]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

وثيقة مقابل حذاء !!

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-08-30 ، الوقت: 10:26:58
  • تقييم المقالة:

 

 

جلس إلي صديق ، بعد أن غاب عني مدة عشرة أيام كاملة ، قضاها في إحدى الدوائر الحكومية ، للحصول على شهادة الإقامة لأجل ولده ، الذي احتاج إليها ، لكي يدفعها مع غيرها من الوثائق لإحدى مدارس تعليم القيادة ، بغية الحصول على رخصة سوق السيارة .

جلس إلي ، وهو مشحون بشتى الانفعالات ، التي توحي بالغضب ، والحنق ، والسخط ، وقال لي : 

ـ لم أكن أتصور أن الحصول على شهادة الإقامة يتطلب من المواطن وجع الدماغ ، وآلام الفؤاد ، وورم الأقدام ، وفي النهاية إهداء ( حذاء ) بعد كل هذا العناء !!

انتبهت إلى كلمة ( حذاء ) ، واستغربت ، وسألت :

ـ وما دور الحذاء في الحصول على شهادة الإقامة ؟!

فأجاب :

ـ دوره فعال جدا ، ولو كنت فطنا ، منذ البداية ، لوفرت على نفسي تعب المشوار ، ولما عانيت من فظاظة الموظف !!

سألت :

ـ وهل كان الموظف فظا ؟

أجاب :

ـ كثيرا يا صاح ؛ مرة معي ، ومرة مع ابني ..

سألت :

ـ كيف ؟

أجاب :

ـ ذهب ولدي أول الأمر إلى دائرة ( ... ) بغية الحصول على شهادة الإقامة ، كي يسلمها مع باقي الوثائق لمدرسة تعليم قيادة السيارة ، فطلب منه الموظف المسئول (الموافقة ) ، فأحضر له ( الموافقة ) .. فطلب منه مرة ثانية ( فاتورتي الماء والكهرباء ) ، فأحضر له الفاتورتين .. فطلب منه مرة ثالثة ( توصيل الاكتراء ) ؛ لأن الدار ليست ملكنا ... فاستاء ولدي من هذه الأوامر المتعاقبة ، ورجاني أن أذهب بدلا منه ، ليتفرغ لعمله .

فاستعذت من الشيطان الرجيم ، وتوكلت على الرحمان الرحيم ، وذهبت بالوثائق المطلوبة .. نظر إلي الموظف شزرا ، وفحص الوثائق مليا ، ثم قال بتأفف :

ـ إن توصيل الاكتراء يحتاج إلى مصادقة صاحب الدار ، وإمضائه الشخصي .

ولأن بين صاحب الدار وبيني مشاكل وقضايا ، وشكاوى وأحكاما ، فإنني قدمت بين يديه ، في اليوم التالي ، جميع الأوراق التي تثبت ذلك ، فاقتنع على مضض ، وفهم مشكلتي ، وأشفق على حالي ، ووعدني أنه سيمنحني الشهادة ( كأنها صدقة من بيت مال الدولة ) ، بشرط أن أرسل له ابني كي يوقع ..!! ( يوقع ماذا ؟ لست أدري ) . فذهب ابني مذعنا ، فأمره هذه المرة ، وبكل جرأة ووقاحة ، أن يشتري له ( حــذاء )  !!

فذهل ابني ، واستاء من جديد ، وعاد ليخبرني بما جرى .. فاجتاحني غضب شديد ، وسخط عنيف ، وقررت أن أواجهه ، وليكن بعده ما يكون .. غير أنه تفاجأ بحضوري عوض ابني ، واستكان بمجرد مثولي في مكتبه ، وسلم لي الشهادة عن يد صاغرة ، ونفس صغيرة .

قلت أهدئ من روع صديقي ، وأخفف من سورة غضبه :

ـ لا تغضب يا صديقي ، فكل بلد يشكو من هذا الفساد ، وكل مواطن يشهد معاملة سيئة من موظفين فاسدين ، ويشهد معاملة حسنة من موظفين صالحين أيضا .. غير أنه يجزع للفساد المتفشي بكثرة ، ولسوء المعاملة المفرطة ، أكثر مما يطمئن إلى الصلاح النادر ، وحسن الإدارة القليل ؛ لأن قوة الفساد طغت على رغبة الإصلاح ، ونفير الشيطان غطى على ناي الضمير ...

فقاطعني صديقي ، وقال لي ضاحكا :

ـ وذلك الموظف لم يصغ إلى ضميره ، وأنصت لقدميه !!!


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • أحمد الخالد | 2012-08-31
    المفارقة اللغوية في الجملة الأخيرة ... هي اللحظة القصصية الوحيدة في المباراة كلها ... !!
    على الرغم من أن اللغة صائبة ... إلا أن الحالة القصصية لم تتم بإيجاز يناسبها .. هذا أسلوب في التلقي
    -------------------------------------------------------------  
    وأحسنت يا صدبقي ... فلديك لحظة قصصية جديرة بالتأمل .. ولديك عبارات جد رائعة مثل ناي الضمير ولم يصغ إلى ضميره ، وأنصت لقدميه ... وددت لو أن اللحظة أكثر إيجازا .. ولكن عباراتك الرائعة عوضتها . في انتظار أعمالك الجديدة
    وهذا أسلوب في التلقي أيضا ؛ أود لو استفدنا معا من الفارق .
    ----------------------------------------
    قد أجد في نفسي الرغبة في التصفيق لبعض تعبيراتك ، لكن رغبتك في عدم التعبير شعورا واحساسا منعني !!
    --------------------------------------------------------------
    كان يمكنني أيضا تفتيت النص تفتيتا نقديا ولكننا لسنا في مباراة استعراض لفتوة ثقافية ، نحن في ربوع محطات للتذوق

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق