]]>
خواطر :
لا تلزم نفسك بأمر أو فعل لا تقدر عليه ، وكن واقعيا في أمور تخصك حتى يهنأ بالك   (إزدهار) . 

لماذا قتل الحلاج؟ الجزء الثاني

بواسطة: Abdelfatah Benammar  |  بتاريخ: 2012-08-27 ، الوقت: 05:39:38
  • تقييم المقالة:

 

 

 كان الحلاج من أقطاب الصوفية الأوائل القائلين بوحدة الوجود وبحلول اللاهوت في الإنسان، وقد روي عنه أنه قال: ما في الجبة غير الله. أي بمعنى كان هو الله، وقوله: " أنا الحق ". تبرأ منه معظم الصوفية عندما ادعى أن الله حل فيه . كما ادعى في قول آخر أن الله يبعث له برسائل يكتبها بخط يده، وكان يتبجح بقوله في الحلول :

 

           أنا من أهوى ومن أهوى أنا         نحن روحان حللنا بدنا 

 

             فإذا أبصرتني أبصرتـــــــه         وإذا أبصرته أبصرتنــا

 

وأخذ عليه من كلامه أبيات أخرى في كتاب (طاسين الأزل) أنه هو الله في صورة بشر:

 

          سبحان من أظهر ناسوته           سر   ســى لاهــوته الثاقب

 

          ثم بدا في خلقه ظاهـــرا           في صورة الآكــل والشــــارب

 

          حتى لقد عاينه خلقـــه           كلحظة الحاجب بالحاجــب

 

وكان يقول:

 

           يا عينَ عينِ وجودي يا مدى هممي   يا مـنطقي وعباراتي وإيمائي

 

          يا كلَّ كلي ويا سمعي ويا بصـري     يا جملتي وتباعيضي وأجزائي

 

وقال:

 

           رأيتُ ربي بـــعين قلب     فـــقلتُ من أنت قال أنت

 

           فليس للأين منك أيـــنٌ     وليس أينٌ بــــحيث أنت

 

           في محو اسمي ورسم جسمي    سألتُ عني فـــقلتُ: أنت

 

           أشار سري إليك حـــتى    فنيت عني ودمـــتَ أنت

 

وقال:

 

              إن اعتذاري إليك جهلٌ (إلى الله)   وعظم شك وفرط عيْ

 

              يا جملة الكل لست غيري       فما اعتذاري إذاً إليْ

 

وكتب كتابا لأحد أتباعه يقول فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم، المتجلي عن كل شيء لمن يشاء. السلام عليك يا ولدي، ستر الله عنك ظاهر الشريعة، وكشف لك حقيقة الكفر، فإن ظاهر الشريعة كفر خفي، وحقيقة الكفر معرفة جليلة... والمقصود من هذا الكتاب أني أوصيك أن لا تغتر بالله ولا تيئس منه. وإياك والتوحيد، والسلام.

 

بعد هذه الضجة التي أحدثها الحلاج ألقي عليه القبض أخيرا في بغداد سنة 301 هـ، وقدم إلى المحاكمة بعد سنوات من الإغضاء والمطاولة، فشهد عليه نحو ثمانين قاضيا قبل إجراء القصاص بصوت جهير على مسمع من الناس بما يستوجب عقاب المفسدين في الأرض وبتهمة ادعاء الربوبية، والقول بالحلول وتحريف بعض المبادئ الدينية.

 

دافع عنه وزير المقتدر علي بن عيسى، وأرجع أقواله إلى جهله بالقرآن والدين الإسلامي، معتقدا أن الحلاج يمتلك قدرات تمكنه من إيذائه فخاف من قتله، كما دافع عنه نصر الحاجب الذي سلب عقله. وفي المقابل كان حامد بن العباس وزير المقتدر يكن كراهية للحلاج، بحيث عمل على إيجاد القرائن الدامغة التي تثبت إدانته بالكفر والخروج من الملة، فاتخذ من زوجته شاهدا عليه، وأحضر كتبه، ووقف على ما فيها من سحر وزندقة، ثم دعا إلى عقد مجلس ضم كبار القضاة للنظر في التهم الموجة إليه. في هذه الجلسة ناظره الفقهاء في كل ما أدعاه في مسألة الحلول وادعاء الربوبية، وما عثر في كتبه من شطحات، فأصدروا حكما ببطلان أقواله وتعارضها مع العقيدة والدين الإسلامي.

 

بعد فتوى الفقهاء بكفره أصدر الخليفة أمرا بضربه ألف سوط وحرق جثته وإلقاء رمادها في نهر دجلة، وذلك في سنة 309 هـ. أدعى أتباعه أنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وأن الذي أحرق كان عدوا له ألقى شبهه عليه، كما أدعى بعضهم أنهم رأوه حيا بعد عملية إعدامه وكلمهم وقص عليهم قصته، وأنه قال لهم: لست المقتول كما ظن هؤلاء البقر ... لا يهولنكم هذا فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوما. ولكن أفكار الحلاج لم تنتهي بموته بل ظلت محفوظة في ذاكرة أهل التصوف إلى يومنا هذا تحظى بدراسة كبار الباحثين.

 

يقول د. حسن إبراهيم صاحب كتاب تاريخ الإسلام: " ولكن خطر الحلاج لم يزل بموته. فقد افتتن به كثير من الدهماء لما رأوه من سحره وشعوذته وحاله وإشارته، حتى أنهم ألهوه ودانوا بربوبيته. وقد دافع عنه حجة الإسلام الغزالي، وحمل أقواله على محمل حسن. ومهما يكن من شيء فقد أقلقت مبادئ الحلاج الخلافة العباسية، ولذلك أحضر الوراقون وحرم عليهم أن لا يبيعوا من كتبه شيئا ولا يشتروه  ".

 

قيل إن قصة الحلاج تشبه في سياقها التاريخي والعقائدي إلى حد كبير قصة المسيح، أهمها التنسك، السياحات، كثرة الأتباع وسوء المصير الذي آل إليه وهو الصلب. فمن الناحية العقلية يبدو التشابه بينهما قويا، فالمسيح كان يقول بوحدة الوجود حسب الأناجيل الأربعة، كما قالها الحلاج، رغم أن القرآن يبرئ المسيح من هذه التهمة وتهمة البنوة، وبيّن في عدة آيات الفرق بين العبد وربه وبين الخالق والمخلوق. غير أن النصارى حسب النصوص الموجودة بين أيديهم والتي لا شك أنها محرفة، تدعي أنه أعلن في مرات عديدة أنه ابن الله، فاعتبرها المسيحيون العوام حقيقة، على حين أعتبرها الخواص منهم مجازا تعبيريا. ولكن في كل الأحوال إن لم يقلها المسيح قالها أتباعه. وهي عقيدة تشبه نظرية الحقيقة المحمدية في العقيدة الصوفية الإسلامية القائلة بأنها العماد الذي قامت عليه قبة الوجود، وهو نقطة الوصل بين العبد والمعبود. ويعتبر القوة المديرة لنظام الوجود التي يصدر عنها كل شيء.

 

معظم الذين درسوا الفكر الصوفي أشاروا إلى أن نظرية الحقيقة المحمدية التي يدعيها الحلاج مقتبسة عن النظرية المسيحية. فعقيدة النصارى كما هو واضح في الأناجيل تقول بالثلوثالإلهي (الأب،الابن،الروح القدس)، وهذه الأغانيم هي أساس الاعتقاد في العقيدة المحمدية (الحق، محمد، الولي). ولا يوجد في النظرية المسيحية فوق الابن إلا الأب، ولا يوجد في الحقيقة المحمدية فوق محمد إلا الحق، ومحمد هو أول التعيينات، فلا فوقه إلا الذات الأحدية، والنصارى يخاطبون المسيح على أساس أنه هو الله،  ولولاه ما كان للوجود وجود. والصوفية الإسلامية تخاطب محمدا على أساس أنه الدعامة التي قامت عليها السموات والأرض، ولولاه لأنعدم كل ما في الوجود، ويمثلون الصورة الإلهية فيه.

 

والمسيح عند النصارى هو الكلمة، وأتباعه كلمات. ومحمد عند الصوفية هو الكلمة، وما عداه من الأنبياء والرسل كلمات. وللنصارى خصوصيات، وللصوفية الإسلامية كذلك خصوصيات. وهذا التشابه العجيب بين النصرانية والصوفية الإسلامية، يقضي بأن أفكارهم مستمدة أساسا من الفلسفة النصرانية والبوذية والهندوسية حسب الثالوث الذي يجمعهم. وهذا التقارب بين هذه المذاهب يجعل الفروق بينها إلا في الأسماء. فمحمد هو القطب الواحد من أزل الآزال وإلى أبد الأبيد الذي يدور عليه الكون من بدايته إلى نهايته، وهو القول ذاته يطلقه النصارى على المسيح، وهو ما تدعيه البوذية في شأن بوذا .

 

والمتأمل في سيرة الحلاج يبدو له أنه كان جوهر عقيدته شيعيا يعتقد بالحقيقة العلوية بدلا من الحقيقة المحمدية، فعلي برأي الحلاج هو الصلة بين الله والوجود. ورغم أنه نفى عن نفسه تهمة ادعاء الإلوهية، غير أن مذهبه يثبت صحة ما نفاه عن نفسه، ولذلك حمل أتباعه أنه رب لم يصلب وإنما شبه لمن صلبوه.

 

ذكر الخطيب البغدادي قائلا:"حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة فما كان يفارقها بالليل ولا النهار ففتشوا المخلاة، فوجدوا فيها كتابا للحلاج عنوانه: من الرحمن الرحيم إلى فلان ابن فلان .  فوجه الخطاب إلى بغداد، وأحضر الحلاج وعرض عليه، فقال: هذا خطي وأنا كتبته. فقالوا: كنت تدعي النبوة فصرت تدعي الربوبية! فقال: ما أدعي الربوبية، ولكن هذا عين الجمع عندنا، وهل الكاتب إلا الله، وأنا واليد فيه آلة ".  التصوف الإسلامي   

 

قال الإمام الذهبي عن جندب بن زاذان تلميذ الحسين، قال: كتب الحسين (أي الحلاج) إليّ بسم الله المتجلي عن كل شيء لمن يشاء، والسلام عليك يا ولدي، ستر الله عنك ظاهر الشريعة، وكشف لك حقيقة الكفر، فإن ظاهر الشريعة كفر، وحقيقة الكفر معرفة جلية، وإني أوصيك أن لا تغتر بالله، ولا تيئس منه، ولا ترغب في محبته ولا ترضى أن تكون غير محب، ولا تقل بإثباته ولا تمل إلى نفيه وإياك والتوحيد، والسلام". سيِّر النبلاء للذهبي

 

عظم الحلاج إبليس وجعله موحدا لا مثيل له في السماء، وقال: " وما كان في أهل السماء موحد مثل إبليس، حيث إبليس تغير عليه العين، وهجر الألحاظ في السير وعبد المعبود على التجريد، ولعن حين وصل إلى التفريد وطُلب حين طلب بالمزيد... ". الطواسين للحلاج

 

وزعم أن الله لما أمره بالسجود أبى وقال له: " أنا الذي عرفتك في الأزل (أنا خير منه)، لأن لي قدمة في الخدمة، وليس في الكونين أعرف مني بك، ولي فيك إرادة، ولك في إرادة، إرادتك في سابقة إن سجدت لغيرك، فإن لم أسجد فلا بد لي من الرجوع إلى الأصل، لأنك خلقتني من النار، والنار ترجع إلى النار... إن عذبتني بنار أبد الأبد، ما سجدت لأحد، ولا أذلُ لشخص وجسد، ضدا ولا ولدا، دعواي دعوى الصادقين، وأنا في الحب من الصادقين ". الطواسين للحلاج

 

وقال الحلاج: " تناظرت مع إبليس وفرعون في الفتوة، فقال إبليس: إن سجدت سقط عني اسم الفتوى، وقال فرعون: إن آمنت برسوله سقطت من منزلة الفتوة. وقلت أنا: إن رجعت عن دعواي وقولي، سقطت من بساط الفتوة. وقال إبليس: ( أنا خير منه)، حين لم ير غيره غيرا، وقال فرعون: ( ما علمت لكم من إله غيري)، حين لم يعرف في قومه من يميز بين الحق والباطل. فصاحباي وأستاذاي: إبليس وفرعون، وإبليس هدد بالنار وما رجع عن دعواه، وفرعون أغرق في اليم، وما رجع عن دعواه ولم يقر بالوساطة البتة، ولكن قال: ( آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل)، ألم تر أن الله قد عارض جبريل بشأنه، وقال: لماذا ملأت فمه رملا!!!

 

وإن قتلت أو صلبت، أو قطعت يداي ورجلاي لما رجعت عن دعواي (أي قوله : أنا الحق).

 

وادعى الحلاج أن الله هو من منع إبليس من السجود لآدم، حسب ما قال: قد اخترت لي يا بديع، وإن منعتني عن سجوده فأمنت المنيع، وإن أخطأت في المقال، فلا تهجرني فأنت السميع، وإن أردت أن أسجد له فأنا المطيع،لا أعرف في العارفين أعرف بك مني!!

 

    لا تلمني فاللــــــوم مـــن بعيد       وأجـــز سيدي فإنـــي وحيد

 

   إن في الوعد: وعدك الحق حقا        إن في البدء، بدء آمري شديد  

 

   من أراد الكتاب هذا خطابـــي        فاقرؤوا وأعلموا بأني شهيــد

 

جاء في تعليق هامش كتاب (الطواسين) لروزبهان على قول الحلاج معتمدا على قصص خرافية قائلا: أن الحسين منصور وصف إبليس بهذه الكلمات إذ إن إبليس في الأصل كان سيد الملائكة، وإمام الملائكة الكروبيين، ومعلم أهل السماء، قريب من الحق في المقام العظيم ولهذا جعلت دعوته في مقابل دعوة المصطفى (صلعم) هو رئيس الملائكة هناك، وسيد بني آدم هنا، له المقام المحمود كما وعد، ولم يكن في الأول ولا في الآخر، لا في الظاهر ولا في الباطن، مثل سيد (قاب قوسين) ورسول الثقلين، وزبدة حقيقة (خمر لله طينة آدم)، وهذه الزبدة إذا ظهرت من قبل صلصال فخار آدم في إبليس، سجدت كل ذرة من جسد المصطفى (صلعم) إلى ألف روح... وكما كان المصطفى خازن لطيفات الأزل فإن إبليس خازن قهريات الأبد، لأن المصطفى خلق من أنوار اللطف، وإبليس من نار القهر !!!

 

والواقع أن الحلاج أحب شبحا تمثل له في صورة من الصور زاعما أنه الله أو محمد أو علي إلى حد الفناء، وقصة هذا المسكين في حب قرينه الشبح، هي قصة معظم شيوخ الصوفية، وجميع قصصهم رومانسية ينقلها القرناء من شيخ إلى شيخ. فقد تنقل الحلاج من وطن إلى وطن كما تنقل ابن عربي وغيره، وكان محبوبه لا يفارقه في الحل والترحال، غير أنه كان شبحا لا يدرك ولا ينال، ولقي في سبيله أقسى ضروب العذاب، وظل هكذا إلى أن ساقه إلى الصلب.  

 

عبد الفتاح ب

 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »
  • طيف امرأه | 2012-08-27
    جزاك الله الخير العميم الوفير
    لقد ابدعتم اخي بما اسلفتم وبما جلبتم لنا من سيرة لهذا الرجل الذي تبعة الكثيريون وكان له اثر في افساد فكر المجتمع المسلم ,,
    يكفينا ما بها من ملل وافكار خارجة عن الدين ,,اللهم لا تفتنا بما نرى وجعلنا لك عابدين آيبين تائبين
    وسلمنا من كل سوء فانت من يحفظ ويحمي لا غيرك ولا اله سواك
    بارك الله بكم لقد افادني جدا بحثك  فهو نور لنا واخراجنا من ضلالة وكي لا يتبع ويبتدع الاخرون فكرا زورا ,, ليكن اولا كتابنا الكريم نصب اعيننا فلو قرآناه بتدبر نفهم ما وراء الظلالة من فكر فاسد لا يمت لدييننا بصلة ابدا
    سلمتم من كل سوء ..وجزاكم الخير
    طيف بتقدير

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق