]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

صباح الخير تيفست

بواسطة: Amine Dahmas  |  بتاريخ: 2012-09-02 ، الوقت: 11:12:01
  • تقييم المقالة:

مشاهد:                

                   صباح الخير تيفست

                        تبسة ذات جانفي ...مارس 1997

ملاحظة في 2012: في ذلك الوقت لم يكن هناك هاتف نقال أو أنترنت أو فايسبوك  حتى يحسب القارئ حسابه ،كما أن الأسامي خاصة المقاهي يمكن أن تكون قد تغيرت كما حدث لأهل الكهف...

هذه المشاهد أعجبت كثيرا صديقي الشاعر " الزبير دردوخ " في وقتها ...

                         ( 1 )

عندما تتحدث إلى صديقك – في تبسة – فإن الكلمات تصله جامدة يدخلها في معطفه أو يضعها بين راحتي يديه ثم يفهمها...للبرد شكل آخر في تيفست الدن يتجمد في العروق، لا وسيلة للتدفئة سوى القشابية أو دخول المقاهي ...في أقرب مقهى أعدت جريان الدم في عروقي، طلبت قهوة ...وضعت فيها ملعقتي سكر ...شربت تكاد تشبه العصير في حلاوتها ...هنا في مقاهي تبسة يضعون لك السكر و حكمتهم في هذا أن السكر يفسد لما يبقى على طاولات المقاهي، في مقهى " الرياضي" طلبت قهوة أخرى و تذكرت هذه المرة أن السكر موجود ...بيضت قصيدتي ( مات عبد الله..مات )  

ثم خرجت إلى الساحة مرة أخرى و إذا بالدم يتجمد ثانية، دخلت بسرعة مقهى ( الجمهورية ) ..لم أطلب قهوة، مذاقها ما يزال في فمي...و رحت أغرق شيئا فشيئا في خيالاتي.

سألني شاب عن الساعة..عرض علي قهوة، إعتذرت له و شكرت له كرمه .. رحت أغرق ثانية ..عرض علي فتى آخر قهوة ..إعتذرت مرة أخرى و كتبت في مذكرتي: " أهل تبسة كرماء..."

في اليوم الأول: إنتظرت الشمس و لكنها لم تشرق الضباب..البرد

في اليوم الثاني:و الذي عدت فيه إليها من " بئر العاتر " الشمس...الشمس...الشمس... دخلت تيفست ثانية ، الدفئ يسري في جسدي و صورة أخرى لتبسة .

أدخلها من " قوس كراكلا " ...الطراباندو في كل زاوية منه..الجميع يبيع والجميع يشتري، يقولون إن تبسة تستورد كل شيئ من تونس ...الملابس، الحلي، الأجهزة المنزلية، كل شيئ ، حتى فطور الصباح و الغداء و العشاء يصرف له من تونس ...كل شيئ يباع في هذا السوق... و الأطفال ما أكثر السماسرة الأطفال...إنهم في عطلة أو تخلفوا عن ركب الدراسة.

لا وجود للبطالين في تبسة، يمكنك أن تبيع الشيفون مادام هناك من يشتريه...الشيفون أو ثقافة الشيفون تحتل مساحة كبيرة في السوق و حتى مكتبة العربي التبسي حولها صاحبها إلى محل لثقافة الشيفون .

( نافورة ) ...يحط بجانبها زوج حمام ، كأن الأول يقول: " تغير كل شيئ نحو الأسوء .." فيتنهد الثاني: " لا يمكن يأي حال أن تلعب المادة برؤوسنا" و يطير زوج الحمام... يجلس في المكان نفسه شيخ طاعن في السن و خفية يعد حصيلة اليوم ثم يفترش الأرض و ينام.

                                   ( 02 )    

...الأصوات تنبعث من كل مكان ..هنا الجزائر..هنا إذاعة تبسة المحلية..هنا إذاعة تونس الخضراء..     و كل صنوف الغناء ...و إلى جنب هذه الأصوات، صوت آيات بينات من القرآن الكريم...إنه التناقض أو محلات بيع الأشرطة تتنافس فيما بينها ، و تصور تركيبة المجتمع المتناقضة...

ركبت أنا و زميلتي سيارة أجرة ...إستشرتها ماذا تريد أن تسمع؟ ...أم كلثوم..قال السائق: " سيدة الطرب العربي شرائطها موجودة كلها عندي " قلت: " حب إيه اللي أنت جاي تقول عليه؟" قالت أم كلثوم: " أنت عارف معنى الحب قبلها إيه؟..." ما أروع صوت أم كلثوم إنه يحفر في القلب و يمتد جرحا ...هذا الجرح أعرفه ...لم تشأ الأيام أن تؤدي أم كلثوم قصيدة نزار قباني " إغضب" ...ولكن هاهي أصالة نصري تؤديها : " إغضب كما تشاء فأنت رائع حقا متى تثور " ... تنطلق السيارة في شوارع تبسة ...التبسيون يمرون ...المباني التبسية هي الأخرى تمر بسرعة..

أقرأ لسائق الأجرة قصيدة فيقول:  " لقد عبرت بدلا عني..البداوة ساكنة فينا جميعا " و من قال إن مكانة الشعر قد ذهبت ؟ ، إن الشعر في بلادنا أو على الأقل في تبسة مازال يحتفظ بمكانته ...بعث أدبي رابع و سائق أجرة يرفض مقابلا عن خدماته و يهديني قلما أكتب لكم به هذه المشاهد ...قال " إنك دفعت لي شعرا " .

تبسة... ما أروع أيام تبسة ..لقد مرت مبرقة ..معلنة عن ميلاد حلم جميل..لم تمر أيام تيفست من ذاكرتي .. كلما أضع فنجان قهوة أمامي أغرق في حلم جميل ...القدر...القدر... سنفترق و سأبتعد عنك بمئات الكيلومترات لكن مسافة القلب تتلاشى...يستحيل أن تأخذني عنك العاصمة ثانية.

                                ( 03 )

و ها أنا في تبسة مرة ثالثة.. تبسة تستقبلني بالأحضان ...هذا الصباح الناس ذاهبون إلى عملهم و الطلبة إلى مدارسهم و ثانوياتهم كالعادة... البرد أيضا كالعادة ، و قفت مع "توفيق " أمام سور أطلت فيه الشمس و رحنا نتدفأ قليلا..

أشعر بالبرد فآويني..صوت كاظم الساهر ينبعث من كل مكان ..بائع الأشرطة في الساحة يتعمد إعادة أغنية كاظم الساهر: " زيديني عشقا زيديني " ..نروح ..نجيئ يمتد و جعنا من بغداد إلى الصين أو كما قال توفيق :  " من العاصمة إلى تبسة ".

" عندك قهوة مدرحة و آتاي بالنعناع"  كنت أنا أطلب قهوة ثقيلة و يطلب صاحبي شايا ...من مقهى إلى مقهى ، جبنا شوارع المدينة طولا و عرضا .. لم نكن نبرمج أوقاتنا ...عبثيون في تصرفاتنا هنا ..ننهض باكرا ، بعد تناول فطور الصباح نخرج إلى أقرب مقهى من الفندق، نقرأ جرائد الصباح، نلتقي بأدباء تبسة، نتجول في شوارع تبسة، مدخل السينما ، نذهب إلى المركز الجامعي، نقضي مصالحنا في آخر اليوم... مصاحنا التي أتينا من أجلها لا نجد لها وقتا إلا مع غروب الشمس...و عندها يضيق الوقت علينا فنترك العبثية إلى الغد، لنفعل ما نشاء و كيفما نشاء.

هذا الصباح متميز فعلا..نهضت باكرا بعد أن تململت في الفراش مطولا ...لم يعد النوم إلي ثانية ..قمت من فراشي إلى قاعة التلفزيون .. وجدت نفسي أكتب دون رغبة مني ..كتبت قصيدة ..شربت من قارورة الماء كثيرا.. ضحكت كثيرا ..عدت إلى رشدي..توضأت..صليت.. أيقظت توفيق من سباته لأقرأ له القصيدة ، و بين النوم واليقظة كرر ما قاته له: ( مات الذين نحبهم كل الذي / كان انتهى     و الجرح في الصدر ابتدا ).

أثناء تناولنا فطور الصباح لفتت إنتباهنا فتاة في العشرين من عمرها تحتمي بالمدفأة ..واضعة سيجارة في فمها.. غارقة في تفكير عميق و الأسى باد على وجهها..لم أشأ أن أفسد عليها صمتها..أعرف بأن الإنسان في مثل هذه الحالات بحاجة إلى أن ينفرد بنفسه.. إني أتضامن مع البؤسلء بالصمت..علاقتنا بالفتاة إنتهت مع سؤالها عن الساعة و إشعال صاحبي لسيجارته من عندها..إنها لغز محير بالنسبة لي    ، هذه الفتاة لم تكن مثل الأخريات.

عندما كنت أمر ب " كراكلا "  كنت ألمسه حتى أصدق بأنني في "  تيفست " و أسأل توفيق عما إذا كنا في حلم أو في حقيقة .

ما يميز تبسة عن مدن الشرق آثارها الرومانية مما يدل على أن جذورها التاريخية تمتد..تمتد بعيدا..بعيدا إلى ما قبل الميلاد.

البساطة في كل شيئ ..في اللباس .. في طريقة الحديث المتميزة و هي إحدى سمات التبسيين..

المركز الحدودي " بوشبكة " ليس بعيدا من هنا ..لافتة الحدود التونسية تنبئك بأنك على مشارف تونس الخضراء.. و لكن رحلتنا لم تمتد غلى تونس ..وانتهت مع تيفست ..في طريق العودة مر شريط تيفست بمشاهده الجميلة.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق