]]>
خواطر :
لا تلزم نفسك بأمر أو فعل لا تقدر عليه ، وكن واقعيا في أمور تخصك حتى يهنأ بالك   (إزدهار) . 

و تستمر الحياة ..

بواسطة: محمد الفاتح  |  بتاريخ: 2012-08-31 ، الوقت: 17:59:15
  • تقييم المقالة:
كأي شابٍ حرَف مسارَ حياتِه بعنفٍ في لحظةِ استشرافٍ للحقيقة .. حقيقة الحياة .. ليرسُم لنفسِه معالمَ الطريق ، و قد خلع على عتبة التصوُّر الجديدِ رداءَ الجاهلية البالي !

كأي شابٍ استشعر معانيَ الغربة بين أقرانِه و معارفِه .. بل و بين أهلِ بيتِه ... غربة التصوُّر و التفكير .. غربة الاهتمام و الشُّعور .. غربة .. في كل مناحي الحياة ..

كأي شابٍ عزَم على سلوك الدَّرب الوعِر تاركاً وراءَه آمالا تُشيَّد في منتصف البِناء و أحلاماً ورديَّة أيْنعَت و حان وقت القِطاف .. و قد حدّد الوِجهة و استعان بالله في تحصيل الزّاد لمُؤنة الطريق ..

كأي شابٍ .. باع نفسَه لله .. و قبض مُقدم الأجر ؛ رفعةً في التصور و سموّاً في الشعور و عزةً في النفس و نقاءً في الروح .. في انتظار مُؤخر السّداد .. و هو الأجزى و الأوفى ؛ جناتٌ تجري من تحتها الأنهار و نظرةٌ إلى وجه الله الكريم .

.. كأي شابٍ آخر .. لآن طرَفُ هذا الشاب إلى شيءٍ من زينة الحياة الدنيا .. و مَالتْ نفسُه إلى بعضِ الأُلفة  .. و قصدُه في ذلك ؛ الاستئناس في وَحشة الطريق و جَبْرُ الغربة المقيتة برِفقةٍ حَسنة .. تقَرُّ بها عينُه و تطمئِن لها نفسُه .. فيَخطوان معاً خَطوَ المستبصِر الرّشيد في تؤدةٍ و ثبَات .

كانت تلك أمنيةً تُراوِدُه بين الحينِ و الحينِ .. تُخفِّفُ عنهُ من ضغطِ الواقع المرير.. لكن حال بينهُمَا الموج ! و لولا رحمة ربِّه لكان من المغرَقين ..
موجٌ من فوقِه موجٌ من فوقِه سحَاب .. ظلماتٌ بعضها فوق بعض .. مِلؤُها حقدٌ دفين و ظاهرها إخاءٌ كريم !
موجٌ هبَّتْ به رياح الصَّحب .. و يا أسفاه على الصَّحب و الأصدقاء !! لا صُحبةً حفِظوا و لا صِدقاً نطقوا !
لم يعُد يُجدِيهم التخلل من كثرةِ ما تناولته ألسنتهم في غَيْبتِه ..  تارة باللمز و التحقير و أخرى بالسَّب و التشهير .. و الشرر يتطاير مما تخطه أيديهم الآثمة و تلوكه ألسنتهم الجوفاء !  و قد أُخِذَ عليهم عهدُ الله أن يكفُّوا ألسنتهم .. فإذا بهم كل يومٍ للعهد ناكِثين !
صديقٌ واحد .. واحد فقط .. سعى للتَّبيُّن فيما وَصله من نبأ الأفَّاكين .. و لم يرْفُث و لم يصخَب كما الباقين .. له كامل الاحترام و التقدير .. و الامتنانُ و الشكرُ الجزيل ..

أمّا من تلبسوا أمس بلباس الصداقة و يُضمِرون في أنفسهم ما لا يُظهِرون .. فرسالة الشاب لهم أن تمادَوْا في غيِّكم فإنما تخفِّفُون عنه بعضَ ما ينوء بحِمله  ..

و أمّا من سارت معه في درب الأشواك خُطوات .. فقد كان موقفها صادماً و مؤلماً بشِدة .. لقد ألقَتِ السَّمع إلى شياطين الإنس و صَخَّت آذانها عمَّن صدقَها القول و الشعور من أول يوم !

ألمٌ يفوق كل احتمال .. شبيهٍ بذاك الفراغ الذي قرأ حروفه مرتسمة على ملامح شقيقته يوم أن فقدت جنينها .. بل هو فراغ أشد .. لأنه لا يُعوَّض و لا من يملأه لا اليوم و لا غدا !
و مع ذلك كله .. فإن قلباً أحبَّ يوماً بصِدق .. لن ينقلبَ صاخباً في وجهِ من أحبَّ .. أيا كانت الأسبابُ و المُبررات .. سيحفظ لها قَدْرَها و يرفَعُ مقامهَا و يذودً عنها في كل مقامٍ و مقَال ..

و إنّه الآن ليُراجِع نفسه مرّاتٍ و مرّات .. هل كان في مَيْلِه هذا عيب ؟ هل هو حرام ؟ هل حاد عن جادّة الطريق ؟

كلا ! إنّ الأهداف الأسمَى و الغاياتِ العُلا لا تتعارضُ أبداً و ما أحل الله ..  و هل يزعم أحدٌ لنفسه غاية التقوى و كمال الإخلاص أكثر من نبيِّ الله -صلى الله عليه و سلم- !؟ و قد ناله ما ناله من حظ الدنيا تعبُّدا لله عز و جل و شكراً لنِعمِه !؟

قُتِلَ الخرَّاصون .. و قد جعلوا من أنفسهم أوصِياء على قلوبِ العِباد ! فلا يقول بذلك إلا جاهل متنطع متصنِّع للتَّقوى .. و أمرُهُ عليه رَدّ .. إذْ لا رهبانية في دين الله !

كان هذا الشعور واضحاً في ذِهنِ الفتى من أوّل يوم .. يتعبّدُ الله به و يصدُقُ نفسَه و الآخرين ,, لكن جرحاً بليغاً جعَلهُ اليومَ يعدِل عن هذا كله .. لا رهبانيةً و لا استقذاراً لما أحل الله .. و لكن تخفُّفاً من حِمل ينوءُ به و لا طاقةَ لهُ بهِ بعد اليوم ..
لقد كان الجُرح كافياً .. لأن يغلقَ الفتى أبوابَه و يختِم عليها بالشمع الأحمر .. و قدَرُه أن يعيش غُربتَه مضاعفةً و لا يسعدَ بغيرِ الله رفيقاً و مُؤنِساً ..

فطوبى لِمن كان غريباً بين الناسِ خليلاً للرحمانِ في عليَائِه .. و تستمرُّ الحيَاة ..

http://abu-ussama.blogspot.com/2012/08/blog-post_31.html


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق