]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كشمير : عروس الشمال الهندي

بواسطة: Adnan Zowain  |  بتاريخ: 2012-08-31 ، الوقت: 20:53:04
  • تقييم المقالة:

اعداد :- الدكتور عدنان زوين

مجلــــــــــة الهنـــــــــــــد( تصدر عن السفارة الهندية في دمشق)

العدد – 149 – شباط – 1997

 

كشمير : عروس الشمال الهندي

دعوني ابدأ الرحلة – السفر المشهود – من ارض سهل ترامت فيه صروح المغول العملاقة تنطق شاهده على عظمة امبراطورية سادت لقرون , ثم بادت وهي ترضع ثقافتها وفنونها عبر القرون " رشف الندى لنسيم زهرة اللوتس " حتى باتت تلك المدينة الوادعة دلهي تمتلئ بالشواهد الشامخة هنا وهناك ... تذكرنا بعمق الماضي العريق , تثير فينا اصالة السمو الحضاري , تسعدنا بدفء الاحلام ورونقها , ومن ثم تقودنا وهي خير دليل لنمتع الانظار بتلك الصروح بدأً بالمسجد الجامع وانتهاءً بالقلعة الحمراء مروراً بصرح " التاج " ذلك العملاق الذي تألق معه " المحل " عزتً وسمواً ليجعل منه بحق " تاج محل " ناهيك عن اقواس النصر واطلال القلاع والقصور التي تزخر بها ساحات المدينة العريقة . تلك هي همسات الجمال ... " دلهي " وما يحيط بها من هاله تقف شامخة لتتحدث عن عظمة حضارة وضع صرحها اجيال من المغول متعاقبين .

من حيث لم يتسن لي اشباع رغباتي كاملة في الكشف عن الجديد والمثير , فإنني لم اكن حتى تلك اللحظات من عجله من امري عندما عقدت العزم على حجز تذكرة القطار الى مدينة " جمو " برحلة ليلية اعقبتها بحافلة الصباح الى " كشمير " ... ذلك الحلم .

ومن فوق ... عالياً هبطت بنا الحافلة الى اعماق الوادي السحيق الذي ينبسط على هضبة عظيمه شامخة كشموخ الهملايا , ولم لا وهي الامتداد الطبيعي لتلك السلاسل العملاقة . الله ما اروع المشهد وأنت تقف بين ظهراني تلك المرتفعات بأحراشها وغاباتها ويمتد امام سهل منبسط امتزجت فيه زرقة السماء بخضرة النبات , زرقة ماء البحيرة الساحر وخضرة الاحراش تزينها الازهار المتناثرة هنا وهناك تجعلها كقطعة سجاد كشميري . والبحيرة بمائها العذب الرقراق ينساب بهدوء زرقة السماء الصافية بما تعكسه فوق امواج المياه المتمايلة .

ان اجمل ما يأخذ الالباب تلك السفن والزوارق المنتشرة على ضفاف البحيرة بأشكال هندسية متناسقة وبالوان زاهية تحمل مختلف الاسماء والعناوين لتتقاطع معها انعكاسات الشمس الذهبية على جبهة المياه وكأنك امام لوحة اخاذة من القرون الوسطى لمدينة فيينا الساحرة . وقد لا يخيل اليك لحظة ان تلك الزوارق ليست سوى شقق سكنية وفنادق ومطاعم او حتى مقاهي . لا شك في ان سحر الانسياب على شرفات تلك الزوارق يزداد جمالاً وتألقا مع اضواء المصابيح الملونة وما تشكله من اطياف تتراقص مع هبات النسيم العذبة لتنشر عبق الرياحين في ايام الصيف الندية , وانت تحتسي كأسا من الشاي الكشميري الاخضر الذي ينعش بدفئه اوصالك المرتعشة من برودة النسيم الرطب .

ومع بزوغ الفجر , وأغاريد الطيور وخرير امواج البحيرة الهادئة يبدأ يوم اخر تقضية بين احضان الطبيعة البكر لعروس الشمال ... كشمير .على عجل تناولنا وجبة الافطار الاولى .

اقول وجبة الافطار الاولى لان هناك وجبة افطار ثانية . اذ لم تكن قطع الفطائر وفناجين الشاي سوى مقدمة لوجبة افطار اخرى تتعدى فيها صحن الرز الكشميري الابيض الى اخر من مرق حضر بلحم الظان المتبل بأنواع البهارات . لقد كان صباحاً صيفياً مشمساً جميلاً ونحن نحتسي فنجان الشاي مع الحليب والذي جرت العادة اني يعقب مراسيم الافطار تلك .

كان قضاء معظم ساعات النهار في احضان الجبال والهضاب المحيطة بمدينة " سرينا غار " من امتع الاوقات بما اضفته من جمال على عاصمة كشمير والذي سطر اسمها على لافته زرقاء على الطريق العام خارج المدينة وسط الغابات المترامية الاطراف والوارفة الظلال . ولم تكن مفاجئات الطريق في ذلك الصباح المشرق تتعدى مرور شاحنة او رهط من الاغنام والماعز بين الفنية والأخرى سالكه السبيل باتجاه المراعي والسهول الخضراء في مفترقات الطريق الجبلية . في حين امتدت على يمين الطريق مدرجات جبلية على هيئة مساطب يزرع فيها السكان المحليون محصول الارز , تنهل ماءً عذباً من ينابيع الجبال المكسوة بالثلوج في ذلك الوقت من ايام الصيف . منظر لا تضاهيه الجنان حيث تنساب الجداول اعلى قمم الجبال لتمتلئ معها المسطحات الهضابية والتي كيفها وتكيف معها المواطن الكشميري ليزرعها ويؤمن رغيف يومه وقوت عياله ... تلك المسطحات التي تبدأ من اعلى القمم وتنتهي بمحاذاة الارضي المجاورة للبحيرة – قلب المدينة – وهي تضع بصماتها لتطرز وجهة الطبيعة العذراء بعيداً عن كل ما عرفته البشرية من وسائل التقنية الحديثة بما يمكن ان تفسده بصنعه جميلة اخفاها البارئ عز وجل في رحاب الطبيعة الغناء . فكل شيء هناك من الطبيعة واليها , فالبيوت من اخشاب الغابات المحيطة , ولباس من صوف الغنم وشعر الماعز , والسجاد والزعفران الكشميري ... حتى التحف والقطع التذكارية تعد امتداداً لما توفره الطبيعة بين الغابات والاحراش , وبحيث لا تتعدى ان تكون كتل من اخشاب السنديان والصنوبر والبلوط امتدت اليها يد الفنان الكشميري لتخط منها زهرة هنا وغصناً هناك لتخرج في نهاية الامر صندوقاً جميلاً او عصى ممشوقة بيد عجوز يقضي السنين الطوال يحفظ تراث اجداده .

وصلنا الى مقصدنا وقد غطت الثلوج البيضاء سفوح الجبال والوديان بينما تراءت لنا جداول مياه تشق طريقاً بين كتل الجليد , فيما تعكس الشمس بشيء من التناغم اشعتها الذهبية لتضفي على المنظر روعة وجمالاً .

تلك هي قمم الجبال المحيطة بمدينة " سرينا غار " ومنها تستقي المدينة مياهها لتبث الحياة في احدى اجمل بقاع العالم الممتدة من اصالة وجذور الهملايا . انقضت ساعات النهار ونحن نستمتع بالتزلج وركوب الخيل , وقبل ان يؤذن نهارنا بالغروب سلكنا طريق العودة رجوعاً الى بحيرتنا الهادئة لنستقل زورقاً صغيراً نجوب به اركان البحيرة ونكتشف عن قرب ما يكاد يخفي عن العيون , ومع ارتفاع اصوات الاذان من مساجد المدينة تعلن عن رحيل يوم اخر ولترفع عالياً كلمة الله لما بارك به تلك المدينة الجميلة وأسبغ على اهلها الكرام من نعمة ... وليكن الغروب املاً لموعد آخر .

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق