]]>
خواطر :
لا تتحسر على ا فات فالأجل هو القادم ، وكن جميلا ع الزمان فما ن شيء هام   (إزدهار) . سألت عنك جزر الأوهام ، غرقت مباشرة في مياه البحار، بعد السؤال...سألت عنك الوديان، جفت مياهها قبل حتى إتمام السؤال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الوحدة في التنوع مقاييس لمؤثرات حضارية في الهند

بواسطة: Adnan Zowain  |  بتاريخ: 2012-08-31 ، الوقت: 20:27:29
  • تقييم المقالة:

اعداد :- الدكتور عدنان زوين

مجلة الهند \ تصدر عن السفارة الهندية في دمشق

العدد – 158 – آب / أيلول – 1998

 

 

الوحدة في التنوع مقاييس لمؤثرات حضارية في الهند

ان جاز لنا وضع معايير لعرض حضارات الامم وتحضر الشعوب , فالأولى ان نأخذ بعين الاعتبار كلاً من الاصالة وعراقة التاريخ وما يمكن ان تقدمه تلك الشعوب في سبيل رفاهيتها , فضلاً عن محاولات الحفاظ على ما لديها من قيم وتقاليد راسخة وأصيلة . وتفخر الهند بأنها قطعت اشواطاً في هذه المجالات .  بلد مترامي الاطراف يعج بالسكان , الذين جمعتهم اواصر مختلفة تمثلت في اختلاف اللغة والدين والأصل والعرق , وبالتالي تمازج ثقافي عجيب . ان الهند في مضمار تلك الثقافات استطاعت ان تثبت اركان دولة كانت امتداداً لحضارة رصينة حتى يومنا هذا . وفي اي بلد اخر , خصوصاً في بلد كالهند بتاريخه الطويل وثقافاته المختلطة والمعقدة وعروقه المتباينة وحضارته الموغلة في القدم ... نقول يمكن دوماً العثور على وقائع ومبررات لدعم اطروحة تقبل عادة اساساً لحوارات ما .

فالمسيرة القافية في الهند كغيرها كانت وليدة التطور الحضاري اولاً ومن ثم تبلورت وتأصلت عبر القرون دون غيرها من الثقافات المعروفة بسمات من قبيل :

    شرقية الملامح بكل ما لها من خصائص ومزايا . بساطة في التفكير والتعبير والعمل والانجاز ... الخ . الديمومة والاستمرارية : قليلة هي الامم التي استطاعت ان تعبر حواجز الزمن دون ان تتأثر سماتها وأفكارها الحضارية , رغم كل ما شهدته المنطقة من تدخلات اجنبية . بيد ان الزمن كان كفيلاً بصهر الثقافات الاخرى وما خلفته من تأثيرات بشكل او بأخر لتنتظم في محصلة الامر ضمن اطار الثقافة الام للمنطقة .
حضارة الهند وعبئ الماضي

لا شك في ان اعباء الماضي وتراكماتها عبر تاريخ الهند الطويل لم يكن الا مؤشراً لنتاج وعظمة تلك الحضارة وتشعبانها الثقافية وتفرعاتها الفكرية , وليدة التفاعلات التي افرزتها الخصائص الاجتماعية والحياتية وتعقيداتها لامه تباينت فيها كل الخصائص والمقاييس . ففي خلال ثلاثينيات هذا القرن وصف جواهر لال نهرو الهند في ظل الحكم البريطاني بانها " دولة قنوعة , حبيسة رغم قوتها الهائلة , ولا  تكاد تجرأ على التنفس بحرية , ويحكمها غرباء من بعيد , وشعبها فقير بدرجة لا مثيل له ويعاني افراده من قصر العمر وعدم القدرة على مقاومة الامراض والأوبئة " .

وهكذا كان جل هدفه , عندما نصب كأول رئيس وزراء للهند في عام 1947 , الدعوة لإنهاء الفقر والجهل والمرض وعدم تكافؤ الفرص . ولم يكن نهرو وحيداً في هذا المنحى , بل كان المهاتما غاندي هو الاخر الداعية لذلك بقوة , ... قال : " ان الهند لن يتحقق لها استقرارها السليم الا حينما يتحرر افقر بنيها من المعاناة الانسانية والفقر " .

هكذا هي حضارة الهند

لقد وفرت البيئة الاجتماعية في الهند قدر كبير من الاستقرار للحضارة الهندية , وأعطت الجماعة قوة وانسجاماً , الا ان ذلك اعترض سبيل التوسع فيها . فقد ساعدت على تطوير الحرب والمهارات والتجارة ولكن في اطار كل مجموعة بصورة منفصلة . وهكذا غدت بعض انواع النشاطات وراثية يتوارثها الابناء , وسادت نزعه حول الابتعاد عن النشاطات الثقافة الجديدة وبالتالي الانغلاق ضمن العمل الرتيب وصولاً الى تقييد المبادرة وخنق روح التجديد .

يقال ان لكل قوم من الاقوام في الهند سمات مميزة , بيد انها تحمل جميعها طابع الهند الخاص , ان كيفية محافظة الاقوام على المواصفات لكل منها يعتبر بحق امراً مدهشاً . وعبر التاريخ , هناك دوماً شيء حي وديناميكي في التراث الثقافي الهندي يتجلى في اساليب الحياة ومشاكلها بالإضافة الى الموقف الفلسفي لها , فالهند القديمة , مثلها مثل الصين القديمة , ضلت عالماً مستقلاً بذاته , ثقافة وحضارة ... اعطتها طابعاً مميزاً لكل شيء . تدفقت التأثيرات الاجنبية على تلك الثقافة وأثرت فيها غالباً وجرى تمثلها وصهرها كانت النزعات الانفصالية الداعية الى التمزيق تؤدي مباشرة الى محاولات ترمي الى تحقيق التزاوج والتركيب . كان هناك دوماً ثمة نوع من حلم الوحدة  يراود عقل الهند من فجر الحضارة . والوحدة تلك لم تكن تفهم بوصفها شيئاً مفروضاً من الخارج , وتعميمها للعناصر الخارجية تلك . وحتى ان المعتقدات – اي كان شأنها – كانت شيئاً اكثر عمقاً , شيئاً تجسد في ممارسة اوسع اشكال رحابة الصدر ازاء العقيدة والعادات . وفي الوقت الحاضر , وبعد ان تطور مفهوم القومية اكثر من ذي قبل , نرى الهنود ... لاسيما اولئك الذين يقيمون في البلاد الاجنبية يشكلون مجموعة قومية , يتماسكون لأغراض مختلفة , رغم تبايناتهم الداخلية . فالمسيحي او المسلم الهندي يظل هندياً في نظر الاخرين حيثما ذهبا .

هناك دوماً تنوع هائل في المجتمع الهندي , وهو شديد الوضوح , ولا يخص المظاهر الجسدية فحسب بل وحتى الى جملة من العادات والتقاليد والنزعات الذهنية ان الاصول العرقية بين السكان مختلفة رغم امكانية وجود مواقف مشابهة , الا انها شملت في الكثير من الاحيان اختلافات الوجه والشكل والمأكل والملبس واللغة بطبيعة الحال . ولكن مع وجود تلك الفوارق , الا ان هناك دوماً ثمة طابع هندي يضم الجميع , ويطبع مختلف القوميات والأعراق . وعلى الرغم من ان التغييرات الدينية , سواءً اكانت هندوسية او بوذية او اسلامية كان لها تأثيرات بشكل او بأخر , ولكنها لم تستطيع ان تبدل كلياً تلك الخلفيات الذهنية والفكرية التي كان سكان المناطق قد رسخوها عبر السنين .

لقد كان من اثار رفد الحضارات والثقافات المختلفة على الهند ان برزت العديد من الظواهر التي اخذت طريقها الى داخل المجتمع , وحتى انها استفحلت – اذا جاز لنا ذلك – على مدى السنوات اللاحقة .

    اعتماد اللغة الفارسية لغة البلاط لحكام المغول في دلهي . انبثاق اللغة الاوردية وهي لغة خليطه من السنسكريتية والفارسية والعربية , وكانت الاوردية احدى اللغات الرئيسية حتى عشية استقلال الهند في عام 1947 . ظهور حركات دينية معتدلة ومتوسطة في معتقداتها فيما بين الاسلام والهندوسية . وتعتبر ديانة طائفة السيخ خير مثال لتلك الديانات الخليطة فيما بين التوحيد الاسلامي والهندوسية . ضعف حركة الكاست ( الطبقة الاجتماعية ) باستمرار مقابل الديانات الاخرى التي لا تعتمد فلسفة الكاست مثل الاسلام والمسيحية . يجدر الاشارة الى ان المجتمع الهندي ورث نظام الكاست من المجتمع والديانة قديماً . اضعاف الدولة المركزية وبحيث اصبحت التدخلات الاجنبية ظاهرة وواضحة للعيان . فعلى سبيل المثال احتلال نادر شاه الهند , وفصل افغانستان عن الهندوستان , واحتلال الافغان لمناطق شمال الهند والاحتلال البريطاني التدريجي للهند والسيطرة عليها . واخيراً يمكن القول في هذا المجال في ان الكثير من الحضارات والدول السابقة في التاريخ كانت جسوراً لعبور الفاتحين . الحقيقة انني اميل في اعتقادي الى جملة من الاسباب تفسر التواصل الحضاري والثقافي في الهند عبر التاريخ , ويمكن اجمالها مجتمعة او فرادى وفق عمق التأثيرات التي تركتها في المجتمع والثقافة الهنديين. قد يكون التقيد بنظام الكاست ( الطبقات الاجتماعية ) احد الاسباب الرئيسية التي حدت بالمجتمع الهندي الى المحافظة على تراثه وثقافته , وذلك رغم مناوئة ذلك النظام للكثير من الحركات الفكرية . طبيعة الهندي في تعامله مع الاشياء ( بساطته ) جعلته يحاول الابتعاد قدر الامكان من كل ما له من منعكسات سلبية على الواقع الاجتماعي . قد تكون الظروف البيئية السائدة في شبه القارة سبباً وراء تعميق الجذور في العلاقات والارتباطات الاجتماعية بين العائلات والقوميات  ... الخ  ,وذلك من منطلق ما يصيب الفرد او المجموعة قد يصيب الجميع , وكذلك من منطلق كون المجتمعات كلها امام وحدة المصير ان صح لنا تسميتها ( امام الظروف الطبيعية ) فاذاً يبقى التكاتف للوقوف ازاء عدو واحد . وعلى الرغم من كبر رقعة شبة القارة , الا ان الاعداد الهائلة من السكان وتوزعها بطول البلاد وعرضها ( اذا ما استثنينا المناطق الصحراوية ) جعلت من انتشار القرى والأرياف والمدن الصغيرة والكبيرة امراً مألوفاً , وبالتالي استمرار التواصل عبر تلك القرى والمدن والتي تمثل التركيبة الاجتماعية السائدة , هذا في وقت لم تكن تتوفر فيه وسائل الاتصال السريعة المتعارف عليها . وفي هذا المنحى , ليس هناك انقطاع بين القرى والمدن على مدار المقاطعات . لقد كان للانتشار السكاني دور في خلق نوع من التواصل الاعلامي المستمر للأفكار , المبادئ والفلسفات ... الخ بين السكان .

ان افكار الهنود عموماً , لاسيما الدينية منها ذات طبيعة معينة متينة ومتجذرة في النفوس – الامر الذي منع ابناء الهند من الانحراف وراء الافكار والفلسفات المستوردة .

الطبيعة الاجتماعية والنفسية للمواطن الهندي وحالة التسامح التي تراوده دائماً , خاصة حيال الغرباء قد تكون سبباً لتقبل الافكار دون ثمة عناء يذكر . لقد كان لطبيعة التسامح الذي امتاز بها الهندي منعكساتها الاخرى       ( السياسية والفكرية ) على الفرد والجماعة بالإضافة الى تأثيراتها الثقافية والاجتماعية والفلسفية .

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق