]]>
خواطر :
اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

انها تحلم!

بواسطة: محمود فنون  |  بتاريخ: 2012-09-04 ، الوقت: 10:04:48
  • تقييم المقالة:

 

انها تحلم!   محمود فنون  المحور: الادب والفن          جائت بنتها اليها , هي في السابعة والثلاثين من عمرها, جائت مبتسمة على غير عادتها حينما تبصر امها بعينيها .. انها والام ما ان يقع بصرهما على بعضهما حتى تتفجر ينابيع الدموع من عيونهما ,وتأخذ الام تشهق وبالكاد تجد هواءا يدخل الى رئتيها ,وترتخي يداها وتشعر وكأن الموت يدهمها .. انها في الثامنة والسبعون ,ولكنها لا تزال تذكر لحظة ولادتها وكأنها اليوم,هي ليس البكر ,هي البطن الخامس ,فقد تعطلت ولادتها لبضع سنين" ثم جائت ارادة الله واعادت القدرة على انتاج الحياة الى رحمها ",والا لكانت ابنتها هذه رقم ثمانية ربما .انها ام ولود ,بل تحب الانجاب . جائتها هذه المرة مبتسمة ..ابتسامتها مشوبة بالحزن , فمها يفتر عن البسمة ,ولكنها مغالبة بدرجة مكينة من الاكفهرار . تحير وجه الام ,فلا اغرورقت عيناها بالدمع ولا هي شاركت ابنتها البسمة المشبوبة بالحزن, الساكن عميقا في القلوب .. وفي محاولة لازالة حيرة امها ,اخذت تؤشر بيدها صوب الشمال ,ولكن لسانها علق في حلقها مع درجة عالية من جفاف الريق ,وتقلصت ابتسامتها قليلا واصبحت اقرب الى الجمود,كأنها تبتسم تكلفا للصورة.. ولكن قلبها يدق يكاد يعبر عن قليل من الأمل ..عن قليل من التفاؤل الحالم ..الذي تولد عن شوق متصاعد ينمو بكثافة في اعماقها ..ينمو بما يملأ قلوب نساء الارض جميعا .  الامل؟ ..التفاؤل؟..الامل ؟..الشوق ؟ ايهما يضرب جذوره عميقا عميقا في نفس الام الفلسطينية؟ الاخت ..البنت ..العمة ..الخالة؟ ان الشوق هو نتاج الحب ,هونتاج الرغبة الحارة في نفس المحب للقاء حبيبه البعيد ..في حالة من انقطاع التواصل بأشكاله جميعها, مما يرسم على الوجه مسحة راسخة من الحزن الآدمي , فيجعل خروج البسمة وكأنها مقتلعة من دخيلة الانسان ,وكانه يخجل من نفسه اذا ارتسم على سحنته المتألمة شيء غير الالم الساكن في الاعماق. سنوات وسنوات من الحزن والالم والشوق ,وبحار من الصبر تتولد من مساحة صغيرة صغيرة من الامل. مساحة تتولد من صورة النقيض الجميل لواقعنا ,نقيضا نعيشه حلما في يقظتنا, نعيشه نفسيا بخيالنا ,بل نصنعه ,ونصنع كل خيوطه وننسجه عالما آخر .. عالم يفيض بانهار من خمر ومن عسل لذة للشاربين, في جنات تجري من تحتها الانهار ,ومساكن شامخة للساكنين, قدر شموخ الروح الفلسطينية ... شوارع فسيحة تحمل اسماء الشهداء جميعا في عالم الكفاية هذا, المتحرر من كل قيد ,المتحرر من الغربة وفراق الاحبة,المحاط بظلال الاشجار الباسقة, لذيذة الثمر, ناعمة الهواء , تفوح منها روائح عطرة و اجواء سحرية, تعمق الحب وتقوي روابط الانسان بالانسان وتمسح الحزن عن ارواح امهات المناضلين ..امهات الشهداء والمعتقلين ,الشامخات فخرا واعتزازا بتضحياتهن وذكرى ابنائهن العطرة,الصابرات ,المحتسبات ,الرافعات رؤوسهن .. قلبها يدق يكاد يعبر عن قليل من الفرح ,ولكن كيف تستطيع ان تقدم ما اتت به راكضة لأمها ,وقد انعقل لسانها وجف حلقها حالما شاهدتها وتلاقت بينهما العيون ؟ لقد تخيلت طاحونة هائلة تدور عكس عقارب الساعة ,وجائت هي لتديرها مع عقارب الساعة .. هي جائت راكضة بغير حساب ,كل ما دفق من فكرها حالما سمعت بالخبر ,ان تبشر به امها العطوف المشتهية ..ولكنها لم تفطن انها بحاجة لتجلو تركيما راسخا من صدأ قلبها اولا ,كي يتراقص القلب قليلا بنشوة الحلم باللقاء.. - ما الذي يجري يا بنيتي ؟لقد حيرت قلبي .ثم تدفقت الدموع ساخنة على وجنتيها المتغضنتين . - سوف ترينه اخيرا ..لا تبكي يا امي .واحتضنت امها وجرت من عينيها انهارا ساخنة من الدمع ,وأخذت تقبل امها بحرارة ودموعهما تختلطان.  - ماذا ؟كيف؟ من؟ ما تقولين ؟لقد اختلط عليها السؤال ,وقد خطر ببالها اشياء كثيرة ,ولها ابناء في الغربة وفي السجن .ثم ما الذي ستراه ؟مستبعدة التفكير بزيارة السجين لطول امد القطيعة والحرمان . - يحيى يا امي سترين يحيى ..يحيى.. - يحيى؟! من؟ يحي..يح..كيف..كي ؟هل سيفرجوا عنه ؟ ازداد الامر تعقيدا على الابنة .لقد جاءت لتنقل بشرى ,نعم بشرى ,وبشرى غالية ,ولكن الام صعبت عليها الامور ,ان الامر يتعلق بالزيارة وليس بالافراج .لكن قلب الام قفز مع سماع الاسم ليس الى الزيارة بل الى.. - لقد سمحوا بالزّ..يا..رة تنهدت الام ,وحاولت لملمة نفسها ثانية .. ان قلبها مليء بالشوق ليحيى ولغير يحيى ,ومليء بألم الفراق ,بالأضافة لكل اشكال المعاناة في قطاع غزة ,وبسبب انسداد الافق لامرأة في نهاية العقد الثامن ,قضت عمرها تحلم بالعودة الى مسقط رأسها الذي لم يبارح خيالها قط . *** في ليلة العرس كانت صور القرية تتداخل مع جماليات العشق وخيالاته. - هل تذكر يوم لحقت بي الى البئر وطلبت مني شربة ماء ؟ - قلت لي اشرب .ها هي البيارة امامك .ولكني لحظت انك ادرت وجهك عني بطريقة لعوب . - كنا صغارا .. ثم اردفت بدلال: كنت اعلم انك تتقاتل مع الاولاد بسببي ..ليتنا هناك..ليت.. تذكرت ذلك وتذكرت يوم ولدت يحيى ,وتسلسلت الافكار والاحداث في رأسها الموضوع على كتف ابنتها.. حتى يوم انتزعوا يحياها من احشاء احشائها ,وساقوه معتقلا,الى حيث لا تعلم, بل ولم تعد تراه منذ لحظتها . يوما يوما انقضت السنون وساعة ساعة انقضت الايام ."اسألو اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون" . رفعت رأسها عن كتف ابنتها التي لم تعد تدري ماذا تفعل او تقول ,وامسكت بوجهها بكلتا يديها الاثنتين ضاغطة نصف ضغطة ,ومسلطة عينيها في عينيها الاثنتين . - قولي ..ماذا قلت؟..ماذا عن(وتهدج صوتها) يحيي ؟ - اهدأي يا حبيبتي ..اهدأي .لقد سمحوا بزيارة المساجين من القطاع.وقد صدر قرارهم بذلك ..سترينه قريبا ..وأول الغيث قطرة ..وهذه درجة اولى ..سيأتي بعدها الإفرا.. - متى ؟متى يا حبيبتي .واخذت تلثم ابنتها في فمها وتضغطها الى احضانها وتتلذذ بها مستبشرة ,وقلبها كمروحة ابتدأت الدوران ببطء ثم عادت وتوقفت.. - لا امان لهم ..لا اصدق ذلك ..انهم ينكثون وعودهم ..ربما يتراجعون في اللحظة الاخيرة ..ان قلبي المنكوس لم يتفائل يا بنيتي ..ودائما تنتابني الحسرة لانني قد اموت قبل ان اكحل عيناي بمرآه الحبيب . - سترينه ..لن ينكثوا..لقد توسطت المخابرات المصرية .. - وما شأن المخابرات المصرية في الوساطة .. فليحمنا الله من هذه الوساطة ..بعد ان كانت مصر ام الدنيا ,صارت اليوم تتوسط بيننا وبين اسرائيل! . - لا مصر ولا غيرها ..ان اضرابات المعتقلين ونضالاتهم هي التي نجحت في الوصول الى اتفاق بين المعتقلين وسلطات الاحتلال .لم يكن دور المخابرات المصرية اساسيا ,كان بريدا. - المهم ..ما أخبار الزيارة ..متى ..وماذا عليّ ان اعمل؟هل نقوم بالتسجيل في الصليب الاحمر كالعادة؟ ****  تداخلت الاسئلة في رأسها واستذكرت كل مراحل حياتها .. كانت تسير الهوينا في الطريق ..كانت تحلم وهي تمشي فوق الرمال بتثاقل بائن .. من ينظر في وجهها يتسلل اليه شيء من حزنها والمها المتلازمين ..لم يبق وقت طويل للولادة ..كانت خائفة ..لم تكن هذه ولادتها الاولى بل انها ولاّدة ..كانت تحلم بأنه يسير الى جانبها ويسندها كلما تمايلت على الرمل ..تتخيله من شدة اهتمامه بها وحرصه عليها وهما يسيران جنبا الى جنب ,فيظنها تميل الى السقوط ,فتشعر بانقباضة قلبه من الخوف عليها فيسندها يكاد يحملها ,بل يكاد يلصقها بجسده ليكونا قطعة واحدة...تسللت ابتسامة فرحة الى تقاطيع وجهها الجامدة قطعتها صرخة الم حادة تلتها صرخة اخرى ثم صرخات متصلة .. لم تكن بعيدة عن غرفة الزينكو التي تقطن فيها هي وما فرخّته من كائنات حية .. تجمعت الجارات على صراخها الذي يزلزل الارض من شدته ..هدأت قليلا .. -انها الولادة ..اخشى انها اتت قبل اوانها ..بقي لي اكثر من اسبوع قالت بحزن  - ستلدين بخير ..انت قوية ..ربما هناك خطأ في الحساب .. - حماتي ليست في غرفتهم ..فقد شاهدتها تخرج ..هي التي اشرفت على ولادتي في المرات السابقة .. - لا يهم ,فأم سليم قابلة ماهرة. يقال انها تعلمت في مستشفى في مصر, وقد اشرفت على ولادة نساء كثيرات ..اذهبي واخبريها يا خالة .طلبت واحدة من شابة صغيرة . دخلت من باب الزينكو واستلقت على ظهرها ,وبالكاد اغمضت عينيها طلبا للراحة ..تخيلته يطرق الباب..  - كيف اتيت ..كيف عرفت ؟ - لقد شعرت بتقلصات مؤلمة في بطني ..انت حبيبتي ..ادركت انك تتألمين ..اقسمت ان احضر ولادتك فاغمضت عيني وفتحتهما واذا بي امام باب دارنا واطرقه تأدبا و.. - حبيبي انت ..كنت اتمنى واتمنى ان تكون بجانبي بل تخيلتك بجانبي .. - اني دائما بجانبك . ولكنك ..آه..آه انت ...لم تكن ..معي ..الجارات هن..امسكن بي .. - ماذا تقولين يا امرأة ؟سألت احداهن  - يا ويلي عليها فهي تهلوس من شدة الالم . فتحت عينيها ثم اكفهر وجهها ,وأخذت تتلفت هنا وهناك ,ثم عاجلها المخاض والصراخ ساعة من الزمن او يزيد قبل ان تهدأ وكأن شيئا لم يكن . - مبروك ..هذا يحيى.قالت حماتها وقد حضرت الولادة وساعدت أم سليم. - الله يبارك فيك ولك انت ايضا , فأنت قلت بأنك تشتهين ولدا ويكون على اسم جده المجاهد ... رحمة الله عليه ومثواه الجنة .. كانت تتذكره جيدا فهو قد فارق الحياة قبل بضع سنوات . قالت زوجته :انه يموت من الحسرات ..انه يموت خارج بيته ولم تفارق ساحة دارهم المغتصبة خياله أبدا..قال بأنه ما حلم في ليله مرة واحدة قط الآّ ويرى نفسه في قريته لم يغادرها ابدا.كانت العودة حلمه الأبدي, بل زاده اليومي.. بعد حرب 1967م وبعد ان اشتدت المقاومة الفلسطينية ضد اليهود ,شعر بفرح غامر وزاد تفاؤله بشكل واضح ولكن هذا التفاؤل كان مشوبا بقلق وحيرة ..فقد شعر بمثل هذا قبيل الحرب ولملم بعضا من اغراضه ,واشترى فأسا أعجبته ,واشترى انواعا من التقاوي ... ولكنه كان يقول:"قالوا لن يكون لنا نصر الا ّتحت راية لا اله الاّ اللّه,فهل يعقل ان ننتصر على يد هؤلاء ..ولكنهم ابطال ويقاتلون ,والعدو يحسب حسابهم !" كثيرون كانو يثيرون نقاشا حادا وجدلا متصلا ..بعضهم يقول:" النصر من عند الله ولا يعطيه الا لعباده الصالحين ,الذين يرفعون القرآن .. هكذا قال الامام. وبعضهم يقول :"انه لا يجوز لنا ان نقاتل الاّ تحت راية الاسلام وبقيادة الخليفة المسلم امير المؤمنين.. وآخر يقول:"كيف ننتصر ولا زالت الاندلس تحت حكم على غير ملّة الاسلام ,وان تحريرها فرض عين على كل مسلم ومسلمة  وآخر يقول :"ان موتى هؤلاء الذين يدّعون التحرير ليسوا شهداء بل فطايس..كيف يسلّم نفسه للموت دون ان يكون تحت راية لا اله الاّ الله .. وآخر يقول :"قبل ان يعم الدين والصحوة الدينية لن ينطق الشجر والحجر ويقول" يا مسلم ورائي يهودي" ,وهذا لا يكون قبل ان يخرس البارود ويعود حرب السيف .. ويجادلهم آخرون بعقم هذه الافكار واستحالة ان يعود القتال بالسيف ..حتى ان احدهم قال بان الشجر والحجر لن ينطقا ابدا وانما الكلاشن كوف هو الذي ينطق ,وهو الذي سوف يجبر اليهود على لملمة متعلقاتهم والرحيل ..  والبعض كان يدعمون فصائل المقاومة ,وآخرون يقفون على الحياد .. تذكرت كل هذا وقالت في نفسها :"لقد جائت مرحلة الدين والقتال تحت راية لا اله الا الله ولم ننتصر كذلك ,هل هناك راية أخرى لله سبحانه وتعالى؟ انني ارى قيادات تنشأ من العدم وتكبر ,بينما نحن نتراجع, ويقتل الامل والحلم في قلوبنا ,,هؤلاء الزعماء .. لا يصلحون" وتذكرت ما كان يقول والدها يوم رحلوا من البلاد"القيادات خانتنا ,والله ماكانوا على مستوى القضية ,بينما كنا نغني لهم وكأن الغناء والهتاف باسمهم نوع من العبادة .. كنت اعتقد ان عمق الوفاء لهم يعطيهم قوة وصلابة ,ولم أكن اعلم انهم يسيرون على ارجل من قش ..اما ملوك العرب فقد صدق الشاعر الشعبي الذي قال فيهم : ظنيت النا ملوك تمشي وراها رجال  تخسى الملوك ان كان هيك الملوك أنذال  والله تيجانهم ما يصلحولنا نعال .." وتفائل بشكل هائل قبيل حرب عام 1967 م ثم وبعد الحرب انعقل لسانه ولم يكن ينطق كثيرا سوى انه كان يخاطب شخصا آخر يدعوه للذهاب للحصاد قبل "السّموم ". هي لم تتذكر ! هي لم تنس شيئا ابدا ..ان كل تفاصيل عمرها حاضرة في مخيلتها . كان ابنها البكر مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وكانت اخته الاصغر تتعاطف معه فانساقت الام داعية لهم بالتوفيق .وكان واحد من اخوتها مع قوات التحرير الشعبية والآخر مع حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح .وتقسم ابناء الحارة على هذه الفرق الوطنية ,واغلبهم مع الجبهة ,وكان قد ارتفع صيتها ودعايتها بفعل نجاح العديد من العمليات العسكرية ضد الاحتلال وبفعل مناصرة العديد من رجالات المجتمع الغزي لها ,ولأنها امتداد لحركة القوميين العرب التي كانت تحظى بشعبية واسعة قبل الاحتلال اصلا ,وقد ذكّرتها بنتها مرة بأنه ظهر لهم رموز متميزون . وقد تميزت في نهاية ستينات القرن الماضي وبداية السبعينات بنشاطها العسكري الكثيف هي وفتح مما اقلق الاحتلال نوعا ما قبل ان يتسلم شارون ادارة القطاع,وكانت قوات التحرير الشعبية قد صفيت تماما والتحق كادراتها في السجون بحركة فتح . هي تذكركل ذلك وقد وعته اكثر فأكثر مع مرور الزمن ,وتتذكر الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987 ,وظهور حركة المقاومة الاسلامية حماس .يومها قالت لها ابنتها ببرود: "هاهم تحولوا من المجمّع الى المقاومة.."  فردت عليها :"يعني ستكون مقاومة باسم الاسلام ..." سمعهم قريب لهم ورفع صوته بافتخار : "بل قولي ها هو الاسلام يتسلم الراية ,وقد قرب الوعيد ,وسوف ينطق الشجر والحجر ويقول يا مسلم ورائي يهودي تعال فاقتله.. ان النصر قريب ..وتحرير كل فلسطين سيكون على ايدي هؤلاء ..انهم مخلصون ولن يتنازلوا عن شبر واحد من فلسطين .." "لا تسمعي هذا الكلام يا امي فهذه تخاريف .ان الشجر والحجر لا ينطقان ." وقد جلسن بعد بضع سنوات واستعدن ذكريات مثل هذا اليوم ,حيث لم يتحرر شبر واحد من فلسطين لا على ايدي هؤلاء ولا على ايدي اولئك..ولم يعد التنازل عن اراضي 1948 مقصورا على قيادة المنظمة .." لقد استعادت بناء كل تجربتها الماضية وبأدق التفاصيل وتذكرت يوم اعتقل ابنها تحت عنوان تحرير فلسطين وعودة اللاجئين ولكن يا حسرة .. وفجأة شعرت بوخزة خفيفة في صدرها .. ***  ستذهب لزيارته اذن ..ستذهب وهي تحمل ما يثاقل العالم من الاشواق والحنين لفلذة كبدها ,ولكن فكرها قد تشوش الى حد بعيد .لقد أخذ ينتابها شيء كما لو كانت في وضع مأساوي ..ان روحها قد تمزقت ..تضحيات وراء تضحيات ..بطولات يتبعها بطولات ..وحلم العودة وبرغم من عمقه وتجذره الا انه أخذ يتكلس في روحها .. "لا بد ان ينجلي الصدأ"قالت في نفسها "ولكن متى يظهر الناس الذين ..." نادت على ابنتها وأدخلتها فورا في تفاعلاتها النفسية كما لو كانت اصلا تتحدث بصوت مسموع . "ما العمل ..جدك ..ابوك..اخوتك..اخوالك .. ورايات سوداء وحمراء وخضراء وكل الوان قوس قزح ..وكل هذا لم ينفع مع هؤلاء الملاعين ..كل ما قدمنا من تضحيات وتكسرت الرايات ولم يبق سوى الزعماء حفظهم الله وهم بصحة جيدة ..كيف؟ لماذا ؟ ما الذي جرى؟ ..وفوق كل هذا قسّموا الوطن بينهم بدون حياء وكأن البلاد محررة .." تفاجئت البنت ولكنها لم تندرج معها في الحديث .. ***  قرب اليوم .. ازف الليل.. اقتربت الساعة .. هي لم يغمض لها جفن ..انها تعيش معه لحظة بلحظة ..هي لا تريد ان تغمض عينيها ..هي تراه امامها ..هي تتحسّسه .وتخيلت كما لو سمحوا لها ان تلقاه بدون شبك الزيارة فضمته الى صدرها المشتاق بلوعة وحزن ولهفة ,دمعت عيناها ... مسحت دموعها ... دفنت رأسها تحت اللحاف بالرغم من الحر الشديد والرطوبة العالية , كي تعيش لحظاتها بسرية تامة ..ودون ان يراها احد فيقطع عليها خلوتها الحبيبة ولقائها الحبيب.. احتضنته ونامت والبسمة مشرقة على وجهها ...وعندما احضروا لها الطبيب ليكشف عليها قال في نفسه" انها تحلم !هذا الفلسطيني يعيش حلمه حيا وميتا!..وغطى وجهها ..
... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق