]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

سيمفونية الموت

بواسطة: ahmed hajhussein  |  بتاريخ: 2012-08-29 ، الوقت: 21:56:15
  • تقييم المقالة:

ابتسم ابتسامة عريضة , انشرح صدره , وصبح وجهه , عندما استنشق نسمات الصباح وهي ممتزجة بريح الحياة , دب النشاط في جسمه , شعر كما لو انه ملك العالم , انسحبت الافكار الساذجة من ذهنه كما لو انها تتحرر من قيود السذاجة , لتفتح مجالا اكبر لاستيعاب حجم السعادة التي غمرته , شعر بالمصطلحات كما لو انها تجري مع الدم في عروقه , كما لو انه صياد انشق على فريسته , شعر بالحرية في فكره وفي الحب في قلبه وبالكبرياء في ذهنه .

يبدو ان الحياة ابتسمت له من جديد , وان ذكرياته السقيمة اصيبت بشيئ من الفتور وافكاره الهائمة اخذت بالاهتداء , ولكنه ما زال يبدي شيئا من التحفظ على الفكرة , لاول مرة يشتم عبق الحياة ويسمع الالحان التي تعزفها الطبيعة ويرى اللوحة الفنية التي رسمتها ويتذوق نكهة الحرية نكهة الانعتاق من قيود الجهل والذل , انسلت الافكار الجميلة الى ذهنه , تراكمت الافكار الرائعة في دماغه لتلخص المصطلحات في انسان واحد , فارتاح ضميره , وسكن قلبه , وادرك العلم الذي طالما سعى له , فاحس كما لو انه بحر سجى بعد ليلة عاصفة كما لو انه واد ضاج بعد اعوام من الهم والحزن .

شعر كما لو ان غشاوة ازيلت عن قلبه , وبدا كما لو ان الحقائق بارزة الاْن , فهم الكثير من المصطلحات في برهة قصيرة , ظن انه نتاج تراكم البحث عن هذه المصطلحات , فانتقل من مرحلة التفكير بالمصطلح الى التفكير بنقيضه , ولكن تبين له ان فهم المصطلح لا يعني بالضرورة فهم نقيضه .

بدا كما لو انه طائر فتح جناحيه ليرفعه الهواء الى عنان السماء , كما لو انه سجين تلمظ شراب الحرية بعد طول انتظار , فها هو يسمع الحان الطبيعة , يخالطها لحن ساكن يبدو انه لحن الحرية , فاحس انه جزء من هذه المقطوعة .

تاكد في تلك اللحظة ان المصطلحات يمكن ان تكون الحان تسمع , او ان تكون لوحات ترسم , ولكن لا يمكن ان نستوعبها بعبارة تكتب , فلن يكون بامكانه كتابتها ولكنه تساءل اذا كان من الممكن ان يفهمها انسان غيره .

اختلطت الالحان , فاصبح غير قادر على تحديد ما تمثله هذه الالحان , ولكن يبدو انه يوجد لحن صوته بارز اكثر من باقي الالحان , يبدو ان له ميزة خاصة ولكنه ادرك ما هو , فهو اللحن الوحيد الذي لا يتناقض مع اي من الالحان , ولست بحاجة الى التوقف عن عزفه حتى تنتظم المقطوعة في اي من اجزائها , لحن يتفاعل مع صورة هي الصورة الوحيدة التي يتذكرها لانسان في هذه اللحظة .

حاول التمعن بحواسه كافة في اللحن والصورة واهمل باقي الالحان . تفاعلا كما لو انهما جسد واحد , ادرك نوع جديد للفن لوحة ولكنها تبض بالالحان .
صب جل تركيزه على الصورة , حاول وصف صورتها , فلطالما عجز عن التعبير عن صورتها بمصطلح يعطيها حقها , ولكنه ادرك انها كانت مصطلح يصلح لوصف الاشياء وليس موصوف يحتاج الى مصطلح .

ابتسم وقال في نفسه , فعلا ان القمر يشبهها , واراد ان يتمعن في الصورة اكثر . فأبت عينه الا ان تنجذب الى عينيها , فادرك في تلك اللحظة ان العلم مخطأ , وان لكل قاعدة شواذ , فيبدو ان عينيها هي مصدر الضوء , قال في نفسه : اذا هي ترى في الظلام الدامس .

تمنى لو كان جزء من الصورة , لو كان اقرب , لو ان هذه الصورة تختفي او على الاقل هذه الالحان , ولكنه ابتسم حينما تذكر ان هذا اللحن يتفاعل مع كل الالحان ومع نقيضه على ما يبدو .

حاول قصر ادراك الحواس ليتركز على اللوحة لتستوعب هذه الحواس مزيدا من المصطلحات , والتي على ما يبدو انها تفوح من اللوحة , وتنتشر في فضاء الذهن , في اعماق الذاكرة , كالنهر الذي لا ينضب , وعلى ما يبدو ان قلبه , وجدانه خاطره , عقله , قلبه ......., لم ترتوي بعد من هذه المصطلحات بل حتى انه كلما امعن احس انه اظمأ من ذي قبل .

اذا فكل عنصر يمثل بلحن وكل صورة تمثل بلحن , فالحرية لحن والحب لحن والسعادة لحن والدفء لحن ......., تلتحم في النهاية لتكون اغنية , لتكون سيمفونية تعزف من قبل الطبيعة , على ما يبدو انها سيمفونية الحياة .

بدا وكأن الصورة تفقد شيئا من رونقها , كأن الالوان تتبخر حتى الابيض , ولكن صورتها محافظة على حدودها , وان بدت كالظل ليس اكثر , يحاول الانعتاق من قيود الصورة مما اعطاها نوعا من البروز داخل ذلك الاطار , كانت الالحان يعاد عزفها ولكن على وقع اخر, فعلى ما يبدو انها سيمفونية اخرى ولكن بنفس الالحان .

أدرك سر ما شاهده , فعلى ما يبدو ان الموت مدين للحقيقة فعندما يقترب تتجلى واضحة اكثر من ذي قبل , تسارع وقع الالحان على سمعه , وفي تلك اللحظة ادرك ان نقيض المصطلح يمثل بنفس اللحن .

بدا كالسفينة الغارقة , تهبط الى قاع البحر كلما تسارع وقع الالحان , ارتفع صوت الالحان وزادت سرعتها , كأنها تستجيب لنبضات قلبه , أدرك انه يقاسي لهاث الموت , وبدأت الالحان تتباطأ وصوتها ينخفض شيئا فشيئا , وتتبخر المصطلحات من مخازنها في الجسم شيئا فشيئا , وشعر بمصطلح جديد على ما يبدو انه لحن يعزف بعد موته , وادرك ان جميع المصطلحات ما هي الا وليدة هذا المصطلح , شك انه مصطلح الروح , انسحبت منه المصطلحات شيئا فشيئا تتبعها الالحان , حتى لحقت بروحه , وبدا في هذه اللحظة لحن جديد على ما يبدو انه يعلن انتهاء السيمفونية , سيمفونية الموت .


ahmed hajhussein

 


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق