]]>
خواطر :
اسقيني كاس من رحيق ذكرى وجودك ... لا تتركيه يجف ،كلما جف الكأس ازداد الحنينُ...و لا يطفي شعلة الفؤاد سوى كأس الحنين...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

صراع

بواسطة: بدرية الهادي  |  بتاريخ: 2011-07-26 ، الوقت: 04:03:27
  • تقييم المقالة:

مقالات من مدونتي .... www.thg.jearan.com

بدرية الهادي

أعتقد أنه منذ أن خلق الله سبحانه وتعالى هذا الكون جعل فيه الصراع جزءا أساسياً من مكونات النظام الحياتي فيه.... وربما قبل ذلك ... فقصة سيدنا آدم رضى الله عنه وزوجه مع الشيطان هي بحد ذاتها صراع بين الخير والشر .. وما حدث مع آدم وزوجه ونفسيهما بأن يجربا ما نهاهما الله عنه هو صراع مع النفس..

وهذا الصراع أو الاختلاف ليس فقط صراعا خارجيا بين أطراف وفئات وبين مكونات مختلفة بحسب مسمياتها في الطبيعة .... بل هو حتى في داخل النفس الإنسانية يبدأ في داخلها ليخرج منها إلا حدود أوسع ....

الصراع هو عدم وجود توازن .... وهو أيضا اختلاف ... ليس محصورا به اختلاف فقط بين الخير والشر .... بل هو حتى ذلك الذي يتربص بالنفس الإنسانية وإن كانت خيرة .

عندما أفكر في بعض القدماء ممن اتهموا بالإلحاد والزندقة أشعر بالاستعطاف معهم فقد نُسب إليهم الإلحاد وحوكموا ومنهم من شُنق لعبارة قالها أو كتبها ، وهم في الأصل ما قالوا ما قالوا إلا لأنهم عاشوا صراعا داخليا بين ما فكروا فيه وبين ما هو مطلوب منهم أن يفكروا فيه...

صراع الإنسان بين نفسه ورغباته باعتقادي أنه أكبر أنواع الصراع ، ولجم هذه النفس وإيصالها إلى الصواب هو النجاح الحقيقي .



سأحكي صراعا حدث معي .... صراعا مع ذاتي ... وفي لحظة أحسست أن هذا الصراع قد يؤدي بي إلى الهاوية والهلاك ....
نشأت على أن المرح هو جزء مني ... لم أتعود على الدمع أو الحزن ... أو رؤية المشاهد التي قد تثير الآه والتساؤلات في النفس ... كنت أتابع الأخبار فلا أكترث بما تنقله فهي في نظري مجرد أخبار لا أكثر حتى وإن اختلف تأثير وقعها أو فظاعتها أو غيره... وفي ذات يوم تعرضت زميلتين لي – رحمها الله وأسكنهما فسيح جناته - لحادث سير مروع أودى بهما حرقا داخل السيارة لدرجة أنهما دُفنتا بها ... لم أرى الحادث لكنه زلزلني من الداخل ....فبدأت تنهمر الأسئلة التي يصيغها فكري علي .... لماذا حدث هذا ؟؟؟؟ وكيف ارتضاه الله لهما ؟؟؟ ماذا فعلتا ليلقيا هذا المصير ؟؟؟؟ فتاتان برئيتان كانتا قبل لحظات تمرحان ... لما لم يرحمهما الله ؟؟؟ ولماذا كان قاسيا معهما لهذه الدرجة ؟؟؟؟؟ وتتوالى الأسئلة .... كنت مع كم الأسئلة هذه أحاول الهدوء فهذا أمر الله ... شئنا أم أبينا هكذا كان أمره ، وهو سبحانه أعلم بالأمور منا ... وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.

كنت أطلب الهدوء لنفسي لكن الأسئلة التي يرددها فكري على نفسي بين الفينة والأخرى تزيد الصراع في داخلي لتحوله إلى تفكير في كل شئ وعدم رضى بأي شئ.... لماذا حدث هذا ... لماذا لم يحدث كذا ؟؟؟؟ لماذا خُلقتُ في هذا العصر ولم أخلق في غيره ؟؟؟ لماذا هكذا البشر ... لماذا لم يغير الله الكون لكون أفضل ؟؟؟؟.. الخ
وما زاد من هذه التساؤلات التي ما هي في الحقيقة غير صراع داخلي ناتج عن عدم الرضى بما يحدث وضعف الإيمان بالله هو أني تواجدت في وسط حادث سير آخر أودى بخمس فتيات في عمر الزهور .... لم أشاهد واقعيا من قبل جثة لأكون مرة واحدة وسط خمس أجساد سُلبت منها روحها... كنت أتنقل بينهن علني أرى حياة على وجوههن ..لكن أمر الله قد قرر النهاية... لم أشعر بالخوف لحظتها ولا الرغبة في البكاء ... كنت فقط أنظر إليهن ....
تماسكت نفسي إلا أن عدت للبيت ... أخذت أبكي بعمق في حضن أمي ....أمي تهدئني... قلت لأمي والعبرة تخنقني ( لا أبكي لأنهن متن ، ولكني أبكي لأنني رأيت كل واحدة منهن ممدة وحدها...كل واحدة كانت في جانب... يُكشف عنهن الغطاء وتترك ...الإنسان عندما يولد الجميع حوله ... ولكنه عندما يموت الكل يحاول الابتعاد عنه ).

سبب قد يكون غبيا لدى البعض لكنه أدى بي إلى لحظات صعبة زادت من هيجان نفسي ، وجعلتني أفكر في غيبيات مجرد التفكير بها هلاك للنفس ( في الموت هل هو بالفعل نهاية أم لا ؟؟؟ ... في البعث... في الجنة وفي النار...) وتساؤلات ما كان لي الحق بالتساؤل فيها .... من مثل لماذا هو غائب العدل الإلهي عن معاقبة الأشرار والمخطئين .... لماذا أخذ الله فتيات برئيات وترك غيرهن هائمات في الرذيلة .... ونسيت قوله تعالى ( ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) .... وأسئلة أخرى حول الهداية ، ولماذا يعذبنا الله بذنوبنا إن كان بيده هدايتنا جميعا ؛ فالله يهدي من يشاء ويظل من يشاء ...... وغيره من التساؤلات ....

فترة سجنني فيها الصراع مع أفكار كتلك أو بالأحرى سجنت نفسي فيها .... وكنت أحاسب نفسي عليها وأستغفر الله وأحاول التزود بالقرآن ليخرجني منها.

عشرة أيام كاملة انفصلت فيها عن العالم .... أخذت إجازة من عملي ساعدني في أخذها ظروفي الصحية الناتجة عن حادث تعرضت لها قبل الحادثين الذين أشرت إليهما سابقا ...في هذه الفترة أحسست أنه ليس لي رغبة في هذه الحياة ، وتحول المرح إلى حزن وألم ؛ ووصلت إلى أني لا أريد شيئا ولا أريد أن أسمع عن شئ فما عاد يهمني شيئا...في هذه الأيام أصبحت حبيسة لغرفتي ... لا أتابع التلفاز ... ولا ألج للإنترنت .... كنت أريد فقط الوصول إلى حقيقة ما يحدث معي... ولما هذا الصراع النفسي الذي أعيشه ؛ فسنة الله في الكون هكذا شاءت ... الموت هو سنة ؛ فلا أحد مخلد ... والمدينة الفاضلة التي أبحث عنها في فكري هي مدينة مسطرة على ورق كتاب أفلاطون فحسب ....

عموما ......الحمد لله أنها فترة ومرت .... تعلمت منها أن رحمة الله أكبر من مستوى فكري ، وأن حكمته أكبر من أن أدركها بعقلي الصغير الذي لم يُدرك من الحياة بعد شئ....وأن الله سبحانه وتعالى ما يأمر بشيء إلا وله حكمة وما خلق شئ إلا وله حكمة ..... وأدركت من صراعي هذا أننا كبشر مهما حاولنا إعمال عقولنا وتوجيهها للتفكير ستظل هذه العقول قاصرة عن إدراك الكثير من الحقائق لأن الكون بحد ذاته غامض مهما حاولنا الاقتراب من معالمه ... وحمدت الله على رحمته التي وسعت كل شئ ، وشكرته أن شملني بتلك الرحمة .

إذن ليس بالضرورة أن يكون الصراع عراكا مشاهدا .... بين طرفين كالخير والشر .... ينتصر في نهاية المطاف أحدهما على الآخر ....

وليس هو فقط سبب ناتج عن حب البقاء والرغبة في الاستيلاء وبيان من هو الأفضل ....

الصراع مفهوم أوسع يأخذ صورا متعددة أشدها ذلك الذي يستعمر النفس لأنه قد يكون صراع حقيقة مع حقيقة .... وصراع حقيقة مع باطل .... وصراع باطل مع باطل .... وصراع رغبة بين ما هو مطلوب وبين ما تريده النفس ...... ومنه صراع الخير والشر ... لكن ليس بالضرورة أن نحصر الصراع بين هذين الجانبين فقط .... فصراع الخير والشر صراع عادي ... ارتأته سنة الله في الأرض عند خلقها .... ولو لم يكن لما كان للحياة معنى . 


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق