]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

نطح الهواء ليس من العقل في شيء

بواسطة: جمال الظاهري  |  بتاريخ: 2011-07-27 ، الوقت: 15:51:04
  • تقييم المقالة:

 نطح الهواء ليس من العقل في شيء

 

 

المصائب والكوارث نوعان منها ماهو من فعل القدرة الالهية وهذا النوع ليس للانسان فيها يد أو دخل -كما أنه ليس موضوع هذا المقال-، ومنها ما هو نتيجة للأفعال التي يقوم بها الانسان بعلم أو دون علم، - وهذا هو بيت القصيد الذي سأتعرض له في هذه المقالة وبشيء من الايجاز الذي لابد منه.

 

وهنا اشدد على أهمية أن يعي الانسان أنه هو محور وجود هذا الكون المسخر لخدمته، وأنه في المقابل المسئول الأول تجاه تعميره، وأن ما ينتج عن نشاط هذا الانسان خيراً كان أو شراً لا يبرر له أن يرد هذه النتائج على أنها بفعل القدر المحتوم، فمن غير المنطقي أن يقول أحد أيا كان أن نتائج أفعال الانسان قضاء وقدر، أو أنها من إرادة السماء كي يبرئ ساحته، فكوارث الفعل البشري لا تأتي من تلقاء نفسها وإنما يعمد الانسان نفسه إلى فعلها أو التأثير على بواعثها.

 

ولأن الخالق عز وجل يعلم بالقدرات التي أوجدها للانسان (العقل) ومدى ما يمكن أن تفعله خلق له عقلاً يدله وينير له الطريق كي يعي ما يقدم عليه ويستخلص العبر ممن سبقوه ويتحرى في العواقب والاضرار التي قد يلحقها بنفسه وبغيره عندما يعمد إلى فعل يجافي العقل ويخالف قواعد السلوك المنطقي، فحتى الأمور العقائدية والتعبدية يلزم اعمال العقل فيها لهذا اعفي المجنون من نتائج أفعاله، ومن أداء الطقوس التعبدية والزم العاقل بالحساب وبتحمل العواقب والنتائج التي يكون هو سببها.

 

وليس هناك مجال للمغالطة أو للتنصل، مما يرتكبه الشخص أياً كان موقعه أو مكانته للتهرب من نتائج ما يقوم به أو يساعد على وقوعه وعليه أن يتحمل تبعات ذلك ولا يحاول تبرئة ساحته متعللاً بعلل واهية أقل ما يقال عنها أنها مغالطات، عبر إدعاء مسببات للحدث منسوبة لغيره، فالقاعدة المسلم بها أن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار ومضاد له في الاتجاه، وما نكابده هذه الأيام ليس بخاف على أحد وما يمر به اليمن ينبئ بعواقب لا تحمد عقباها إذا ما استمرينا في الشطح والمناطحة للهواء، لماذا هذا كله وبالامكان أن نعمل عقولنا ونستخدمها وفقاً لما هو عليه واقع الحال ويتوافق مع ما يمكن وترك ما لا يمكن كي نتجنب الخسارة والدمار، ونحافظ على شعبنا وطننا.

 

 فالعقل‭ ‬زينه‭ ‬المرء ‬وبه‭ ‬تعمر‭ ‬الدنيا‭ ‬وتسود‭ ‬المحبة‭ ‬وبالعقل‭ ‬يشرق‭ ‬مقام‭ ‬ويعلو‭ ‬شأنه‭ ‬لهذا‭ ‬اختص‭ ‬الله‭ ‬الإنسان‭ ‬بالعقل‭ ‬دون‭ ‬سائر‭ ‬المخلوقات،‭ ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬كان‭ ‬العقل‭ ‬هو‭ ‬محور‭ ‬التكليف‭ ‬الإلهي‭ ‬للإنسان‭ ‬في‭ ‬تعمير‭ ‬الأرض‭ ‬فمن‭ ‬استعمله‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬وجد‭ ‬لأجله‭ ‬نال‭ ‬الثواب‭ ‬والأجر‭ ‬ومن‭ ‬سخره‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬أهوائه‭ ‬ونزعاته‭ ‬التي‭ ‬تجلب‭ ‬الخراب‭ ‬والدمار‭ ‬جوزي‭ ‬بسخط‭ ‬الواهب‭ ‬وابتلي‭ ‬بعواقب‭ ‬أفعاله‭ ‬والكيس‭ ‬الفطن‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يستعمله‭ ‬في‭ ‬مرضاة‭ ‬الله‭ ‬وخدمة‭ ‬طموحاته‭ ‬وتطلعاته‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يجلب‭ ‬على‭ ‬صاحبه‭ ‬خطيئة‭ ‬أو‭ ‬أثماً‭ ‬أو‭ ‬يوقعه‭ ‬في‭ ‬معصيه‭ ‬تغضب‭ ‬الرب‭ ‬وتؤذي‭ ‬العباد‭ .‬

 

يقول‭ ‬الشاعر‭:‬

 

يعد‭ ‬عظيم‭ ‬القدر‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬عاقلاً

 

وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬في‭ ‬عقله‭ ‬بحسب

 

وإن‭ ‬حل‭ ‬أرضاً‭ ‬عاش‭ ‬فيها‭ ‬بعقله‭ ‬

 

وما‭ ‬عاقل‭ ‬في‭ ‬بلدة بغريب

 

ويقول‭ ‬الأمام‭ ‬علي بن أبي طالب‭:‬

 

وأفضل‭ ‬قسم‭ ‬الله‭ ‬للمرء ‬عقله‭ ‬

 

فليس‭ ‬من‭ ‬الخيرات‭ ‬شيء‭ ‬يقاربه

 

يعيش‭ ‬الفتى‭ ‬في‭ ‬الناس‭ ‬بالعقل‭ ‬أنه

 

على‭ ‬العقل‭ ‬يجري‭ ‬علمه‭ ‬وتجاربه

 

يزين‭ ‬الفتى‭ ‬في‭ ‬الناس‭ ‬صحة‭ ‬عقله

 

وإن‭ ‬كان‭ ‬محظوراً‭ ‬عليه‭ ‬مكاسيه

 

يشين‭ ‬الفتى‭ ‬في‭ ‬الناس‭ ‬قلة‭ ‬عقله

 

وإن‭ ‬كرمت‭ ‬أعراقه‭ ‬ومناسبه

 

والعاقل‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬مناصرة‭ ‬المريدين‭ ‬والمؤيدين‭ ‬ويبني‭ ‬عليها‭ ‬آماله‭ ‬وطموحاته، دون أن يعمل عقله ويرى بفطنته عواقب ما يسعى إليه، ‬لأنه‭ ‬لكل‭ ‬إنسان‭ ‬حدود‭ ‬في‭ ‬المناصرة‭ ‬والتأييد‭ ‬والتضامن‭ ‬مع‭ ‬غيره،‭ ‬ومداً‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يبذلونه‭ ‬ويضحون‭ ‬به‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬تجاوزه،‭ ‬والإنسان‭ ‬العاقل‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬لكل‭ ‬شيء‭ ‬نهاية‭ ‬وأن‭ ‬الحكمة‭ ‬تقتضي‭ ‬عدم‭ ‬الاتكال‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬لدى‭ ‬الغير‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التحمل‭ ‬والصبر،‭ ‬لهذا‭ ‬فهو‭ ‬يحسب‭ ‬لكل‭ ‬أمر‭ ‬بحيث‭ ‬أنه‭ ‬يطمح‭ ‬في‭ ‬حدود‭ ‬الممكن،‭ ‬ويعول‭ ‬على‭ ‬كيفية‭ ‬استغلال‭ ‬المتاح‭ ‬ليتجنب‭ ‬الخذلان‭ .‬

 

ولأن الهوى‭ ‬نقيض‭ ‬العقل‭ ‬ومفتاح‭ ‬كل كبوة‭ ‬ومصيبة‭ ‬وضرر‭ ‬يلحق‭ ‬بالإنسان‭ ‬في‭ ‬دينه‭ ‬ودنياه، يقول الشاعر في ذلك:

 

 ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أجبت‭ ‬النفس‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دعوة‭ ‬

 

دعتك‭ ‬إلى‭ ‬الأمر‭ ‬القبيح ‬المحرم‭

 

 ‬وينسب‭ ‬إلى‭ ‬الفضل‭ ‬بن‭ ‬العباس‭ ‬قوله:

 

‭ ‬لقد‭ ‬ترفع‭ ‬الأيام‭ ‬من‭ ‬كان‭ ‬جاهلاً‭ ‬

 

ويردي‭ ‬الهوى‭ ‬ذا‭ ‬الرأي‭ ‬وهو‭ ‬لبيب‭ 

 

لهذا قيل أن ‬عداوة‭ ‬العاقل‭ ‬أسلم‭ ‬من‭ ‬صداقة‭ ‬الأحمق‭ ‬والجاهل،‭ ‬وهذا‭ ‬القول‭ ‬من‭ ‬المسلمات‭ ‬التي‭ ‬تعارف‭ ‬عليها‭ ‬البشر‭ ‬واختبرها‭ ‬من‭ ‬عُمر‭ ،‬لأن‭ ‬العاقل‭ ‬لا‭ ‬يخاصم‭ ‬ولا‭ ‬يقوده‭  ‬هواه‭ ‬إلى‭ ‬العداء‭ ‬دون‭ ‬حجة‭ ‬مقنعة‭ ‬وسبب‭ ‬وجيه، ‬فيما‭ ‬أن‭ ‬الأحمق‭ ‬الجاهل‭ ‬سريع‭ ‬الغضب‭ ‬كثير‭ ‬التوتر‭ ‬مندفع‭ ‬إلى‭ ‬المصيبة‭ ‬فرح‭ ‬بالمكيدة‭ ‬مخادع‭ ‬وفاجر‭ ‬لا‭ ‬يرعى‭ ‬الأخوة‭ ‬ولا‭ ‬يتحرز‭ ‬من‭ ‬الوقيعة‭.‬

 

ولما للعقل من الأهمية التي يعول عليها ‬يقال:‭ ‬«شهادة‭ ‬العقول‭ ‬اصح‭ ‬من‭ ‬شهادة‭ ‬العدول»‭ ‬ويرجى‭ ‬من‭ ‬العاقل‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يرجى‭ ‬من‭ ‬الجاهل، ‬فالعاقل‭ ‬إن‭ ‬خاصم‭ ‬لا‭ ‬يفجر‭ ‬وإن‭ ‬عاهد‭ ‬لا‭ ‬ينكث‭  ‬وإن‭ ‬تملك‭ ‬عدل‭ ‬وإن‭ ‬استقوى‭ ‬غض‭ ‬وإن‭ ‬اغتنى‭ ‬بذل‭ ‬وإن‭ ‬استفز‭ ‬صبر‭ ‬وإن‭ ‬انفق‭  ‬لا‭ ‬يمن‭ ‬فيما‭ ‬الجاهل‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬ذلك‭.‬

 

كما‭ ‬أن‭ ‬العاقل‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬عواقب‭ ‬الأفعال‭ ‬قبل‭ ‬الاقدام‭ ‬عليها‭  ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬يقول‭ ‬الشاعر‭:‬

 

لا‭ ‬تغترر‭ ‬بعيون‭ ‬ينظرون‭ ‬بها‭ ‬

 

‭‬فإنما‭ ‬هي‭ ‬أحداقٌ‭ ‬وأجفانُ

 

كم‭ ‬مقلة‭ ‬ٍ‭ ‬ذهبت‭ ‬في‭ ‬الغي‭ ‬مذهبها‭ ‬

 

بنظرة هي شانٌ أولها شان

 

فانظر‭ ‬بعقلك‭ ‬إن‭ ‬العين‭ ‬كاذبة

 

‭‬واسمع‭ ‬بحسك‭ ‬إن‭ ‬السمع‭ ‬خوانُ

 

ولا‭ ‬تقل:‭ ‬كل‭ ‬ذي‭ ‬عينٍ‭ ‬له‭ ‬نظرٌ

 

‭‬إن‭ ‬الرعاة‭ ‬ترى‭ ‬مالا‭ ‬يرى‭ ‬الضانُ

 

 

 

aldahry1@hotmail.com

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق