]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

انهيار الدولة

بواسطة: ould lehbibe  |  بتاريخ: 2011-07-26 ، الوقت: 18:17:14
  • تقييم المقالة:

إلى أين تسير مصر؟ إلى أين تسير تونس؟..هذه بالضبط هي هواجس الشارع العربي المشغول بترقب حالة الربيع العربي الذي يبدو عاصفا بشدة، ذلك أنه قد يحيل لأسئلة تبدو مقلقة حقا، وتحتاج لتحليل هادئ وعميق.

يمكن القول أن احداث امبابة الماضية في مصر كشفت عن فوضى عارمة تلف التعايش المصري بعد الثورة، قبلها بأيام يكتب الدكتور أحمد يوسف مقالا مثيرا تحت عنوان : وداعا للدولة،يتحدث استاذ العلوم السياسية في مقاله عن أن الدولة المصرية توشك أن تصبح مهددة بالانهيار اذا إستمرت حالة الفوضى في المطالب ومعالجتها، ثم يرى أن  البديل سيكون هو الديكتاتورية كشكل استباقي للفوضى التى ستؤدي الى الانهيار.

في تونس يتحدث محلل آخر عن تكشف ضحالة الوعي الوطني لدى الناس بعد الثورة، ويقدم وصفا دقيقا للحالة الآن فيقول: الناس يتعاملون مع الدولة كسكان لا كمواطنين. إن السؤال الابرز هنا بعد هذه المعطيات هو: هل نحن في حالة انزياح حقيقي لمشروع وفكرة الدولة في الوطن العربي؟؟؟ ...يبدو السؤال وجيها ومبررا أكثر اذا تأملنا فسيفساء المطالبات والمنازعات في تونس ومصر: إنها هي نفسها في كل قطر عربي وإن اختلفت التفاصيل قليلا، لقد غابت الدولة لعقود عن ترسيخ نفسها كهوية جامعة لكل سكانها، لقد غابت الدولة عن مسرح الثقة لدى المواطن فأصبح شكه فيها وفي رموزها معرضا للتعاظم عند أول بادرة؟؟؟. ومادامت الفتنة المسلمة المسيحية هي نفسها الفتنة المحتملة بين البيض والسود أو السمر ومن هم أشد منهم سمرة في موريتانيا وفي السودان و في وفي .... ،فلنا أن نتوقف عند حالة محددة نكون أكثر قربا منها بمنطق المعايشة والمشاهدة الآنية، ولنا بعد ذلك أن نربط التحليل ببعضه البعض لنكتشف : هل ما زلنا نحتاج حقا للدولة؟ هل توشك دولنا الخمسينية  تقريبا أن تسحب عباءتها السلطوية عنا لتتركنا للتيه والشتات واللجوء كما حدث تماما في نكبة فلسطين؟؟؟؟. تبدو الخيمة والاهل المرتحلون في عمق الصحراء، والظلام الدامس والشخص الباحث عن نار لعلهم منها يصطلون هي أبرز سمات المشهد الموريتاني " كحالة معيارية قريبة" عند تأسيس الدولة سنة 1960 ، وكانت الفوضى أو " السيبة كما يسمونها محليا" حديثة العهد بهذه الصحراء الشاسعة، كانت ضاربة بأطنابها حتى حدود الماء" البحر والنهر"، لذا بدا مشروع الدولة الموريتانية عند تأسيسه ، مجرد استمرار لفلسفة اللجوء للقوة المنظمة لقمع القوة المنفلتة!!، بدا الأمر آنذاك وكأنه نهاية " حديثة ومعاصرة" لفيلم تاريخي " قديم وهمجي". لم يكن من الممكن لنا أن نتصور أن الذهنية " الفوضوية"، التى سادت على هذه الجغرافيا الغربية الافريقية، هي نفسها الكامنة في مناطق أكثر " حداثة وحضارة" كمصر وتونس والعراق وليبيا واليمن والسودان وربما سوريا والبيقية من العربان.. لكن ما يكشفه جبل جليد الواقع العربي المتهاوى تحت وطأة نيران الثورة، هو أن مشروع الدولة الذي بدا متطورا في سبيل تكوين هوية مواطنية ، يخفي أن الشعب العربي والمسلم هو هو مهما إختلفت الجغرافيا والتموضع التاريخي،...هنا إذا رغبة ملحة بالعودة إلى أنتروبولوجيا الدولة. لابد أن ملاحظة أولى ستنغرس في فكرنا إذا تأملنا تاريخ ممارسة الدولة العربية والمسلمة الحديثة، هي أن الدولة كانت طيلة عمرها الخمسيني تقريبا، مجرد ملمح عملاق لقائد فذ يجمع كل الأمور بيده، ويكتسب ألقابا عديدة: قائد الشعب، أبو الأمة، الزعيم الملهم، الملك،...... لقد تحول الكيان السياسي برمته إلى أكسسوار يبرز عظمة الرئيس أو الأمير وضرورة خلوده في كرسي الحكم، ولقد إستكان الشعب لعقود طويلة لهذا الإخراج المتقن لصورة الدولة. وقد يكون ذلك هو ما دفع بعض الباحثين في سسيولوجيا السلطة إلى إطلاق عدة تصنيفات للمجتمع العربي أو المسلم، فقال الدكتور عبد الله حمودي أن علاقة الشعب  المغربي مثلا بملكه، تتماهى مع علاقة الشيخ بمريده ، وألف في ذلك كتابا يحمل عنوان" الشيخ والمريد"، وهو يرمي من ذلك إلى إستنتاج مفاده أن المريد" الشعب" لايرى ولا يمكنه أن يرى أبعد ولا أعمق مما يريد له الشيخ " الملك" أن يراه!!. وعلى نفس المنوال من " تخطئة الذات الشعبية"، سار الباحث البريطاني من أصل عراقي إيلي قدوري، والدكتور هشام شرابي من مصر، ويدفعناهشام شرابي في كتابه " الأبوية الجديدة"،  إلى الاستنتاج أن الديكتاتورية تمثل بالنسبة لنا تراثا " أبويا" يتم تداوله حتى في تركيبة الاسرة الواحدة، ثم يقرر كل اولئك أن الذهنية العربية والمسلمة محكومة بتلك العوائق التى تتداخل مع التاريخ، وغير قادرة بالمرة على الاحساس بأهمية الديمقراطية وضرورة الانتقال نحو حكم منظم وافقي ويؤسس لعلاقة الأنداد الأفقية. وعند الحديث عن التاريخ يروق للبعض دحض تهم " الذهنية القابلة للإستبداد"، فيقولون على العكس من ذلك، أن سلطة الفرد ليست أمرا أصيلا على الأقل في التراث الاسلامي، ذلك أن الاسلام طالما أعطى الاولوية لمفهوم " الجماعة"، وطالما أعتبر أن الفرد الزعيم أو الأمير مقيد بخيارات الجماعة، أي أنه يجمع بشكل ربما فريد بين " الهرمية والأفقية في البناء الإجتماعي والسياسي والفكري"، ثم يستنتج اولئك بدورهم أن انسحاق الدولة داخل هيمنة الفرد ، هو شيئ غير أصيل بالمرة. ثم حدثت الثورة، وتحركت الواقع العربي ليزيح سيطرة الفرد، لكنه الآن يطرح مفهوم الدولة تحت ضغط من نوع آخر هو ضغط الهوية أو المواطنة الغائبة، هل كان الفرد المستبد عاملا على صياغة مفهوم " مفرق " للهوية؟؟، هل يجبر المسيحيون مثلا على تبني مفهوم الجماعة الاسلامي؟ هل يعني ذلك العودة لمربع الذهنية المخطئة والمتهمة للشعب في فكره وتراثه كما أسلفنا؟ ما الذي يجعل السود ينغمسون في عجين " الخبز"، كي يرضوا ذائقة إخوانهم البيض أو السمر؟ هل يعني ذلك ما يعنيه الآن من تحول نحو الفوضى ،حتى لا نتحول نحو النظرة التاريخية المؤسسة لسيطرة الاستبداد وحتمية ذلك؟ تبدو الأسئلة مرتبكة وحائرة وشديدة التداخل مع بعضها البعض وفي سياقات مختلفة، لكننا سنصر على إمساك الخيط حتى النهاية، وسنسأل: هل يمكن لنا بناء هوية مركبة وجامعة؟ هل نلغي عندئذ الفوارق الاثنية واللغوية والدينية؟ أم ندمجها مع بعضها في بنيان فسيفسائي مذهل؟ وهل هناك تجارب واقعية تعيننا على تمثل ذلك؟؟.
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق