]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

كل شيء يجري لمستقر له

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-08-27 ، الوقت: 12:47:12
  • تقييم المقالة:

 

كل شيء يجري لمستقر له

 

لا شك أن العالم المادي سيندثر في يوم من الأيام، وأن هذه الأجسام الحية التي تفنى يوميا، هي بمثابة مقدمة لفناء المادة بكل مكوناتها، وأن هذه الشمس التي تنفق يوميا أطنانا من الطاقة بغير حساب، ستنفد طاقتها في يوما ما، وستموت، وبموتها تنتهي الحياة على الأرض، وبذلك يكون قد مات جزء من حياة الكون، بل إن بموتها قد يموت الكون كله. لإن الحياة في الأرض مرهونة بهذه الطاقة التي تجود بها الشمس على الأحياء، وهذه هي طاعتها وسجودها لخالقها. فهي لا تنفق طاقتها إلا طاعة لخالقها، وهي مسخرة في ذلك من أجل بقاء الحياة يانعة مزدهرة على الأرض. وأن الحياة كلها في الكون معلقة بطاقتها، فإن انتهت انتهى كل شيء.

 

إنها شمس الحياة ستموت كما يموت أي مخلوق في الوجود، ومن أمثالها يموت يوميا في مجرات الكون الواسع الكثير، وذلك دلالة على أن الشموس تموت كموت الخلائق الحية، بل أن هذه النجوم التي تكونت من خلال الفتق الأول وأصبح بعضها أثرا بعد عين دلالة على صدق العلم والقرآن معا كون مآل جميعها الفناء، ولكن موت شمس كشمسنا يعني موت حياة الكون بأسره والعودة إلى الوضع الأول (( كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا، إنا كنا فاعلين )). والإشارة هنا إلى العالم المادي الذي أنطلق من نقطة البداية جريا نحو نقطة النهاية طلبا للاستقرار، يقول تعالى: (( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)) أي بمعنى ظننتم أنكم مخلوقون عبثا بلا إرادة ولا قصد، وأنكم لا تعودون إلى العالم الذي خرجت منه أرواحكم. كل شيء في عالم الحياة الدنيا يجري من أجل الرجوع إلى عالم الأصل.  

 

وفي السياق نفسه يقول تعالى : (( والشمس تجري لمستقر لها))، أي نحو العالم الذي ستموت فيه، وينتهي فيه أجلها وتخمد فيه نيرانها، وتندثر فيه مادتها. فالشمس منذ أن خلقها الخالق وهي تجري نحو نقطة الاستقرار والنهاية، ودوران        الأرض حول نفسها وحول الشمس هو الآخر يعد جريا لمستقر لها، كما يعني جري المجموعة الشمسية كلها نحو نقطة الاستقرار الأخيرة، بل يعني جري المجرات كلها إلى نقطة النهاية  والاستقرار، وجري الكون نحو نقطة النهاية يعني أن كل شيء يجري لمستقر له. وأرواح البشر هي كذلك انطلقت في رحلة من عالمها الروحاني إلى العالم المادي، وهي تجري في سباق مع الزمن لمستقر لها. لأن سنة الحياة في الوجود تقتضي أن كل شيء يسابق الزمن ويجري نحو الاستقرار لكسب مادة الخلود.وأن تكوير الليل على النهار والنهار على الليل هو بهذه المثابة جري بالخلائق التي تقع تحته نظامه إلى أجلهم المسمى أو إلى نقطة الاستقرار النهائية، يقول تعالى: (( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ )).[1]  

 

منذ أن كان الإنسان نطفة وجسده يكبر وهو بمثابة جري للخروج من الرحم، ومنذ أن يخرج من الرحم وجسده يجري من الطفولة إلى الشيخوخة، ويريد بذلك الوصول إلى نقطة النهاية قسرا. فالإنسان منذ أن يولد، ولحمه وعظامه وشعره وجميع مكوناته تجري نحو الشيخوخة، وهذا الجري ينطبق على الحيوان والطير والنبات، كل يجري بهم الزمن نحو النهاية. وما دام كل ما في الكون يجري للنهاية، فإن الحياة هي الأخرى في سباق نحو النهاية بغية اللقاء برب البداية والنهاية. وفي ذلك يقول تعالى:

 

(( اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ )).[2]   

 

 (( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)).[3]

 

أي منذ أن خلق الله الكون ـ شموسه وكواكبه وأقماره وأراضيه وليله ونهاره ـ كلها تجري إلى أجل مقدر في علم الله. ألا ترى ذلك الجري صورته تبدو واضحة في كل عضو من أعضائنا ؟ ألا ترى كيف لا نستطيع أن نتحكم في أي عضو من أعضاء أجسادنا وهي تشيخ وتجري نحو النهاية ؟ وألا ترى أيها الإنسان كيف أن الأرض وهي عبارة عن سفينة تحمل جميع الخلائق وتجري بهم إلى النهاية. الليل والنهار والشمس والقمر كل يجري بأعمار الخلائق إلى أجل معلوم أو إلى نقطة النهاية. وكل لحظة تمر من حياتنا هي بمثابة جري، ولكننا لا نعلم أننا نجري، وكلما جرينا ابتعدنا عن نقطة، واقتربنا من نقطة أخرى. اقتربنا من نقطة الخلود الأبدي، أين يتوقف الجري، ويتوقف معه الزمن، كلنا نسعى لاكتساب مادة الخلود، وعندما يلبس الله الخلق لباس الخلود، ينادي مناد (... خلود فيما تجدون لا موت فيها أبدا).

 

إن عودة الخلق إلى نقطة البداية حقيقة قررها الدين والعلم معا. أما ما قرره الدين فهو قوله تعالى: (( كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين)).لأن المادة الكونية التي خلق منها الكائن الحي لم تخلق للخلود،ومن ثم فإن الأرض والسماوات لا بد أن تزولا ويظهر بعد زوال كل شيء المادة الكونية الخالدة التي تجمع بين جميع المخلوقات ـ ملائكة وجن وإنسان ـ، وكما أن أجسام الخلائق تموت وتندثر، فإن الكون المادي كله يموت ويندثر ولا يبقى منه إلا مادة عالم الخلود، مادة لا نرى عالمها بأعيننا ولا ندركه عقولنا، مادة عالم تستقر فيها أرواحنا المجردة من جري لم يكتمل.

 

يقول تعالى: (( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار )). إن ما يتبدل من الأرض والسموات هي المادة وليس المكان،فالجن تسكن معنا الأرض، ومع ذلك لا نراها ولا نلمس مادتها، والعالم الروحاني الذي تذهب إليه أرواحنا وأرواح الجن هو كذلك موجود في هذا الحيز الكوني، ولكن بيننا وبينه برزخا لا يخترقه عقل من العقول متلبس بمادة. 

 

عبد الفتاح ب

[1]الزمر5

 

[2]الرعد2

[3]لقمان29


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق