]]>
خواطر :
إذا سمعت عويل الذئاب...يعني ذلك ، إما في المصيدة تتألمُ أو في الغنائم تتخاصمُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . “كلا – كلا ! لا ظلام في الحياة وإنما هي أنظارنا الكليلة التي تعجز عن مرأى النور في أبهى مجاليه(مي زيادة )   (طيف امرأه) . 

الثقافة الهندية : الوحدة في التنوع

بواسطة: Adnan Zowain  |  بتاريخ: 2012-08-31 ، الوقت: 20:45:31
  • تقييم المقالة:

اعداد :- الدكتور عدنان زوين

مجلة الهند

العدد – 154 – كانون الاول – 1997

 

الثقافة الهندية : الوحدة في التنوع   ارث امة جمعت التناقض

رغم كل الرواسب التي افرزها التاريخ عبر القرون , ومنذ ان وطأ الانسان تلك البقعة , لم تستطع الحضارات في خضم صراعاتها في الهند الا ان تزيد من تجانس الحياة الثقافية بمختلف نشاطاتها , وذلك في وقت كان فيه لشعوب وادي الهند اوسع العلاقات مع حضارات بلاد ما بين النهرين وفارس ومصر , تلك التي اعتبرت بمثابة مهد لتطور وبناء المدنية في التاريخ . فالهند لم تكن يوماً -  عبر تاريخ الحقب – في عزلة ثقافية , بل كانت دائمة التواصل مع مختلف الحضارات الاغريقية منها والصينية وحضارات شعوب اسيا الوسطى – اما بقاء الثقافة الهندية محافظة على ذاتها رغم كل تلك الصلات فمرده الى وجود ثمت شيء ما في تلك الثقافة يمنحها القوة التي تؤهلها لذلك .. يقول احد المستشرقين : " لو سألت نفسي يوماً عن الثقافة التي نستطيع ان نستمد منها نحن في اوربا – نحن الذين تألف غذائنا الثقافي من افكار الاغريق والرومان – معياراً للتصحيح المطلوب بهدف جعل حياتنا اكثر كمالاً واوسع شمولاً وابعد كونية واكثر انسانية , لما ترددت يوماً في ان اشير بأصبعي نحو الهند " .

عندما يدور الحديث عن تراث الهند وثقافتها كما كانت قبل الالاف السنين , يستوجب الامر نسيان شبه القارة في وضعها الحالي . لقد تتابع عليها الاباطرة وهيمنت عليها الحضارات بثقافتها المختلفة , كانت اعظمها قاطبه تلك التي تمركزت في الشمال الهندي من قبل الاريين , اذ نادراّ ما كانت تضم قبائل الجنوب . وفي هذا المنحى يحاول عميد الاسرة الهندية جواهر لال نهرو ابراز تلك الصورة في كتابة ( اكتشف الهند ) قائلاً : " ان الاندماج والتزاوج الحضاري الاول قد حدث بين الاريين القادمين وسكان وادي الهند , وقد اتسم الاندماج بعناصر مميزة استمدت اصولها من الثقافتين . وفي العصور اللاحقة , تعاقبت اقوام عديدة مثل الايرانيين واليونانيين والبارثيين والهون والعرب المسلمين والاتراك والمسيحيين الاوائل واليهود والزراد شتيين حيث احدثت تلك الاقوام تغيرات ثقافية واضحة , الا انها تصاهرت جميعاً في المحصلة مع مرور الزمن في بوتقة واحدة , فالهند شديدة القدرة على الاحتواء وكأنها البحر المحيط " .

على الرغم من ان الاقاليم لم تكن دوماً , الا ان الكثير من حضارات الشمال الهندي كانت – حسب الظاهر – على درجة عظيمه من الرقي الحضاري والثقافي انعكست ملامحه على مختلف المرافق الحياتية . فقد كان السكان يعيشون في ظل قوانين انسانية وادارة محكمة , ولديهم فنانون مهرة وجامعات تعليمية تمثل صروح حضارية , ونظام علاج طبي بالمجان وذلك في وقت لم يكن يسكن اوربا سوى قبائل من البربر . وفي اشارة الى جانب من تلك الحقائق , اعتمد نهرو المرجع الموثوق حول حضارة وثقافة وادي الهند المستقاة من اقوال غوردون تشايلد في كتابة " ماذا جرى للتاريخ " عام 1942 قائلاً : " كما ان كلاً من الفن والدين في وادي الهند اتسم بطابع خاص وفريد لا يوجد له مثيل الا في ذلك الوادي , فما من شيء مما نعرفه عن بلدان اخرى في هذه الفترة نجد له شبيهاً من حيث الاسلوب والفن والإحساس والذي نادراً ما نقع على ما هو افضل منه " .

لقد امتازت الصروح الثقافية في الهند بحالة من التجانس , وبتعبير ادق , حالة من الوحدة . يقول نهرو في معرض اشارته الى حالة التوحد الثقافي عبر التاريخ الطويل والتي تجلت منعكساتها الاجتماعية واضحة : " قامت البنية في المجتمع الهندي باعتماد ثلاث مفاهيم : هي الجماعة الفردية المستقلة ذاتياً والطبقات الاجتماعية ونظام العائلة الواحدة . وضمن تلك المفاهيم الثلاث وحدها نجد ان الجماعة هي المتصدرة دائماً , ولا يبقى للفرد الا دوراً ثانوياً . وما من شيء يتسم بالفردية حول اي من هذه المفاهيم اذا ما تم النظر اليه لوحده " .

تعتبر الكتب المقدسة في التراث الهندي من اهم الرموز التي منحت تلك الوحدة ابعادها في المجالين الاجتماعي والثقافي على حد سواء . ففي اشارة خاصة الى " الرامايانا " (احد الكتب المقدسة ) كتب المؤرخ الفرنسي ميشله عام 1864 قائلاً : " ... كل شيء ضيق في الغرب , فلأنظر باتجاه الشرق لبرهة من الزمن ! هناك قصيدتي الواسعة سعة بحار الهند , انها كتاب التناغم حيث لا اثر للتنافر .. , اخوةً ( احدى حالات التوحد ) بلا حدود تنتشر بين سائر الكائنات الحية ... بالحب والشفقة والرحمة " . بين حضارة وادي الهند ويومنا هذا مساحة مترامية الاطراف لا يعرف عنها الا النذر اليسير , ورغم كل التغيرات التي رافقت تلك الازمنة , الا ان هنالك دائماً ثمة احساس قوي بالاستمرارية .. بوجود شعور يربط الهند ثقافياً بتلك الحقبة البعيدة , ومن المذهل حقاً ان نجد الكثير الكثير من الاشياء تذكرنا بالتقاليد والعادات المتوازنة والراسخة مثل الطقوس الشعبية والمهارات الحرفية , بل وحتى الازياء .. تلك التي تمثل حضارة وثقافة وادي الهند العريق الذي تعاقبت عليه الاقوام والقوميات فاتحة تارة  ومكتشفة تارة اخرى , وضعت اسساً لحضارات , ونقلت معها الثقافات عبر العصور , حيث كان ذلك الوادي – سيما الشمال منه – مطمع الكثير من الاقوام لما تزخر به من ثروات , فضلاً عن انها موقع عبور بين الشرق البعيد والشرق القريب ؟ . وقد حطت الحضارات اسفارها من شتى الاصناف والانواع , حتى باتت مزيجاً مميزاً . وتجدر الاشارة الى ان تداخل المفاهيم الثقافية تلك يجب ان لا يؤخذ من منطلق صراع الثقافات بقدر ما هو تطعيم لها , وذلك بعد صهرها ضمن بوتقة الثقافة الام , وهي في حالتها تلك شيء ايجابي يصب في تماسك لحمتها .

قيل عن ان التاريخ لم يكن حكراً على امة دون اخرى, ومن حيث لا يمكن اعتقال التاريخ , فقد يتاح لنا يوماً ما قراءة صفحات منه ... صفحات لاهم الاحداث المتعاقبة , سيما تلك التي لها تاثيرات حضارية وثقافية على تلك الامة . فبدءاً من غزو دارا للبنجاب الشمالية عام 516 ق.م وانتهاءً باستقلال الهند عام 1947 , ومروراً بأسرة تيمور لنك وجنكيز خان عندما نودي لهم عام 1525 بسلطنة دلهي , حيث بلغت الامبراطورية ذروة مجدها في عهد سلطانها ( اكبر ) , وعلى الغرم من ان ذلك السلطان كان امياً الا انه يشهد له رعايته للثقافة والموسيقى والتصوير والشعر والفنون , فضلاً عن محاولاته نشر التسامح الديني وتشجيعه للثقافة السنسكريتية التي كادت ان تنطفئ . كما وتحدثنا صفحات التاريخ عن دور السلطان ( اكبر ) في تشجيع اللغة الاوردية التي بدأت طلائعها قبل قرنين من ذلك الزمان , لا كنتيجة لامتزاج مفردات اللغتين الفارسية والهندية وحسب بل وحتى تداخل ثقافتيهما معاً . وقد استعملت تلك اللغة الوليدة في كتابة تاريخ الهند لأول مرة في تلك الحقبة , ايذاناً بنقلة ثقافية وحضارية متميزة لم تشهدها الهند سابقاً حتى ولا بعد اعتماد اللغة الانكليزية لغة العلم والدولة من قبل البريطانيين في الفترات اللاحقة . وفي كل الاحوال , فقد كان بلاط ( اكبر ) مركزاً للمعارف الثقافية والفنية , وما ادل على ذلك من اهتمامه بفن العمارة المغولية التي مازالت صروحها شامخة حتى يومنا هذا .

 

الهند ... وحدة الامة وتعدد الاهداف

ان كان للمجتمع الهندي ان يفخر يوماً في انه امتلك الاصالة وصفحات من التاريخ , فعلية ان يزداد فخراً في انه استطاع ايضاً ان يحافظ على الكثير من الصروح الثقافية رغم ما كان يهدده . وحري بمواطنيه ان يرفعوا عن كاهلهم التركات الثقيلة والمسؤوليات الجسام دون كلل لتوفير قواعد الوحدة الثقافية . وبذا غدت امة الهند متحدة , متعددة الاهداف , ومع كل نظرة هنا وهناك يظهر الجديد في ربوعها العريقة .

في الهند ... استثمرت مواطن التباين ومصادر الاختلاف بشتى اشكالها الثقافية لتحقيق وتعزيز مجتمع يتماشى الانسان فيه مع عالم اليوم المتحضر بغية الوصول الى صرح وحدة ثقافية فاعلة تصهر معها كل ما من شانه المساس بتلك الوحدة , بعيداً عن تاثيرات الدين والقومية والاعراق . وهنا فقط تكمن عظمة المنجزات الثقافية في انها استطاعت ان تحتوي التنوع , لا وبل وتستثمره كمصدر قوة في استمرار التطور الثقافي دون نسيان دور المواطن وتنميته في المجتمع وتحجيم كل ما يمكن ان يحد من القدرات الفردية . وعلى اي حال فالأمة كبيرة في كل شيء .. لقد ضمت رقعتها الواسعة العديد العديد من اللغات والاديان والاعراق ! تباينت فيها الجغرافية , بل وحتى التاريخ عبر العصور , وبذا كان انبثاق الثقافة الهندية المتأصلة الجذور من اغوار الماضي يستمر ابداً ما دام نهر الغانج المقدس خالداً ابداً يفرز الطمي والخصب الغزير .

 

 

 

الوحدة في تنوع الاديان

كأي من المجتمعات الاخرى , لم يقتصر الاشتغال بالفلسفة في المجتمع الهندي على حفنه من الفلاسفة والراسخين في العلم فقط , وحسبها انها كانت جزءاً اساسياً لديانة الجماهير وقد اتسمت به , وذلك سعياً وراء الامساك بالغاية النهائية للحياة وتلمساً للطريق المؤدية الى وحدة عضوية , رغم تنوع التناقضات الثقافية . لقد لعب الروحانيون من مختلف الطوائف وفي مقدمتهم الهندوس دوراً هاماً في تحدي السلوك العام والضابط لحركة الثقافة في المجتمع بشرائحه وفئاته , حتى ان اصداء اصواتهم كانت تسمع من قبل القاصي والداني , ولهم مكانتهم التي تأخذ ابعاداً مميزة قد تصل الى درجة المنزهين عن الاخطاء . ولم تنعكس افكارهم على الروحانيات وحسب بل وعلى جميع الانشطة الثقافية الاخرى .

ضمت شبة القارة العديد من المبادئ و الافكار الدينية , وتنوعت بتنوع القوميات والأصول والأعراق , وقد يخيل للمرء لأول وهلة بان شبة القارة تلك ليست سوى خليط من الافكار الدينية , تداخلت معالمها حتى ان بعضها ذاب في البعض الاخر دون ان تفقد تلك الافكار هويتها واستقلالها , الا ان التأثير بات واضح المعالم جزئياً او كلياً . وما زال العديد من تلك المعتقدات يمارس بحرية تامة حتى يومنا الحاضر كالبوذية والهندوسية والإسلام والجانية والسيخ واليهودية والزرداشتية والمسحية . ونظراً لاتساع مساحة شبة القارة , يندر ان عرفت الهند تاريخاً واحداً في منطقتين متجاورتين . يقول احد الحكماء الهنود المعاصرين لبوذا الذي نشر تعاليمه قبل المسيح بحوالي 700 سنة في معرض حديثة عن تعدد الاديان : " لا تنتج الفضيلة عن الدين الذي نعتنقه ولا عن لون البشرة التي تغطي اجسادنا , وهو اقل شأناً بالتأكيد , فالفضيلة يجب ان تمارس , لذا على كل منا الا يفعل للأخرين ما لا يريده لنفسه " .

وفي معرض وصفه لديانة الهند , اراد نهرو ان يعرض جانباً منها ويبين مدى تأثيرها على الحياة الثقافية : "  ان العبارة القديمة الشاملة للدلالة على الدين في الهند هي ( اريادهارما ) الا ان ( اريادهارما ) تشير الى ما هو اكثر من مجرد الدين , انها تعني الجمع او التوحيد , وقد شكلت جزءاً من الحياة والثقافة والفلسفة الهندية وان النظر الى الثقافة الهندية بوصفها هندوسية يعتبر ضرباً من الاخطاء الجسيمة , وقد تأثرت الثقافة كثيراً بالعقائد الاخرى الا انها في كل الظروف بقيت هندية بصورة متميزة " .

كثيرة هي المعتقدات في ديانة ابناء الهندوس , مما يمكن ان يوازي بطبيعة الحال ما هو موجود في معظم الديانات الوضعية الاخرى , غير ان تلك الديانة اذا ما اخذت ككل هي ديانة هندية بامتياز واضح , حتى انه من الصعب التفريق بينها وبين الهندوسية التي تمارس في يومنا الحاضر . والظاهر ان الهندوسية تدعو في اساسها الى العيش وترك الاخر يعيش وفي هذا المعنى يحاول المهاتما غاندي تحديد ملامح الهندوسية قائلاً : " انها السعي الى الحقيقة بوسائل بعيدة عن العنف فالهندوسية هي السعي الدؤوب وراء الحقيقة , وهي دين الحقيقة المتمثلة بالله " .

ثمة دعوة الى التوحيد تؤكد عليها النظرة الفلسفية والتي كانت سما سائدة للتطور الثقافي الحضاري الهندي . ورغم ان كل واحدة من الحضارات الاجنبية الدخيلة كانت تشكل تحدياً للثقافة , الا انها في محصلة الامر قوبلت بشكل ناجح عبر صيرورة جديدة من خلال عملية الاحتواء , كما وكانت هذه العملية تؤدي باستمرار الى نوع من التجديد مع ظهور قيم ثقافية جدية ولكن بإبقاء الارضية دون تغير . وفي كتاب ( اكتشف الهند ) يصل جواهر لال نهرو الى تلك الاستنتاجات بمنطقية المعتادة .. قائلاً : " ليس من الصواب استخدام الهند والهندوسية للدلالة على الثقافة الهندية حتى عند الحديث عن الماضي البعيد على الرغم من ان الجوانب المختلفة للفكر كانت التعبير المهيمن لتلك الثقافة . والخطأ تتسع هوته اذا ما استخدمت تلك العبارة للإشارة الى ذلك المعنى . فطالما كانت الثقافة والفلسفة القديمتان اسلوباً للحياة وموقفاً من العالم , فانهما مترادفتان الى حد بعيد من الثقافة والحضارة الهندية . الا ان ظهور وتطور ديانة اكثر جموداً مع ما رافقها من مراسيم وطقوس ادى الى ان تصبح العقيدة والفلسفة شيئاً اكثر وفي الوقت نفسه شيئاً باقل بكثير من تلك الثقافة او الحضارة المركبة . فالمسيحي او المسلم استطاع ان يتكيف مع القافية الهندية في حياة الثقافية مع بقائه في معتقدات المسيحي او الاسلامي لقد استطاع يهند نفسه وأصبح هندياً دون ان يغير دينه " .

 

في محاولة لإظهار مبدأ الوحدة التي تنادي به الديانة الهندوسية

منذ بداياتها القديمة , تدفقت من الكتب الهندية انهار الفكر والفلسفة , انهار الحياة والثقافة والآداب , متسعة باستمرار ومتنامية ابداً طافية احياناً لتغرق الارض بطميها الغني والخصيب خلال مراحل التطور الحضاري اتيح لتلك الانهار ان تبدل مجاريها احياناً , بل وقد بدت خائرة القوى غائرة , غير انها مع ذلك حافظت على هويتها وطابعها الثقافي . ان الكثير من الاسس الثقافية والمعتقداتية وردت بوضوح في كتاب " الرامايانا " بوصفه قصيدة ملحمية عظيمة وموسوعة للأعراف والتقاليد , ويعتبر هو وكتاب " المهابهاراتا " مخزناً غنياً قد يستطيع المرء ان يجد فيه الكنوز والأشياء الثمينة التي تدعو الى التضحية في سبيل الخير العام , كتاب يدعو الى الفضيلة والوحدة بشتى صنوفها في عبارات موجزة :

     اياك ان تأتي عملاً لا يؤدي الى الرفاه الاجتماعي او اي عمل يمكن ان تخجل منه . لا تفعل للآخرين ما لا ترتضيه لنفسك . ان الصدق والانضباط والزهد والكرم وان لا عنف والتمسك الدائم بالفضيلة – لا العائلة ولا الشريحة الاجتماعية – هي الطريق الى النجاح . الفرح الحقيقي ينطوي على المعاناة .

واستنتاج لا بد منه في سياق ما ذكر , وبعد توجيه الاشارة الى المجتمع الهندي , ذاك الذي تالف وتالف من اجناس وقوميات وأعراق وفلسفات واديان ولغات مختلفة , خليط معقد لا يمكن ان يجتمع الا تحت ظلال الولاء المطلق لعلمانية نظام سياسي وفي معرض ممارسة الامة للديمقراطية , تلك التي لم تكن يوماً وليدة ظروف افرزها خروج المستعمر من دائرة الصراع السياسي والثقافي ,بقدر ما هي وليدة حاجة المجتمع الماسة اليها ,       نقول باستمرارية نظام ديمقراطي باتجاهات ثقافية مميزة تأمن وحدة الكلمة , ولكن تحت لواء العلمانية لأمة لا تجمعها في الكثير من الاحيان حدود دنيا من الروابط . نظام ترتضيه كل الفئات بعيداً عن معتقداتها العرقية والدينية واللغوية .

 

                                    وحدة في تنوع الفنون 

اقترن التنوع الطبوغرافي بتنوع ثقافي وحضاري نتج عنه تعايش عدد من الثقافات والأديان بمختلف التقاليد . وعلى سبيل المثال , يلاحظ في ان المعابد أيا كانت ترتبط بالعديد من الحرف والفنون الابداعية الرائدة . وفي الجانب الاخر تبدو القرى المتناثرة في وادي الهند وكأنها تقاوم القوى المخيفة للطبيعة , اذ ادى ذلك الى نشوء اساليب خاصة بالحياة اتسمت بغزارة المجوهرات والحلي والمطرزات التزينية المستخدمة في الالبسة . كما وان هنالك وجه اخر من اوجه الثقافة الهندية يبدو واضحاً في انماط الحياة الزاهية لسكان مختلف الولايات وتراثها الفلكلوري ... البروفيسور تشايلد في هذا المجال وقفات مطوله : " يبدو ان الحرفيين في المدن الهندوسية كانوا ينتجون للسوق بالدرجة الاولى وتدل المخازن المتصلة بالبيوت الفسيحة على اصحابها التجار , اذ ان عدد هذه المخازن وحجمها يؤكد على وجود فئة قوية ومزدهرة منهم . وقد تم العثور من خلال الحفريات على كنوز مذهلة من الحلي والأواني النحاسية المنقوشة والأدوات المعدنية والأسلحة " . تجدر الاشارة الى ان مصوغات المدن الهندوسية كانت تصل يوماً ما حتى اسواق دجلة والفرات . وبالمقابل ادت الحفريات الى العثور على بضع ادوات فنية سومرية وأدوات زينة من حضارات بلاد ما بين النهرين , مما دل على عمق الصلات الثقافية لوادي الهندوس مع سائر الحضارات الاخرى . ان تنوع الوجوه الثقافية والفنية للهند قد حياها كنزاً قيماً من الحرف اليدوية , مع تنوع الاشكال والأنماط وحتى يومنا هذا نجد ان كل قطعة من المصنوعات الحرفية تصنع من قبل مجموعات اهلية ضيقة وحرفية متخصصة ولكن بطرق تقليدية , تتوارثها الاجيال . وان اسلوب الانتاج هذا يكسب المصنوعات مزايا فنية فريدة من نوعها . لقد نشأت الفنون الحرفية , تلك التي تعكس التراث والثقافة الهندية من ثلاث مصادر رئيسية : القصور الملكية والاستعمال للأغراض الدينية والفن الشعبي . وفي معرض حديثة عن تنوع الفنون يشير نهرو الى تأثير تلك القنوات على الثقافة الهندية , قائلاً : " اضافة للعديد من ممتهني الحرف والمهن , فقد كان هناك قديماً جملة من الوظائف مثل التعليم والطباعة والجراحة والتجارة والموسيقى والتنجيم والتمثيل والرقص والتهريج واللعب على الحبال ومسرح العرائس , وجميعها كانت تعكس الوجه الثقافي الهندي " . ومنذ ذلك الحين اكتسبت الجمعيات التجارية والروابط الحرفية اهميتها ودورها في نشر الثقافة والفنون . وعلى الرغم من ان نشأة الفنون كان لأسباب اقتصادية كالاستخدام الافضل لراس المال وتسهيل التبادلات الا ان هناك اسباب امنية لحماية المصالح المشروعة للشرائح الاجتماعية في كل فترة من فترات ازدهار الثقافة الفنية حيث تلمس متعه بالحياة والطبيعة انعكس تأثيرها على تطور الادب والفن والموسيقى والغناء والرقص والرسم والمسرح . ان ثقافة انتجت كل هذه المظاهر الفياضة يصعب ادراك استنادها الى الحياة الاخرى , هذا رغم اعتقاد البعض في انها اعتمدت مبدأ رفض الحياة وعدم الاقبال عليها ووفق تلك المعايير استمرت الحركة الثقافية في البلاد بهدف احياء الفنون القديمة .

الوحدة في تنوع اللغات

لقد كانت السنوات الالف التي اعقبت فترة الملاحم وعصر بوذا مفعمة بالنشاط الثقافي الابداعي . وكما يدلنا التاريخ , فقد برز العديد من كبار الاعلام في سائر الابداعات الثقافية ورافق ذلك تنظيم العديد من النشاطات الاستيطانية التي اوصلت الهنود وثقافتهم بعيداً خلف الحدود في البحار الشرقية .

ظلت السنسكريتية ردحاً من الزمن تهيمن على مجريات الامور الثقافية قاطبة . وعلى الرغم من ظهور اللغة الاوردية في وقت متأخر في الحياة الثقافية , الا ان السنسكريتية استمرت تلعب دور الريادة في الكتابات . وفي واقع الامر فان اللغة الهندية المستعملة في وقتنا الحاضر جاءت كنتيجة لتطور اللغة السنسكريتية عبر سلاسل طويلة من التغيرات الا ان ذلك لم يمنع من وضع العديد من المؤلفات بتلك اللغة . ان كتب المعرفة الموضوعة في الميادين المختلفة كانت تعرف باسم " شاسترا " وعلى الرغم من ان تلك التسمية اخذت من الكتابات المقدسة الا انها ظلت تطلق دون تحيز على جميع انواع المعرفة والعلوم . يقول نهرو في هذا الصدد بان الحدود بين المعارف الدينية والدنيوية في الثقافة الهندية لم تكن واضحة المعالم ولم ترسم بشكل صارم . كما يضيف بعض الحقائق المتعلقة بإحدى الشخصيات القومية .. البطل ( فيكرام ) الذي لم تستند شهرته الى كونه اول من وضع التقويم الهندي الشمسي ذو الاشهر القمرية وحسب , بل الى التألق الادبي والثقافي لبلاطة الذي كان يجتمع فيه بعض اشهر الكتاب والفنانين والموسيقيين . وعلى الرغم من الاختلافات الذهنية والفكرية والثقافية التي سادت فيما بين الاقلية المفكرة في تلك العصور والسواد الاعظم للجماهير الا انه كانت هناك دوماً علاقة ما تربطهما سوياً , او على اقل تقدير لم تكن هناك هوة فيما بين الشريحتين . والظاهر ان المجتمع البسيط ذي التطلعات الثقافية المحدودة كان له تسلسله الهرمي والفكري المقبول من قبله , مما ادى بطبيعة الحال الى نوع من الانسجام والوحدة الثقافية , وتحاشي الصراعات بين الشرائح .

ظهرت في القرون الوسطى لغة مزيج بين الهندية والفارسية عرفت بالأوردية . والآورد باللغة اشارة الى المعسكر او المخيم , اذ يعتقد في انها انبثقت من اختلاط القوميات ضمن المخيمات . وفي كل الاحوال سادت تلك اللغة لقرون عديدة في مختلف مجالات المعرفة والثقافة , سيما الكتابات الادبية والشعرية منها , وذلك لما تمتاز بها من رهافة الحس وعذوبة الالقاء . لقد كتب شاعر الهند ( اقبال ) جميع دواوينه الشعرية بتلك اللغة الرقيقة , كما انها لغة التعليم السائدة في الهند والباكستان وبنغلادش حتى عهد الاستقلال , فيما استمرت لغة البلاد للناطقين بها في الباكستان وبنغلادش حتى يومنا الحاضر . وفي خضم تلك المنافسات اللغوية يلاحظ انتشار العديد من اللغات الاخرى في مختلف المقاطعات . وعلى الرغم من ان معظم تلك اللغات مقروءة , الا ان هناك ايضاً لغات لا ترقى الى مرتبة الكتابة . وبعد الاستقلال في عام 1947 اعتمدت اللغة الانكليزية لغة للعلم والإعلام والمراسلات الرسمية للدولة , الا ان التشبث باللغة الاوردية مازال قائماً سيما من قبل اولئك الذين عاصروها .

وفي نهاية المطاف , لا يمكن للقلم ان يخط اكثر من عبارات التعظيم لأمة شقت طريقها بعد معاناة واستطاعت تحديد ملامحها .. نقول طريق متعرجة صعبة المرامي و الاهداف , لتفتح معها الافاق وتحيل حلم الامس نبراساً ينير لها الطريق نحو الحياة الثقافية . وحتى الامس القريب كانت الامة ترزح تحت نير مستعمر لم يكتف بإنهاك موارده وثرواته وحسب , بل والى انهاء العقل والجسد .

ولقد جاءت الهند بعد الاستقلال بحلتها الجديدة تلبس رداءً ابيض .. ذلك الذي تلقاه ( الغاندي ) هبة من السماء ليلم به شعث امة تنوعت فيها الثقافات ليصهرها جميعاً في بوتقة علمانية الامة الواحدة , بعيداً عن كل الصراعات  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق