]]>
خواطر :
متعجرفة ، ساكنة جزيرة الأوهام ... حطت بها منذ زمان قافلة آتية من مدينة الظلام...الكائنة على أطرف جزر الخيال...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

القيادة في المجتمعات

بواسطة: Hasan Alnajjar  |  بتاريخ: 2012-08-31 ، الوقت: 03:06:12
  • تقييم المقالة:

في كل عصر , وفي كل شعب , هنالك أفراد يستقطبون اهتمام الناس ويكسبون الأكثرية , وعليهم تنعقد آمال الناس ومطامحهم , لكن ليسوا دائما ممن يحوز على منصب الرياسة السياسية والحكومية , فسواءا حصلوا عليها أو لا هم قد حصلوا على القيادة , فمثلا في الهند حصل المهاتما غاندي على قيادة لا على منصب ؛ فأحيانا تثنى وسادة القيادة للثائر , وأحيانا لمنقذ الاقتصاد والحالة المادية , وأحيانا للفيلسوف , وأحيانا للفنان والأديب , وأحيانا للطيب وأحيانا للخبيث , وأحيانا للشيخ وأحيانا للشاب , كل ذلك يعتمد على فلسفة الجيل وتطلعاته وظروفه العصرية ؛ أحيانا تستمر القيادة بضع سنين , وأحيانا لا تنتهي إلى بوفاة القائد , وأحيانا تستمر بعد وفاته , بل تتحول قيادته إلى ألوهية , مثل هبل واللات التي ورد في بعض المصادر أنهم أفراد كانت لهم قيادة لمجتمعات شبه الجزيرة العربية , لكنها أكثر من قيادة عشائرية وقبلية مثل أبي سفيان وغيره , إن القيادة لا تتحول إلى التقديس إلا إذا كانت تتضمن قيادة روحية , فالجاذبية الروحية للشخص هي التي تدفع للتقديس بعد وفاته , لا الجاذبية الاقتصادية والاجتماعية والطبقية ..

       وقد تنصب اهتمامات الناس وتنعقد مطامحهم بالقائد السياسي دون أن يأخذ بمجامع قلوبهم , ويقود أرواحهم , لكن هيبته الطبقية , وصلاحياته في ذلك المجتمع تجعله يحصل على القيادة قهرا وفرضا على المجتمع . وهذا لسنا بصدد الكلام عنه , إنما نتكلم عن الظواهر التي تتكرر تلقائيا , أي المرتبطة بطبيعة المجتمعات , أما هذا النوع فأسباب حصوله واضحة ولا تحتاج إلى التحليل .

    يلاحظ بأن قيادة الجيل على مر التاريخ , تأتي بعد زمان من الخمول , والافتقاد للشخصية التي تسيطر على القلوب , وقد نعيش هذا حاليا في الوطن العربي بل في أكثر دول العالم , وهي غياب القطب الاجتماعي , بل يوجد أكثر من شخصية في كل مجتمع لها شيء من تلك القيادة , أما أن توجد شخصية كالقمر بين النجوم فهذا لم يحصل في القرن الحادي والعشرين الميلادي , وقد كان موجودا حتى أواخر القرن السالف , فقد كان موجودا في العراق مثلا ولا نريد ذكر الأسماء , وفي الخمسينيات كان موجودا أيضا في العراق , وقبله كان موجودا في مصر , وفي كوبا , وفي ألمانيا والاتحاد السوفياتي , نعم فهنالك شخصيات مثل لينين قيادتها لبعض الشعوب قل نظيرها , وإلى الآن , فقد تم الحفاظ على جسد لينين للشعور على الأقل بالحضور البدني لذلك القائد ؛ إن هذه الأمثلة غير متجانسة أبدا , ففيها رجل الدين , وفيها الرجل العسكري والسياسي , وفيها المفكر , حسب الجيل والعصر كما ذكرنا , لكنها تشترك في صفة واحدة متشابهة عينا , وهي صفة القيادة للقلوب .

       والآن علينا أن نعرف ما هو سر تلك القيادة ..

       إن قيادة الفرد للآخرين تدور حول ثلاثة محاور :

المحور الأول / المبادئ : إن المحور الأول في القيادية هي المبادئ التي يحملها ذلك الشخص , كالإنسانية , والحرية , والثورة , والاقتصاد , والحكمة , والدين , والأخلاق , والمحبة .. الخ . لكن أليس هنالك الكثير من الأفراد الذين يحملون هذه المبادئ في المجتمع , فلماذا هنالك شخص أو شخصين منهم يتميزون بالقيادة بينما الآخرين لا يفعلون ذلك ؟ على أساس هذا السؤال هنالك محورين آخرين . المحور الثاني / الأطر العصرية للمبدأ : إن البشرية لها أساليب وأطر حياتية متقلبة مع مرور العصور , وفقا لما تتوصل إليه من رؤى واكتشافات وأفكار وآلات جديدة , بل وشخصيات أو جهات أو فئات قيادية جديدة للأجيال ؛ فعندما تعتمد هذه الألوان الحديثة , فهي تحتاج إلى الانسجام بين المبادئ الحقة القديمة وبين الأطر والأصباغ الجديدة , وإلا فقد ترغب عنها , وتتقبل الأفكار الجديدة حسب تلونها بالألوان الجديدة لا حسب صحتها وأحقيتها , تتقبل الرؤى المنبثقة من الاكتشافات مهما كانت , تماما مثل الرؤى العلمانية , لأنها تعتبر الشيء الحديث من الاكتشافات بما أنه لم يذكر في المناهج الأخرى كالدين والتقاليد , اذن فهما _أي الدين والتقاليد_ يعتبران تخلفا وقيدا للتطور . إن القيادة تعتمد جدا على ظهور المبدأ بالأطر العصرية , بينما تجد آخرا يطرح نفس المبدأ , لكن لا قيادة له , لأنه لا يتكلم مع الشباب بلغة أفكارهم ورؤيتهم . _على سبيل المثال_ جبران خليل جبران , الذي أخذ يكتب عن المسيح بالأسلوب والمنهج الأدبي الذي تميز به القرن الماضي , حيث كان الأدب ضمن أدوات التسلية والترفيه لدى الشاب ؛ فهنالك عملية عظيمة قام بها , حيث إن الشباب المسيحيين أصبح لديهم مقياس آخر للمبادئ من حيث رقيها , فكتب جبران لهم عن المبادئ المسيحية ما يجعل مقياسهم الحديث يشير إلى أنها مبادئ راقية , ولم يكتبها لهم بلغة الكنائس ؛ وعلى كل فقد حصل جبران على قيادة الشباب آنذاك . وهذا نفس ما فعله أحد المفكرين في إيران , والذي ألقى بنفسه في إحدى دوائر الشبهات والشكوك في تلك الفترات , بسبب الأطر التي استعملها في تقديم المبادئ الإسلامية الأصيلة , فلذا قاد الشباب , وكان له دورا عظيما في كسب الشباب الإيراني نحو الإسلام , وجعله يثور على النظام , ولكن هذا الدور لا يقر به الآخرون _إلا قليلا منهم_ مع الأسف . إن تلك الأطر الجديدة تمثل المقاييس والموازين الجديدة لإبداع ورقي المبادئ , فمثلا في فترة من الفترات تكون أهم تلك المقاييس هي المنطق , فالفكرة الأكثر إبداعا ورقيا هي الأكثر منطقية , بينما في الفترة التي تليها يكون المبدأ الأكثر حداثة هو الأرقى , ثم يكون المبدأ الأكثر شفافية هو الأرقى , ولعله هذا ما ينطبق على مقاييس الجيل في عصرنا , اذن فالمقاييس تنسجم وعقلية الجيل أو رؤيته أو تطلعاته التي كانت هي أطروحة العصر . ولعله من الأسباب التي جعلت القرآن الكريم يؤطر بإطار البلاغة هو أن البلاغة كانت أكبر تطلعات الإنسان العربي , بل مقياسه في تقييم المبادئ هو بلاغة الأبيات والأمثال التي تؤطر بها تلك المبادئ. المحور الثالث / توغل المبادئ في أعماق الإنسان : وهو ما أطلق عليه القرآن كلمة "الإيمان" . إن الشخص لا يحصل على قيادة على أساس مبدأ إلا بعدما يستشعر المجتمع إيمانه العميق بالمبدأ , وأنه قد شغل همه حقا , وأخذ مأخذا من حياته , وأنه يضحي في سبيل ذلك المبدأ , فمثلا لا نجد مجتمع المستضعفين يلتف حول من يحمل مبدأ مواساتهم ونصرتهم ورفع الاستضعاف الاجتماعي والاقتصادي عنهم وهو شخص مترف , بل يلتف حول من له جانبين , الجانب الأول هو المبدأ الذي ينصر البسطاء , والجانب الآخر هو أن يكون حامل المبدأ هو أول مطبق وممتثل لمبدأه , فعندما يجد المجتمع بأن صاحب المبدأ قد حققه في نفسه , فسوف تنطلق الآمال في ذلك الشخص ويصبح قائدا , فهكذا أصبح الإمام علي قائدا تاريخيا لكل الشعوب لا لشعب معين , حيث اختار لنفسه أبسط الثياب , وأبسط الطعام , وهكذا يشابهه فعل غاندي , حيث اختار لنفسه أبسط ثياب يرتديها رجل هندي , ولا ندري لعله سمع غاندي بعلي ابن أبي طالب , أم إنه شيء واضح مدى تأثير تطبيق المبدأ على القيادية . كما نجد أن الشعوب تلتف حول الشخص الذي ينادي بالمظلومية ما إذا شعرت بأنه حقا إنسان محزون ومغموم بسبب مبادئه , ونجدها تلتف حول من ينادي بالقيم الراقية ما إذا جسدها في نفسه ليكون مصداقا حاضرا أينما ألقى مبادئه , ونجدها _على كل_ تلتف حول ذي الهمة والتضحية التي تثبت للناس صدق التمسك بالمبدأ مثل ارنيستو جيفارا ؛ لكن كل المضحين في التاريخ لا يضاهون شهيد الحرية والإباء الحسين عليه السلام .  ونختم الكلام بأن المبادئ التي تكسب المجتمعات والشعوب لها صفات تختص بنوع المبدأ وطبيعة الشعب والحضارة , وبمدى انسجام المبدأ مع التطلعات العصرية , فحتى لو كان من المبادئ الحقة الثابتة , لكن يجب أن يعرض وفقا للتطلعات الجديدة للجيل , ويجب أن تكون المبادئ قد تجسدت في صاحبها , وتركت أثرا على حياته , ليعرف الناس صدقه .
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق