]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

أهل مصر .... رحمة بها .

بواسطة: المختار سلماني  |  بتاريخ: 2012-08-27 ، الوقت: 01:26:02
  • تقييم المقالة:

 

  لقد شهدنا كما شهد العالم كله  وبأعناق مشرئبة وعيون شاخصة وبأنفاس يقطعها الذهول والرهبة ثورة الشعب المصري واستماتته في سبيل انبعاثه من جديد كما شهدنا تلك الملايين الغفيرة في وقفتها المباركة بميدان التحرير وعاينا بما يقطع دابر الشك باليقين تجذر المستوى الحضاري والإنساني للمصريين وتأكد لدينا طيبة هذا الشعب وأصالته وتماسكه وكذا تواصله مع جذوره الحضارية والتاريخية والقومية وبت أنا نفسي مقتنعا أكثر من ذي قبل بأن عظمة هذا الشعب ونبله ومستواه أكبر وأسمى من أن يحكمه مبارك ونظامه وأرقى من أن تسوسه حفنة من اللصوص وشرذمة من الجهلة ... بالنسبة للكثير من العرب لا نعرف عن الأوضاع السائدة آنذاك داخل مصر ولا نفقه واقع معيشتهم ... لا نعرف عن مصر وإخوتنا المصريين أكثر مما أرادنا الإعلام المصري المباركي أن نفهم  ولا ندرك أكثر مما فهمنا من إنتاجهم السينمائي وللأسف فقد أعطانا الصورة المقلوبة  والمغلوطة وكي أكون صريحا فقد كانت الرؤية العامة أن أهل مصر ينعمون بأحلى عيش وأهنئه .... حتى أن الجديد من الإنتاج السينمائي لم يركز إلا رائع الفيلات وأفخم السيارات وعن قضايا أبعد ما يكون عن واقع مصر وحال أهلها وهذا حديث له شأن آخر وموقع آخر . والثورة المصرية في أوج عطاءها وأحمى أيام حربها وفي أبهى صور الاستماتة والصمود كان من الغباء والسذاجة التساؤل عن مصداقيتها وعما إذا كان للثوار الحق الزج بالبلاد والعباد في هذا الخضم .. فمصر للمصريين وهم لم يفعلوا أكثر من المطالبة بها وليس لي ولا لغيري الحق في محاكمتهم والحكم عليهم ... لا يمكنك بأي حال من الأحوال مصادرة حق إنسان في المطالبة بحريته ولا مصادرة الآه من فيه ... طالب المصريون بالديمقراطية ونالوها باستحقاق تام ودخلوا مرحلة الممارسة الفعلية لها بانتخابات تشريعية قالت الأغلبية فيها كلمتها وتوالت الأحداث المعروفة والصراع المحتدم مع المجلس العسكري سيما مع وثيقة السلمي أولا والإعلان الدستور المكمل ثانيا وأخيرا تجميد البرلمان كما برزت المحاكمات العسكرية واختلط الأمر على القضاء وتداخلت الصلاحيات والقرارات وبات من الواضح اختلاط الحابل بالنابل وهو ما اقتنع به الكثير من المصريين وأخاف السواد الأعظم منهم .... ثم انتهى بهم الأمر إلى انتخابات رئاسية شهد العالم أجمع نزاهتها وصدق نتائجها وصار للمصريين رئيسا ارتضوه بحكم الأغلبية وشرع الصندوق ورغم انتمائه وأفكاره فهو رئيس شرعي وشرعيته لا غبار عليها وللحقيقة حتى لا نعميها ونعمي أعين الناس عنها فقد صدر عن الرجل قرارات طالما تعطش الشعب لها وبغض النظر عما جاء فيها إلا أنها أثبتت أنه قد صار للمصريين رئيس يملك قراره .. وإلى غاية هنا فالأمر طبيعي وأكثر من عادي فهذه هي الديمقراطية في بداياتها  تأتي كالمخاض العسير ثم لا تلبث سحابتها أن تنقشع عن صرخة حياة جديدة وميلاد جديد .. واستقراءنا للتاريخ يؤكد لنا بما لا يشوبه شك أو تعتريه ريبة في أن كل الدول التي تنعم بالديمقراطية الحقة مرت بهذه المراحل العسيرة وذاقت هذا المخاض الصعب فالديمقراطية كالحرية تؤخذ ولا تمنح ثم إنها أكثر من مجرد سياسة تسود بلاد وتسوس شعب ولكنها سلوك عام يطغى على كل فرد ونظام معيشي تام لا يتأتى إلا بمنهجية تربوية قوامها الحريات العامة والخاصة وملاءمتها وفقا للحقوق والواجبات ولن يتعودها الشعب أو تألفها الأمة بين ليلة وضحاها .... هذه هي الديمقراطية تبدأ بكسر قوقعة الخوف وتنتهي باحترام تام للذات البشرية أيا كان مستواها وموقعها في المجتمع  وهو ما برع في تحقيق بدايته المصريون وبجدارة تامة .. غير أن المؤسف حقا هو ما يجري اليوم في مصر من لغط هنا وضجيج هناك وبروز أصوات  ناشزة همها إثارة الفتنة وإشعال نار التفرقة وهو ما لا يحتاج المصريون اليوم .. مطالبة بإقالة الرئيس ولما ينهي أيامه المائة الأولى وتبادل للتهم وتخويف من فزاعة الإخوان ورغبة خفية في الانقلاب على رغبة شعب بل وانقلاب عن الديمقراطية نفسها ... وهو ما يكاد يجعل من الثورة المصرية جعجعة بلا طحن وزراعة بلا غلة ويوشك أن يعود بهم إلى حيث انطلقوا ... إني وعلى بساطتي ومن موقعي البسيط خارج مصر وخارج حياة المصريين أرى بوضوح ما لا يراه بعضهم – وللأسف  - وأقول بدافع الخوف والرغبة لا بدافع التدخل في شؤونهم لأني مقتنع حد الإيمان بأن مصر -  وإن كانت مكة هي قلب العالم الإسلامي وقبلته  - هي رأس حربته وذروة سنامه وصلاح حالها صلاح للأمة ككل ولعل هذا ما يشفع لي بقول ما سيأتي : على إخوتنا المصريين أن يعوا ما يلي : ·         أولا : الجيش والمجلس العسكري . -         كثر الحديث ما بين مؤيد ومعارض وما بين ساب وشاكر للمجلس العسكري برئاسة المشير طنطاوي وللمؤسسة العسكرية ككل  والحقيقة أن جانب كبير من الفضل في نجاح الثورة المصرية يعود لهؤلاء وإن كانت لهم أخطاء .. فقد أثبت الجيش المصري أنه جيش للشعب المصري وليس جيشا لمبارك ووقف جانبا بل وحتى مؤيد للثورة وعلى المصريين أن يقفوا ولو للحظة ويتخيلوا لو أن الجيش المصري انتحى منحى الجيش السوري وليعيدوا حساباتهم لمقاييس الصورة حينئذ ... هذا أولا وثانيا حين قاد البلاد في مرحلتها الانتقالية ولو بغلظة وبأخطاء ولكنه جنب البلاد هرجا ومرجا وفراغا فظيعا كان سيمضي بالبلاد إلى هاوية الحرب الأهلية والطائفية بل وحتى القبلية في بعض المناطق ...وثالثا إشرافه النزيه ووقوفه المشرف على الانتخابات التشريعية والرئاسية وبمختلف أدوارها ومراحلها .... وهنا أذكر أن قادة هذا الجيش هم عسكريون ولا يعرفون عن الحياة المدنية شيء كما أن الديمقراطية جديدة عليهم شأنهم  في ذلك شأن كل الشعب المصري ثم إن معاول الهدم والتخريب التي أعملت مخططاتها في المجتمع المصري طالتهم هم أيضا وأفسدت فيهم أيضا وهو ما قد يبرر أخطاءهم ... -         قرار رئيس الجمهورية بإحالة المشير وبعض أعوانه للتقاعد هو قرار سيادي وأصيل ومن ضمن صلاحياته وليس لكل من هب ودب إبداء رأيه فيه فقد تقلد الرئيس مسؤولية حمل البلاد على عاتقه طيلة فترة رئاسته وهو مسئول في النهاية عن نتائج سياساته وسيحاسبه الشعب عنها كما أن التاريخ لن يتناساه وأظن أن الدرس السابق لدى المصريين لم تجف صفحاته بعد من حبرها الرطب ..ومن حق هذا الرئيس أن يستعين بمن يراه مناسبا لسياسته وهو أمر نراه في كل البلاد الديمقراطية بل وفي الولايات المتحدة نفسها ... -         ثم إن المشير خرج بصورة مشرفة وببرواز ذهبي ولم يلحق به تعب أو نصب وهو ليس أكثر من فرد والديمقراطية الحقة هي للمؤسسات والقوانين وليست وقفا على الأفراد وبعيدا كل البعد عن الحسابات الشخصية و الولاءات  الفردية  وأظننا انتهينا إلى غير رجعة من عهد التأليه والخضوع للفرد أيا كان مستواه . ·        الإخوان المسلمون -         لست إخوانيا ولست مقتنعا بأفكارهم وذلك حتى لا يؤخذ ما سأقوله على شكل خاطئ  ولكن يجب التنبه على أن الإخوان في مصر وصلوا إلى سدة الحكم  برأي الأغلبية ووفقا للديمقراطية وارتآهم المصريون لحكمهم لا غيرهم  ولم يأتوا لسدة الحكم على ظهر دبابة أو خلف مدفع  بل بانتخابات حتى لم يكونوا مشرفين عليها أو ملمين بها .كما يجب الاعتراف بأنهم الأكثر تضررا من الحكم البائد والأكثر تضحية وفي وقت كان فيه بعض المتشدقين يقدمون ولاءات الطاعة إما رغبة أو رهبة كان الإخوان يملئون السجون ويعمرون المعتقلات . -         الإخوان يحسنون فهم المجتمع ويحسنون التقرب منه  وهذا دأبهم في كل  البلاد العربية فهم يتقنون لعبة العمل الجمعوي والنشاط الخيري ويجيدون دخول كل بيت في وقت اهتم فيه غيرهم بمنابر المؤتمرات وأرائك القاعات وميكروفونات القنوات في بعد تام عن الشعب ومعاناته وهو ما يوجب على بقية النخب السياسية في مصر النزول مجددا لمستوى الشارع والتفتح على الأفكار والهموم السارية فيه . -         استحوذ الإخوان على سدة الحكم في مصر واستولوا على السلطتين التشريعية والتنفيذية وهو ما رآه الكثير من المصريين على أنه أمر خطير وباعث على القلق  غير أن مجرد نظرة موضوعية ولو لبرهة كافية لفهم أن الإخوان اليوم على شفير هاوية وأنهم ليسوا بالذكاء الذي وصفوا به .. حبنا لمصر يجب أن لا يعمينا عن إدراك واقعها وفهم الحجم الحقيقي لإمكانياتها ومقارنته بالكم الهائل للمشاكل والهموم المطروحة على الطاولة وبشكل ملح وعاجل ... مصر اليوم على أعتاب مرحلة جديدة صارمة التحديات  وقاسية المحاسبة ولن تكفي فيها مجرد الخطب أو الشعارات أو القصائد الملحمية .. مصر دولة ضيقة المساحة نسبيا مهولة السكان ديموغرافيا قليلة الثروات طبيعيا زد على ذلك موقعها على محك  الصراع الإقليمي والقومي مع إسرائيل ... فتسعون مليون مصري يريدون أن يعملوا ... أن يسكنوا .. أن يتمدرسوا ... أن يتعالجوا ... أن يأكلوا ...أن يشربوا ... أن يحيوا حياة معاصرة وكريمة ... وبإمكانيات قليلة وديون ضخمة واتفاقيات دولية ملزمة ومقيدة لحرية الحركة ... وهذه ستكون مشنقة للإخوان إذا لم يعوا حقيقة الأمر وأخذتهم نشوة النصر ... إن الإخوان ليسوا وحدهم من ورثوا مجد الثورة ولكنهم وحدهم من ورثوا تركة النظام البائد وهي تركة لا تسر حبيبا ولا عدوا .. فساد متفشي وخراب عام واقتصاد أعرج وملايين الأفواه والمطالب وهي حقيقة تحتاج لأكثر من الإخوان لحل معضلاتها ... تفرد الإخوان بالحكم في مصر سيجعلهم في الوقت القريب موضع التهمة بل وحتى قد يصل بهم لمستوى النظام السابق ... فالشعوب تريد نصرا ميدانيا ونتائج على الأرض ولم يعد بإمكانها الاستماع للخطب والأناشيد  .. الإخوان في تونس والمغرب كانوا أكثر حنكة من الإخوان في مصر ... وسيجدون أنهم سيكونون مجبرين على بعض التنازلات بل والكثير منها خارجيا بما ينافي حتى أفكارهم وبرامجهم ... ·        الفلول والإعلام على المصريين أن يعوا أن النظام السابق لم يكن بمعزل عنهم ولا خارج الدائرة المحيطة بهم ومن الأكيد فهناك الآلاف من المنتفعين به والمستفيدين منه وهم أقوياء بما فيه الكفاية ولن يتنازلوا عن مكاسبهم بسهولة وهذا لا يغيب عن عاقل كما أنهم على جانب كبير من النفوذ والقدرة والتغلغل وقادرون على تحريك الأمور ما لم يتنبه لهم غالبية الشعب بل وكله ..كما على بعض الإعلاميين أن يقفوا من أنفسهم موقف المحاسب وأن يدركوا أن عهد مبارك ولى بلا رجعة وهم اليوم في مواجهة شعب قدم التضحيات ولن يتنازل عنها مطلقا فليراجعوا مواقفهم وليعيدوا حساباتهم بما يتوافق ومسؤولياتهم وليعودوا إلى جادة الصواب القائمة على ما مفاده أن الوقوف إلى جانب الشعب أسلم وأشرف .     ما أردت قوله هو أنه على إخوتنا المصريين أن يفوا المسيرة حقها من الوقت وأن لا يتعجلوا الأمور ويستعجلوا النتائج ومصر اليوم  والعرب من خلفها أحوج ما تكون لوحدتهم ولحمتهم وتوحد مواقفهم .. وتريثهم لبعض الوقت حتى يتأتى لهم فهم الديمقراطية وفهم أنها قد لا تكون وفقا لأهواء بعضهم تارة وللبعض الآخر تارة أخرى ولكنها ستضمن لهم القابلية للتغيير دوما وستضمن لهم التداول على أمورهم ومعايشة الجديد في كل حين وأنا لا أقصد تنازلهم عن مكاسبهم الثورية ولكن في إطار احترام الأغلبية ... فليس لكل من لم يوافقه أمر أن يقيم ثورة أو يعلن عصيانا أو يدعو لتمرد .. اقتصاد مصر يقوم أكثر ما يقوم على السياحة والاستثمارات وهذا اللغط واللجب والفتنة والعتمة على الجانب الأمني لن تكون بالأكيد عاملا مساعد على النهوض . قلت ما قلته – وأنا لست من ذوي الشأن  ولا من ذوي الاختصاص – حبا في مصر وأهلها  وحبا فيمن قرأت لهم من المصريين وحبا في جمال عبد الناصر وحبا في قوميتنا العربية والتي ستحتاج يقينا الدور الريادي لمصر العائدة إلينا من جديد .

 

                                                                                              - سلماني المختار -

 


« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق