدة للأجيال ؛ فعندما تعتمد هذه الألوان الحديثة , فهي تحتاج إلى الانسجام بين المبادئ الحقة القديمة وبين الأطر والأصباغ الجديدة , وإلا فقد ترغب عنها , وتتقبل الأفكار الجديدة حسب تلونها بالألوان الجديدة لا حسب صحتها وأحقيتها , تتقبل الرؤى المنبثقة من الاكتشافات مهما كانت , تماما مثل الرؤى العلمانية , لأنها تعتبر الشيء الحديث من الاكتشافات بما أنه لم يذكر في المناهج الأخرى كالدين والتقاليد , اذن فهما _أي الدين والتقاليد_ يعتبران تخلفا وقيدا للتطور .

 

إن القيادة تعتمد جدا على ظهور المبدأ بالأطر العصرية , بينما تجد آخرا يطرح نفس المبدأ , لكن لا قيادة له , لأنه لا يتكلم مع الشباب بلغة أفكارهم ورؤيتهم . _على سبيل المثال_ جبران خليل جبران , الذي أخذ يكتب عن المسيح بالأسلوب والمنهج الأدبي الذي تميز به القرن الماضي , حيث كان الأدب ضمن أدوات التسلية والترفيه لدى الشاب ؛ فهنالك عملية عظيمة قام بها , حيث إن الشباب المسيحيين أصبح لديهم مقياس آخر للمبادئ من حيث رقيها , فكتب جبران لهم عن المبادئ المسيحية ما يجعل مقياسهم الحديث يشير إلى أنها مبادئ راقية , ولم يكتبها لهم بلغة الكنائس ؛ وعلى كل فقد حصل جبران على قيادة الشباب آنذاك . وهذا نفس ما فعله أحد المفكرين في إيران , والذي ألقى بنفسه في إحدى دوائر الشبهات والشكوك في تلك الفترات , بسبب الأطر التي استعملها في تقديم المبادئ الإسلامية الأصيلة , فلذا قاد الشباب , وكان له دورا عظيما في كسب الشباب الإيراني نحو الإسلام , وجعله يثور على النظام , ولكن هذا الدور لا يقر به الآخرون _إلا قليلا منهم_ مع الأسف .

 

إن تلك الأطر الجديدة تمثل المقاييس والموازين الجديدة لإبداع ورقي المبادئ , فمثلا في فترة من الفترات تكون أهم تلك المقاييس هي المنطق , فالفكرة الأكثر إبداعا ورقيا هي الأكثر منطقية , بينما في الفترة التي تليها يكون المبدأ الأكثر حداثة هو الأرقى , ثم يكون المبدأ الأكثر شفافية هو الأرقى , ولعله هذا ما ينطبق على مقاييس الجيل في عصرنا , اذن فالمقاييس تنسجم وعقلية الجيل أو رؤيته أو تطلعاته التي كانت هي أطروحة العصر .

 

ولعله من الأسباب التي جعلت القرآن الكريم يؤطر بإطار البلاغة هو أن البلاغة كانت أكبر تطلعات الإنسان العربي , بل مقياسه في تقييم المبادئ هو بلاغة الأبيات والأمثال التي تؤطر بها تلك المبادئ.

 

المحور الثالث / توغل المبادئ في أعماق الإنسان :

 

وهو ما أطلق عليه القرآن كلمة "الإيمان" . إن الشخص لا يحصل على قيادة على أساس مبدأ إلا بعدما يستشعر المجتمع إيمانه العميق بالمبدأ , وأنه قد شغل همه حقا , وأخذ مأخذا من حياته , وأنه يضحي في سبيل ذلك المبدأ , فمثلا لا نجد مجتمع المستضعفين يلتف حول من يحمل مبدأ مواساتهم ونصرتهم ورفع الاستضعاف الاجتماعي والاقتصادي عنهم وهو شخص مترف , بل يلتف حول من له جانبين , الجانب الأول هو المبدأ الذي ينصر البسطاء , والجانب الآخر هو أن يكون حامل المبدأ هو أول مطبق وممتثل لمبدأه , فعندما يجد المجتمع بأن صاحب المبدأ قد حققه في نفسه , فسوف تنطلق الآمال في ذلك الشخص ويصبح قائدا , فهكذا أصبح الإمام علي قائدا تاريخيا لكل الشعوب لا لشعب معين , حيث اختار لنفسه أبسط الثياب , وأبسط الطعام , وهكذا يشابهه فعل غاندي , حيث اختار لنفسه أبسط ثياب يرتديها رجل هندي , ولا ندري لعله سمع غاندي بعلي ابن أبي طالب , أم إنه شيء واضح مدى تأثير تطبيق المبدأ على القيادية .

 

كما نجد أن الشعوب تلتف حول الشخص الذي ينادي بالمظلومية ما إذا شعرت بأنه حقا إنسان محزون ومغموم بسبب مبادئه , ونجدها تلتف حول من ينادي بالقيم الراقية ما إذا جسدها في نفسه ليكون مصداقا حاضرا أينما ألقى مبادئه , ونجدها _على كل_ تلتف حول ذي الهمة والتضحية التي تثبت للناس صدق التمسك بالمبدأ مثل ارنيستو جيفارا ؛ لكن كل المضحين في التاريخ لا يضاهون شهيد الحرية والإباء الحسين عليه السلام . 

 

ونختم الكلام بأن المبادئ التي تكسب المجتمعات والشعوب لها صفات تختص بنوع المبدأ وطبيعة الشعب والحضارة , وبمدى انسجام المبدأ مع التطلعات العصرية , فحتى لو كان من المبادئ الحقة الثابتة , لكن يجب أن يعرض وفقا للتطلعات الجديدة للجيل , ويجب أن تكون المبادئ قد تجسدت في صاحبها , وتركت أثرا على حياته , ليعرف الناس صدقه .

 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ دوائر المبادئ

هنالك حقيقة تتعلق بموضوع القيادة في المجتمعات نطلق عليها دوائر المبادئ , وهنالك عدة محاور نريد أن نتكلم عنهما في هذا البحث:

المحور الأول / دوائر الوعي في المبادئ : (إن كلمة وعي تعني احتواء , ولعلها مأخوذة من كلمة وعاء , أو بالعكس هي أصل الأخيرة , وهذا هو أحد جوانب موضوعنا الرئيس وهو أن المبادئ أوعية الحياة) .

 

نريد من هذه المحورين الأول والثاني _أساسا_ أن نبين تقسيمات دوائر المبادئ , والتقسيم الأول هو بحسب استيعابها ووعيها للأمور , فتنطلق المبادئ من أضيق دائرة حيث تعي أبسط الأمور المادية فقط , ثم تتوسع فتبدأ بوعي المفاهيم والتصديقات بعد أن كانت لا تعي إلا التصورات الذهنية , ثم تعي الصفات , كالرحمة والعظمة والكمال , حيث إنها فوق المفاهيم , لأنها أمور لا تدرك فقط بعقل الإنسان كالمفاهيم والتصديقات , بل تدرك بعقل الإنسان وقلبه إن صح التعبير , ثم ترتفع المبادئ إلى أمور أخرى أرفع وأرفع ... إلى أن تعي المبادئ البشرية , والحياة , والزمان والمكان , والوجود ..

 

وما يتعلق بالموضوع السابق هو وعي المبادئ لتطلعات المجتمع , ومطامحه , فتعيه لا فقط من حيث المضامين , وإنما من حيث العناوين والأطر التي يميل إليها , أي إنها قد احتوت الأطروحات الجديدة للأجيال في نفس الوقت الذي تريد فيه مساعدة الأجيال ,  وليس فقط أن تعي العناوين والمضامين , بل أن تسيطر تلك المبادئ وتمتلك وتعي صاحبها , وتدخل في حياته وسلوكه ؛ اذن قضية وعي المبادئ هي أول تحليل لما تقدم في موضوع القيادة في المجتمعات , أو إنها تعد فلسفة بالنسبة لذلك الموضوع .

 

إذن تنقسم دوائر المبادئ إلى :

 

1_ ما يعي جزءا من شؤون الفرد .

 

2_ وما يعي معظم شؤونه .

 

3_ وما يعي شؤون الجيل .

 

4_ وما يعي شؤون الأجيال , وشؤون الزمان والمكان . وفي نفس الوقت فإن الدائرة الأخيرة سوف تعي كل شؤون الشخص نفسه , لأنه هنالك شؤون خاصة بالفرد , لا تعيها إلا المبادئ التي تتسع دوائرها للآخرين ؛ مثلا المبادئ المدنية , والتي من خلالها يصل الفرد إلى شؤونه الفردية المتعلقة بالمجتمع المدني الذي يعد عضوا منه وجزءا فيه ؛ كما إنه هنالك مبادئ فردية عندما تتسع دائرتها لبعض شؤون النفس تستطيع أن تتسع لشؤون الناس , مثلا الحالات النفسية , فالفرد لا يدرك الحالات النفسية عند الآخرين ما لم يدركها عنده , وفي بعض الأحيان لا يدرك ما يحبه الآخرون دون أن يعرف ما يحبه هو , وهذا ينطبق عليه قول الرسول (ص) : "أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه " , اذن فنستنتج بأن الدائرة الأوسع تضم كل الدوائر الأضيق منها , يعني أن الدائرة الأوسع ليست هي الدائرة التي تعي شؤون الأجيال , وإنما مدى سعتها لأمور الحياة , وأمور النفس , وأمور الزمان والمكان , يؤدي إلى أنه تعي شؤون الأجيال , فهو ليس السمة الأساسية وإنما الناتجة لزوما على تلك المبادئ .

 

           فعندما يتكلم الكاتب _مثلا_ عن ذاته , وتطلعاته , وعن مشاعره بصورة موسعة وواعية , فإن المجتمع سوف ينجذب إليه لأن كلامه الشخصي بسبب مدى رفعته ورقيه أصبح كلاما جماعيا إنسانيا .. يعي ذوات البشرية !!. وهذا مصداق على حصول السمة البشرية والإنسانية ,وحدوث ما يعي الأجيال من المبادئ دون أن يكون ذلك هو المقصود من طرح المبادئ.

المحور الثاني / دوائر المبادئ والاستمرارية :

 

التقسيم الآخر يعتمد استمرارية المبادئ وفقا لدوائرها , حيث هنالك في علم الاجتماع وفي التاريخ ظاهرة ثبوت وتغير المبادئ , خلال فترات زمنية معينة , فنستطيع رسم دوائر المبادئ ابتداءا من أضيق دائرة وهي المبادئ التي تتغير مع تغير الأمور المادية , كالاقتصاد , وبعدها دائرة المبادئ التي تتغير مع تغير الوضع المدني والاجتماعي , فدائرة الوضع الاجتماعي تتضمن دائرة الوضع الاقتصادي , وهكذا هي الدوائر , فبسبب ضيق دائرة المبادئ الاقتصادية فهي أكثر وأسرع تغيرا وأقل استمرارية من دائرة المبادئ المدنية , فمثلا تختلف المبادئ الاقتصادية التي يلزمها المجتمع المدني في مواسم السياحة عن غيرها , وبعد حصول الخسائر المادية , وعند تغير قيمة العملة وهكذا , أما المبادئ الاجتماعية فقد لا يغيرها المجتمع إلا بعد حصول الانفعالات بينه وبين مجتمع آخر , أو في داخله , أو قد لا يحصل إلا عند الجيل الجديد.فهكذا تتسع الدوائر وتضيق بحسب الاستمرارية وقلة التغير .

 

المحور الثالث / تضمُّن الدوائر :

 

قد تحتاج قضية تضمن الدوائر إلى وقفة تعمق _نوعا ما_ , وهي أنه دائرة من المبادئ تعد ضمن دائرة أخرى , مثلا دائرة المبادئ الاقتصادية هي ضمن دائرة المبادئ المدنية أو الاجتماعية , وفلسفة هذا التضمن هي المحور الأول , وهو مقدار وعي الدوائر , فالمبادئ المدنية عند الإنسان حتى لو لم يكن يعتبرها شاملة للمبادئ الاقتصادية , لكن بإمكانه أن يلقي كليهما تحت عنوان المبادئ المدنية , أي إن طرحه لمبادئه المدنية بالإمكان أن يعي في نفس الوقت المبادئ الاقتصادية , فمثلا طرح ماركس مبدأ وهو أنه لا قدسية إلا للمادة , فلا يستطيع أحدنا أن يقول إن أطروحته هي مبدأ إلحاد , ولا يستطيع آخر أن يقول إن أطروحته هي مبدأ اقتصاد , كلا , إن أطروحته هي أنه لا قدسية إلا للمادة , هذه هي الأطروحة , لكنها تعي المبدأين معا , تعي الإلحاد والاقتصاد دون أن تنفرد بأحدهما , أو يكون أحدهما هو المحور دون الآخر ؛ أي أن المسألة ليست مسألة عنوان ومضمون , ولا مسألة عموم وخصوص , المسألة مسألة تقسيم في داخل العقل , وعبارة عن مصاديق للعنوان لا مضمون للعنوان ؛ وعندما يقول المفكر فرانسيس بيكون :" العلم إنما يكون علما إذا منح الإنسان القوة والقدرة" ؛ فهو لا يعني _على وجه الخصوص_ الإلحاد أو المادية أو التخلص من المفاهيم التي ثمرتها فقط هي زيادة معرفة الإنسان , هو يعني نفس المبدأ , أما المصاديق فهي في داخل الأذهان , أي من الطبيعي أن تطبيق المبدأ يكون بتطبيق المصاديق .

 

فالنتيجة هي أنه يوجد فرق بين قضية العموم والخصوص , وقضية العنوان والمصداق , أما تضمّن الدوائر فهي قضية من النوع الثاني _أي العنوان والمصداق_ . 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحور الثاني / الأطروحات البشرية

 

أطروحة الجيل .

 

أطروحة الأجيال .

 

استنتاج

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ الأطروحات البشرية

       تتميز كل مرحلة من مرحل البشرية , بطرح مجموعة من المبادئ تصب في مصب واحد , نطلق عليها "الأطروحات" , أما أننا قلنا بأن الأطروحة هي مجموعة مبادئ وليست مبدأ واحدا , فلأنه أي مبدأ جديد , يطرح لأول مرة , ولم تسبقه أطروحة , يحتاج لعدة مبادئ تعطيه التحليل والتفسير , وكلما كانت مبادئ الأطروحة أكثر كلما كانت أصعب للتفنيد والهدم , لأنه ينبغي تفنيد جميع المبادئ الأخرى , في غير حالة أنها تقوم على مبدأ واحد ؛ فقد تكون للأطروحة مبادئ نظرية , ومبادئ تتعلق بأمور موجودة على ساحة الواقع , فإذا استطعت أن تقضي على النظرية فلن تستطيع أن تقضي على الأخرى , فمثلا أطروحة الشيوعية الاشتراكية لماركس , حيث فيها مبادئ فلسفية , وفيها مبادئ تاريخية , وفيها مبادئ اجتماعية , فضلا عن الاقتصادية , فحتى علماؤنا الذين فندوا المبادئ الفلسفية والاقتصادية أقروا بعض المبادئ الاجتماعية والتاريخية من حيث وجود خطين على مر التاريخ , الخط المترف والخط المستضعف , وأقر علماؤنا بأنه بعض الدوافع التي جعلت ماركس يقدم أطروحته هي إنسانية صالحة , إذن فالأطروحة ليست كالنظرية بحيث تستطيع ردها ببساطة , فعلماؤنا لم يتعاملوا مع الأطروحة بهذا الشكل , وإنما قالوا بأنه توجد محاسن ومساوئ , أما المحاسن فهي تلك الإنسانية , وتلك التي تريد أن تغير مجرى التاريخ بأن تقطع وجود هذين الخطين بوجود خط واحد , فيكون الناس سواسية , أما المساوئ فإن هذا النظام الاقتصادي هو الآخر فيه مشكلات , وينقل في كتب التاريخ بأن الشيوعية في الأموال والأملاك من أول الأنظمة الاقتصادية التي حاولت الشعوب المدنية الأولى تطبيقه عن جهل وبساطة تفكير , حيث كان الأفراد يجمعون ما التقطوه من صيد وثمار , ويقسمونه بالتساوي فيما بينهم , فيتعادل نصاب من بذل الجهود القليلة ومن اجتهد في ذلك , ومن كان من الوجهاء الذين يستنكفون عن ممارسة الصيد , فهذه واحدة من مشاكل الشيوعية التي من أجلها انتفضت تلك الشعوب الأولى على النظام , خصوصا بعد تحولها من  الصيد إلى الزراعة ؛ هذا فضلا عن قضية نبذ الدين , فنستطيع أن نقوّم هذه الأطروحة بتغيير الأخطاء , فتكون أطروحة فاضلة , أطروحة مستمرة تعي كل شيء في آن واحد , تعي الإنسانية والقيم الاجتماعية والاقتصادية والدين في آن واحد . نريد من هذا الكلام أن نقول بأن الأطروحة هي صرح من المبادئ , وانت لا تستطيع أن تقيم صرحا إلا بمواد مختلفة , وأسس , وأعمدة , وهيكل , وآجر و....الخ , فالأطروحة هي صرح من عدة مبادئ تصب في مصب واحد , فتؤصل الأطروحة بأسس من الفلسفة وما شابه , وتمد لها جذور في التاريخ , وتغرس لها أعمدة من المبادئ العصرية , ويرفع لها هيكل من تحقيق التطلعات الجديدة , ويضرب الهيكل بعدة أصناف من المبادئ , وبعد ذلك يوضع نص الأطروحة الرئيسي على قمة المبنى , وبهذه الطريقة تنجح وتفلح الأطروحة , وتحوز على استجابة الأكثرية بداية , وربما لا تواجه عدم الاستجابة إلا بعد فترة , حيث يدخل البعض فيشاهد فساد بعض الأعمدة وسقم بعض المواد , حينئذ يعرف بأن الأخذ بالأطروحة بأكملها يعني التعرض لأوبئة جديدة , وهذا لا يشمل جميع الأطروحات بالتأكيد .

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أطروحة الجيل

         ذكرنا مسبقا بأنه تختلف المبادئ فيما بينها من حيث الاستمرارية , فكذلك الأطروحات ؛ فهنالك أطروحة جيل , وهنالك أطروحة أجيال , أما أطروحة الجيل فهي التي تتعلق بظرف مؤقت لذلك الجيل , وهي تحمل الحلول أو الأساليب التي تواجه بها تلك الظروف , أو تتعلق بتحسين بعض الشؤون المؤقتة عند ذلك الجيل . وسوف لن يكون من المناسب عرض نفس الأطروحة على اجيال لاحقة .

       مثلا في زماننا ليس من المناسب ان يقوم مفكر أوربي أو أمريكي بعرض أطروحة إقصاء الكنيسة عن التعلم والتطور , لأن هذه المشكلة ليست موجودة على أرض الواقع ؛ أو حتى  أنه يأتي شخص بأطروحة حكومة إسلامية في العراق , وواقعا لا تقام حكومة إسلامية إلا بموافقة للشعب , حيث أنه حتى الإمام المعصوم لا تكون له سلطة إلا بطلب من الشعب , فكيف بشخص غير الإمام المعصوم , وهذا الشيء يدل عليه الموقف المنقول تاريخيا عن الإمام علي(ع) عندما قيل له أن الحكم _ لا الإمامة_ يكون بعده للحسن(ع) فقال لهم : لا آمركم ولا أنهاكم (1) , وقد تكون هذه الأطروحة مناسبة سابقا أو لاحقا .

      فما هو الشيء الذي يجعل الأطروحة أطروحة جيل ؟

      عندما ننظر إلى أطروحة إقصاء الكنيسة _كأنموذج_  , نجد بأنها تستند على نوعين من القواعد ؛ أولا قاعدة ثابتة وهي أنه لا يضع الدين قيدا على المعرفة ولا التطور , ثانيا قاعدة متغيرة وهي تسلط الكنيسة آنذاك حتى على تفكير الإنسان وتطلعاته ؛ والقاعدة الأولى لأطروحة إقصاء الكنيسة تصلح الآن لتكون أطروحة منفردة , لأنها تعم الديانات بل جميع المذاهب والمعتقدات بصورة عامة , أما القاعدة الثانية فهي أبطلت الأطروحة لأنها تتعلق بجيل , إنها تخص شيئا جزئيا وهو الكنيسة , ولا تتعلق بشيء كلي وهو الدين .

        فالجواب اذن هنالك أمور كلية وأمور جزئية , والأطروحة التي إحدى قواعدها الكلية تخص الجزئيات تبطل مع مرور الأجيال , فمثلا لو كانت هنالك أطروحة لإقصاء الظالمين عن السلطة , فهذه الأطروحة لن تتغير . ولو كانت هنالك أطروحة لإقصاء أسرة فلانية _وهي ظالمة مثلا_ عن الحكومة , فهذه سوف تتغير , لأن الأسرة والكنيسة أمور جزئية , أما الظلم والدين فهي أمور كلية .

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أطروحة الأجيال

          النوع الثاني من الأطروحات هي التي تعتمد مبادئا كلية حقة , لا تتعلق بشيء جزئي , بشيء يحتمل الاختلاف , بشيء فيه متشابهات ومشتركات , وهذه المبادئ مما لا يتغير مع مرور الزمن , وتبدل الرؤى , وتقلب التطلعات عند الأجيال , إنما هي المبادئ المرتبطة بالرؤى والتطلعات الموجودة عند كل جيل .

         ومن تلك الأطروحات أطروحة الإمام علي (ع) التي ألقاها في العدالة , هذه الأطروحة لم تتعلق بزمن ما قبل ألف وأربع مئة سنة , لم تتعلق بالوطن العربي أو المجتمع المسلم , إنما تتعلق بمبادئ مغروسة في أعماق البشرية لا تقتلع أبدا , لأنها هي سمات الإنسانية عند هذا المخلوق , ولو لا ها يكون كباقي الحيوانات .

         ولذا نجد الإمام علي (ع) قد حصل على قيادة استمرت أكثر من ألف وأربع مئة سنة , لأن أطروحته عظيمة وفاضلة تتطلع لها أجيال كل العصور وجميع الشعوب , ولأنه لم يلق أطروحته كأكثر المفكرين , إنه لم يلقها إلا متجسدة في حكومته وأفعاله وسلوكياته ورسائله , وهذا يزيد من قيادته .

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ استنتاج

           نستنتج مما ذكرناه عن المبادئ الجزئية والكلية للأطروحات , بأنه توجد في دوائر المبادئ قضية ثابتة , إنها مبادئ فوق الحياة , فلذا لن تستطيع الحياة تغييرها , وهي أيضا فوق الإنسان , لكن أليس كل شيء في باطن الإنسان هو نتيجة محض معرفته وبحثه عن الحقيقة , فما معنى انها فوق ذات الإنسان؟

       وبسبب هذه التعقيدات في الاستنتاج ينبغي تخصيص فصل من أجل تحليل القضية , ولعله سوف يتطلب منا ذلك الخوض قليلا في نظرية المعرفة.

 

 

 

 

 

 

 

المحور الثالث/ وحدة المبادئ

 

مقدمة

 

وحدة المبادئ .

 

وحدة المبادئ وكثرتها في الإدراك والعقل .

 

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مقدمة

      إن قضية الوحدة والكثرة مفهوم واسع جدا , ما هي العلاقة بينهما ؟, ومتى تكون الكثرة شيء سلبي ؟

       إن العلاقة بين الوحدة والكثرة ليست واضحة بحيث نبدأ سردها بهذه السهولة ؛ إن الكثرة عادة تكون ناتجة عن شيء واحد , لكن مرتبة المعرفة من حيث تجعل هنالك إجمال وتفصيل , فتجعل الإجمال هو التفصيل تارة , أو الكلي هو الجزئي (وهذه هي المرتبة العليا) , وتارة أخرى تجعل مرتبة المعرفة التفصيل هو الإجمال والجزئي هو الكلي (وهذه هي المرتبة الدنيا) , لكن هذه العبارة ليست بتلك الدقة , لأنه حتى تلك المعرفة العليا فتبقى هنالك أمور تفصيلية إجمالية بالنسبة لها حتى لو كانت تلك الأمور رفيعة فهذه الرفعة هي نسبية ليس إلا , والمرتبة الدنيا أيضا توجد لديها تفصيلات حول الإجمالات , جزئيات حول الكليات , ودنوها هو نسبي أيضا .

        من أبسط الأمثلة قضية الكون ؛ فالإنسان لو كانت مرتبة وجوده أعلى من هذه , لما شعر بوجود أية كثرة في الكون .

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  وحدة المبادئ

       وقضية المفاهيم كقضية الكون , فعندما نقول إن المفهوم الفلاني ينقسم إلى أ و ب , فكيف هو مفهوم واحد , ثم يكون هنالك مفهومين ؟ الجواب على هذا السؤال هو بأن مستوى إدراك العقل , ومفردات الذهن أدت إلى تفصيل افتراضي لا لشيء فقط لمعرفة الإجمال ومعرفة الكلي , يعني إن هذا التجزيء وهذا التفصيل هو شيء افتراضي , هو شيء في عالم التفكير , في الوجود الذهني . هو في سبيل الانتقال من الجزئي إلى الكلي , ومن التفصيل إلى الإجمال ؛ لماذا إلى الإجمال ؟ بينما البعض يعتبر الرقي الفكري هو نحو التفصيل ؟؟

       الجواب هو أن هذا الرأي الآخر صحيح , لكنه ينتقل نحو التفصيل في سبيل إدراك الإجمال , يعني أن حركته نحو الجزئيات هي في نفس الوقت سلّم غايته هي الكليات ؛ إذن كل شيء عندما نرتقي به يخطو نحو الوحدة , كل المبادئ غايتها الوحدة , كل المبادئ هي تفصيل افتراضي داخل الوجود الذهني عائد إلى الإجمال والتوحيد .

       إذن المبادئ واحدة وليست كثيرة , لكن كيف ننتقل من الجزئيات إلى الكليات ؟ وكيف نعرف الحق ؟

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــ وحدة المبادئ وكثرتها في العقل والإدراك

       ما هو العقل والإدراك ؟

       إن العقل هو الذي يحدد اللامحدود , ويجزئ الكل , ويفصل الإجمال , لكي يدرك _شيئا فشيئا_ الكل والإجمال ويتقرب من اللامحدود .

       والإدراك هو بلوغ الشيء , فالعقل لكي يبلغ _بمستواه_ شيئا من الكل يقوم بتجزيئه حتى يحيط بشيء من أجزائه , ثم يرتقي يرتفع مستواه , وبارتفاع المستوى يبلغ المزيد من الكلي وهكذا .

       فما معنى أن الخالق غير محدود ؟ , معناه أن الشيء المحدود إنما ينقصه شيئ من موجود آخر مستقل عن وجوده , عندئذ تحصل محدودية , لكنه لا شيء مستقل عن وجود الخالق , فلذا لا يمكن معرفة الخالق إلى الأبد , لكن بالإمكان معرفة صفاته , لأن صفاته هي تجزيء عقلي افتراضي في سبيل المعرفة , وهذا ليس محل كلامنا الآن .

       إذن عرفنا بأن الإحاطة بالجزئيات تساعد في الوصول إلى الكليات , وكيف هي طريقة الإحاطة بحيث نتيقن من صحة ذلك الكلي ؟

        الجواب هو بوحدة العقول , أي إن عقول البشرية لها قضية مشتركة وهي الاستدلال العقلي , ونؤكد على أنه "عقلي" , أي إن العقل له طريقة خاصة في الاستدلال , فبالتالي تجب معرفة طرق الاستدلال , كمعرفة المنطق وعلم الكلام والفلسفة والتجربة , أي معرفة مزايا العقل بمساعدة وحدة العقول , يعني أن العقول لو تحركت بما منحت من الإمكانيات لأدركت نفس الشيء ؛ إذن لو أردنا أن نعترض على العقل وعلى المنطق فعلينا أن نغير الوجود , ونغير الواقع , ونغير السموات والأرض , ونغير الفطرة , وهذه أمور مستحيلة , إذن هنالك صلة ما بين العقل , وما بين الوجود والحق , ونضيف لهما وجها ثالثا وهو الكمال , لأننا قلنا بأن حركة العقل هي قضية كمال , إذن أصبح لدينا مثلث وهو الوجود والحق والكمال , بل هو ليس بمثلث وإنما هو مفهوم واحد له ثلاثة عناوين , ثلاثة أوجه (وهذا تفصيل افتراضي , حيث إنه واحد لا أكثر) .

        اذن العقل أمامه الوجود ليكتمل بمعرفته , لكن كيف ؟ , بالحق .

        وما هي منابع الحق ؟

        إنها الاستدلال السليم (الحق) , والتوجيهات الإلهية الحقة (الدين) .

       _وخلاصة_ هنالك وحدة وجود , ووحدة كمال , ووحدة حق , أما المبادئ فهي ضمن وحدة الحق , المبادئ هي تلك الوسيلة التي نكتمل بها فتتسع إحاطتنا بالوجود ؛ وهذا هو الآخر دليل على وحدة المبادئ .

 

 

 

 

 

 

المحور الرابع/ المبادئ والحياة

 

المبادئ أوعية .

 

السلام الباطني .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

         على الرغم من أن الحق هو أحد تلك الأوجه _الافتراضية_ الثلاثة للموضوع الواحد , لكننا نخوض في الوجود الذهني الذي يزيد على المكيال وينقص منه , الذي يجمل ويفصل , فلذا لا بأس من أن نفصل _افتراضيا_ بين تلك الاوجه , فنتكلم عن الحق وكأنه موضوع منفرد , لأننا نريد من كل هذا أن نقترب من ذلك الموضوع الكلي بعد هذه الفرضيات والتي تعد نظريات بالنسبة للعقل _بداية_ , وفرضيات بالنسبة للواقع .

        فنريد أن نسأل أنفسنا أي عقولنا ما هو الحق ؟

        أليست أحد معاني الحق هي أنه ذلك الوعاء الذي يعي واقع الموجودات وكمالها , فأما واقعها فهو صدقها من كذبها , وأما كمالها فهو خيرها من شرها , فتارة نجد الحق هو الواقع ويقابله الزيف والوهم , وتارة نجد الحق _أي في أذهان الناس واستعمالهم لهذه الكلمة_  هو الخير أو الشيء الحسن النافع , وما يقابله هو الباطل .

       اذن فالآن استطعنا من هذا التفصيل أن نعي الإجمال أكثر من السابق , فقد قلنا بأن الوجود والكمال والحق هي أوجه لمفهوم أو موضوع واحد , والآن بعد أن اخذنا نموذجا منها _وهو الحق_ رأينا قد أنه أحد الرؤوس الثلاثة للمثلث _الافتراضي_ وله ضلعان أحدهما يتصل بالوجود والآخر يتصل بالكمال (ولا نريد أن ننتقل لقضيتي الوجود والكمال لأننا بصدد الكلام عن المبادئ) .

      اذن فالحق كما قلنا هو ما يعي وجود الموجودات وكمالاتها جميعا .

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ المبادئ أوعية

          عندما سوف نتكلم عن المبادئ فإننا قد جعلناها داخلة في إطار الحق , إذن فالمفاهيم الباطلة لا يرتبط بها كلامنا التالي .

        الحق هو ما يعي وجود الموجودات وكمالاتها , وهذا شيء إجمالي وكلي إلى درجة عالية , أما العقل فهو عند الإنسان , والإنسان مخلوق مادي يتعامل مع الموجودات وكمالاتها بالتفصيل , إذن الإنسان _لمراحل عديدة_ لا يستطيع أن يحمل في حياته مبدأ واحدا وهو المذكور أعلاه "ما يعي وج..." , إنه يحتاج إلى الحق بالتفصيل , وهذا التفصيل نسميه المبادئ .

       إذن فنحن الذين نتعامل مع الحياة , نحتاج أن نعي الحياة من خلال المبادئ , نحتاج أن نتصل بالحق شيئا فشيئا , نحتاج أن نقترب من الحقيقة , ونحيط بتفاصيل الحياة وجزئياتها , وبعد ذلك أن نعرف الكمالات بالمبادئ , فتساعدنا أن نكتمل وندرك تلك الكمالات ؛ فأن نعي الحق شيء ضروري , لكن لا نتوقف كثيرا على شيء من التفاصيل , وإنما علينا أن نستمر لنقترب من الحق .

       إن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يعلمنا أن لا ندرك شيئا من الحياة بأحاسيسنا أن ولدينا مبادئا حقة تعي الأمور المحسوسة , فقد قال (ع) : " ما رأيت شيئا إلا ورأيت الله قبله وفيه وبعده" , هكذا يقوم ذلك الرجل العظيم بتوحيد الحياة والخلاص من التشتت , والشرك , والاضطراب الباطني الذي ينتج عن عدم وجود المبدأ الذي يعي المحسوس .

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ السلام الباطني

        هنالك رابطة بين العقل والقلب (وهو كناية عن الباطن) , إن غاية القلب هي الطمأنينة والسكون , وغاية العقل هي رقي الإدراك والإحاطة بالكليات , إن القلب هو الإحساس الباطني الكلي تجاه الحياة , وبما أن الإنسان هو وجود باحث (وليس ساع) عن الكمال , إذن فالقلب يحتاج لأن لا يحصل تصور أو تصديق لشيء مجهول العلاقة بالكمال , فهذا هو منشأ الاضطراب , ومانع السلام , والجهل لا يقطع إلا بحركة العقل نحو المبدأ الذي يعي المجهول , وهذه أول خطوة نحو السلام القلبي .

       وبعد أن عرف القلب ماذا يوجد في هذا المكان المظلم من خلال المبادئ الحقة , إلا أنه لم يعرف بعد هل كل ما موجود في هذا المكان يتعلق بالكمال ؛ بعبارة أخرى يحتاج إلى وحدة المبادئ .

        السبب هو لأن وحدة المبادئ يعني وحدة الحق , ووحدة الحق تعني وحدته مع الكمال والوجود , فبالتالي بلغ القلب ضالته وهي الكمال .

        إذن فالإنسان بأمس الحاجة إلى وحدة المبادئ لتحقيق السلام الباطني , ولنقولها بصراحة الإنسان بحاجة إلى التوحيد .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحور الخامس/ مصنع المبادئ

 

مصنع المبادئ .

 

الحجر الأول في صرح المبادئ .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مصنع المبادئ

       إن المبادئ التي تتولد عند كل إنسان لديها مصنعا خاصا , هذا المصنع مادته الخام هي علاقته بتعامل الفرد مع الأمور التي يتطلع إليها , وتجاربه على طريق الوصول لأهدافه , فالإنسان له آلاف التجارب لكنه لا يتذكر منها إلا ما تعلق باهتماماته .

        قد يكون الفرد سالكا باتجاه الحصول على المال , فيكون مصنع مبادئه هو المال , وقد يكون الإنسان سالكا باتجاه المحبة والصداقة فتكون مبادئه مصنوعة بمصنع الاجتماعيات ومهارات الحياة . وهكذا .

       أما السالك نحو الله تعالى , فإنه في نفس الوقت يسلك نحو الحق ونحو الكمال , إذن فمصنعه لن ينتج المبادئ العرفانية والدينية فقط , وإنما سوف ينتج شتى أنواع المبادئ المتعلقة بالحق وبالكمال وبالوجود , وهذه هي من ميز مصنع المبادئ عند السالكين نحو الله تعالى .

       إن الإسلام يعتبر التوحيد هو الأصل الأول من أصول المبادئ الإسلامية , وهذا يعبر عن فكرة مصنع المبادئ .

 

 

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ الحجر الأول في صرح المبادئ

إن الله تعالى قد جعل المبدأ الأول الذي يأخذ به الفرد الذي يطلب الإسلام هو "لا إله إلا الله" , فمن مصاديق أهمية التوحيد ما ذكرناه مسبقا من ضرورة توحيد المبادئ , والنظر إلى الوجود بمنظار موحد , بالإضافة إلى أسباب أخرى جعلت التوحيد بهذه الأهمية .

إذن فينبغي أن يجعل الإنسان توحيد الخالق هو الحجر الأول لصرح مبادئه , لأن صرح المبادئ لن يرقى ولن يرتفع إلى الأعلى إلا بتوحيد الجزئيات الكثيرة إلى كليات موحَدة ؛ ولذا تجد العلماء الذين وصلوا إلى درجات عالية من الرقي العلمي من خلال بلوغ الكليات الكبيرة الواسعة يصلون إلى مرحلة ما فيعترفون بوجود الخالق الواحد , مثل اينشتاين الذي أخذت عقليته الفذة تعي أفكار كونية شاملة , كفكرة النظام الكوني الموحد , فببلوغه هذه الكليات العالية اعترف بوجود المنظم الواحد وهو الله جل وعلا . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .     


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق