]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الحضارة والفن التشكيلي

بواسطة: محمد ناجي  |  بتاريخ: 2012-08-28 ، الوقت: 23:02:12
  • تقييم المقالة:

 

  الحضارة والفن التشكيلي

محمد ناجي ...فنان وناقد تشكيلي

 

بداية البداية لدى الإنسان هي القراءة والكتابةوهي بداية التاريخ المسجل أو المؤرخ أو بداية الحضارة ومظاهرها الثقافية، فالحضارة هي النتاج الإنساني التراكمي على مر العصور من منتوجات عمرانية وعلمية وفكرية وتكنولوجية بالمفهوم الاجتماعي الاقتصادي الشامل والمستمر تاريخيا  أما الثقافة هي طريقة التعامل مع هذه النتجات المادية والفكرية.

فلولا الفنون لما كانت هنالك حضارة أو ثقافة على وجه الأرض، ومن هذه الفنون ومن أهمها الفنون التشكيلية فهي تشمل كل فن له شكل أو هيئة فراغية أي أنها تشكل كل ما له علاقة بالخط والرسم والحفر والنحت والعمارة والبناء والعمران من مدن وشوارع ومساكن وحدائق وأسواق وأثاث وملابس ، وأدوات صغيرة وكبيرة ووسائل نقل ووسائل إعلام وصناعة وكل نتاج ملموس ومحسوس ومرئي ومع أنه ليس كل نتاج هو فن ولكن كل فن هو نتاج وليس كل تعبير هو فن ولكن كل فن هو تعبير ، فالفن هو نتاج حضاري وتعبير ثقافي له شروط وقوانين تميزه عن غيره من نتاج أو تعبير عادي أوغير عادي ، ويجب أن يعكس ذوقاً وعلماً وخبرة ويجذب الناس إليه لما فيه من حس وصدق وذوق ورسائل تنفذ إلى جميع الأحاسيس والعواطف والعقول والادراكات البشرية على مدى العصور وعلى مختلف الثقافات.

فالفن التشكيلي هو كتابة أو لغة عالمية لها عمومية الفن وخصوصية الموطن فهو وسيلة اتصال بين الشعوب وبين العصور وهو حلقة الوصل بين الفنون كلها فهو المحتوى وهو الأداة وهو الوسيلة وهو النتاج الأكبر في الموروث الحضاري  ودوره لا يتحدد في المظاهر الحضارية وانما في إغناء هذه المظاهر بل إغناء المنتج الحضاري نفسه كما ونوعا وهو خالد خلود الحضارة وقائم ما قامت الحضارة .. ومع ذلك فهو بحاجة إلى حماية ورعاية لكونه تعبيرا فهو بحاجة إلى الحرية فيها .. ولكونه فكرا فهو بحاجة إلى حماية  ولكونه إيداعا فهو بحاجة إلى تقدير ولكونه ثقافة فهو بحاجة إلى جمهور ولكونه لغة فهو بحاجة إلى تعميم هذه اللغة ولكونه سلعة فهو بحاجة إلى تسويق .

إن الفن عموماً، والفن التشكيلي منه خصوصاً، هو واحد من أهم العلوم وأكثرها سمواً ورقياً، ذلك أنه قادر على تحقيق التواصل والتفاعل الحضاري مع الآخر بسهولة كبيرة جداً قياساً لغيره من العلوم ، كما أنه أقدر من غيره على إيصال الصورة الحقيقية للعرب ، و المسلمين للآخرين إذ إنه أحد أهم وسائل الإعلام التي يسهل من خلالها الوصول إلى الآخرين وإعطائهم الصورة الصحيحة لنا  ولكن ماهو الدور الذي يمكن للفن أن يلعبه الآن بعد أن تزعزعت نظرية حوار الحضارات.

أن الفنان التشكيلي أقدر من غيره على التواصل مع الآخر ، فالإنسان رسم قبل أن يتكلم ، والإنسان حتى عندما كان يسكن الكهوف عبر عن نفسه بالرسم ، وهو إذا اختار هذه الطريقة فلأنها الطريقة الأرقى والأكثر قبولاً ، والدليل هو سيطرة الإعلام المرئي والفن الصوري على غيره من أنواع الإعلام والفنون ، وهذا الحوار لم يخلق الآن بل إنه موجود منذ أقدم العصور ، وكانت الحضارة بمختلف أنواعها في الشرق والغرب على حد سواء تتواصل مع بعضها ، فالحضارة العربية الإسلامية تواصلت مع مختلف الحضارات في الشام والعراق والهند والصين والأندلس واستفادت منها كما أنها أفادتها ، أضافة إلى ذلك أن الحضارة العربية الإسلامية نقلت ملخصاً عن الحضارات التي احتكت بها إلى العالم الأوروبي ، وقد لعب الفن التشكيلي الإسلامي دوراً كبيراً في خلق حوار فني حضاري متميز ، ونجح في ذلك لأنه انطلق من هويته وحافظ على نكهته الخاصة أما عندما يتخلى عن خصوصيته فإنه يصبح عاجزاً حتى عن التواصل مع ذاته ، ويجب ألا تفرض المنطقة التي يعيش فيها الفنان التشكيلي عليه نوعاً محدداً مطبوعاً بطابع المنطقة التي يحيا فيها وموجهاً إلى أبناء هذه المنطقة وحسب ، ذلك أن من طبيعة الفن أنه ذو طابع إنساني وهو لغة إنسانية عالمية ، وهناك الكثير من الأدلة على صحة ذلك ، فالأوروبيون استفادوا من فن الطباعة الياباني ، وذلك في فترة ظهور المذهب الانطباعي ، كما أننا نلاحظ أن بيكاسو استفاد من الفن الزنجي ، وهذاعملياً حوار فني بين حضارات مختلفة ومتباعدة جغرافياً ، اذاً فالفنان ومن خلال لوحاته الفنية التي يرسمها يستطيع تقديم الوجه الحقيقي لحضارته كما أنه يستطيع من خلالها التأسيس لثقافة الحوار والعمل على إنجاحها.‏


أن الفن لغة عالمية ، وله دور هام في عملية التواصل بطريقة أرقى وحساسية أعلى ، كما أنه هو السلاح الثقافي في مواجهتنا الإعلامية مع الآخر ، ولاشك أن الثقافة والفن التشكيلي بإمكانه إيصال رسالته وخلق جسر من التواصل مع الآخرين ، والفن تقنية عالية لمواجهة الواقع لأن لكل عصر تقنياته ولغاته ، وأعتقد أن الفن هو لغة عصرنا ، ولذلك يجب علينا أن نكون أكثر حساسية ورقياً وتهذيباً لنوصل رسالتنا للآخر والفن التشكيلي أقدر من أي سلاح آخر على إيصال رسالتنا للآخروبإمكان أي إنسان وفي أي مكان في العالم مهما كانت ثقافته أن يتعرف على الفن التشكيلي ، ويتفهمه ويتذوقه ويستمتع به ولا ريب أن هذا يمنحه القدرة على الحوار ، إلا أن المشكلة لا تتعلق في الفنان بحد ذاته فالمهمة الأساسية للفنان هي أن يبتكر دائماً ويبدع ويطور ثقافته ، ويضيف إلى المخزون الإبداعي العالمي وبالتالي يقدم مساهمته في تاريخ الإبداع الحضاري والحوار الحضاري  .

ويمكنني القول إن الفن التشكيلي قد يكون أسرع من غيره في تعزيز حوار الحضارات ويمتلك القدرة على مخاطبة حاستي البصر والسمع بشكل أسرع ، وقد لعبت الاكتشافات الأثرية على يد علماء الآثار في العراق دوراً كبيراً في التواصل والتفاعل الحضاري بين العرب والغرب .

 
« المقالة السابقة
  • عماد الهاشمي | 2012-08-28
    فنان وناقد تشكيلي مبدع يستحق كل الاحترام والتقدير وهو يحمل راية الفن التشكيلي بصدقه وتفانيه ومثابرته وحرصه الشديد على تقديم كل ما يستطيع خدمة لهذا الفن العريق ... مقال يحمل في ثناياه الشيئ الكثير بارك الله فيكم وفي الاستاذ محمد ناجي وكل من يعمل لخدمة هذا الفن الرصين .... التشكيلي عِماد الهاشمي

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق