]]>
خواطر :
مولاي ، لا مولى سواك في الأعلى ... إني ببابك منتظر نسمات رحمة...تُنجيني من أوحال الدنيا وحسن الرحيل ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

موت شجرة وحياة قلب

بواسطة: منى  |  بتاريخ: 2012-08-26 ، الوقت: 15:00:46
  • تقييم المقالة:

موت شجرة وحياة قلب

 

        كان لرجل حديقه جميله غناء بها من كل الزهور والاشجار ورثها عن جدة وقد اوصاه جده خيرا بها وقال له اعتن بهذه الحديقه ولا تفرط فيها مهما كان وخاصة هذه الشجرة وكان يجلس معه تحتها ويوصيه ويقول يا بنى اعلم انه لكل شىء زهوة ولكل جواد كبوه فلا تجعل زهوة الدنيا ونعيمها ورضا اهلها يشغل قلبك ولا تجعل كبوتك فى ضياع حكمتك وتفريطك فى دينك , ولا تجعل للناس عليك سلطان فالعاقل من أستشار ثم أستخار, وأجعل قلبك يرشدك  فقلبك يا بنى جوهرة ذاتك  .

 

      فكان الرجل بعد ان يصلى الفجر ويذهب ويجلس فى حديقته يستمع الى غناء عصافيرها وينعم بجمال منظرها ويتنشق عبير ازهارها

 

      وكان من عادته انه يجلس تحت شجرة جدة يقرأ ورده ويسبح لله  وقبل ان يجلس اسفلها كان ينظف حولها ويزيل الحشيش المؤذى ويقلم فروعا ويضع لها ما تحتاجه فأينعت الشجره وازهرت وتنامت  واصبحت اجمل ما فى الحديقه ,إلا أنه كان هناك من  يستغرب حب الرجل لهذه الشجره بالذات بالرغم من وجود غيرها

 

فقد كان مكان هذه الشجره يخرج عن الحيز الذى يجعل الحديقه ذات شكل مستوى  وكان كل من يراه ويرى حبه لها كان يلومه على الإبقاء عليها وهى على هذه الحال الذى يخرج  الحديقه عن التنسيق وهو يبتسم ويقول لهم مالكم ومالها , الى أن جاءت امه فى ذات يوم وامرت بتحديد جوانب الحديقه ووضع سياج ذو شكل جميل وشفاف أخرج الشجره خارج حدود الحديقه وعندما رجع صاحب الشجره وراى هذا السياج الشفاف وسأل امه فقالت له ألا ترى أن هذا السياج أعاد للحديقه شكلها الجميل فقال لها ولكنه أخرج الشجره فقالت ولكنك تراها وتتمتع بها وفى نفس الوقت أصبحت حديقتك أجمل وكل من يراها سيعجب بها  ,صمت الرجل وازنع لما حدث , ولكن تعلقه بتلك الشجره جعله يجلس كل يوم بجانب السياج يمارس عاداته بالقرب من الشجره وبين الحين والاخر يخترق السياج ويحاول أن يزيل عنها ما تجمع أسفلها من حشائش ضاره و يقلم غصونها ويرويها , ومرت الايام ثم جاءت أخت الرجل فأمرت ان يزال السياح الشفاف وأن يوضع مكانه سور من الحجاره المكسيه بأجمل أنواع الرخام فأعطت للسور شكل رائع الجمال وعندما عاد الرجل ورأى ذلك لام اخته عليه فقالت له ألا ترى أن هذا السور أجمل من سابقه فقال نعم ولكنه حجز عنى رؤية الشجره التى كنت أحب أن اجلس فى ظلها فقالت له لقد فعلت ذلك من أجلك أنت فقد رايت أن السياج ضعيف وإستنادك عليه ممكن أن يكون مرهق لك فأردت أن أبدله بسور تستطيع أن تسند إليه ظهرك عند الجلوس فلا يميل بك وفى نفس الوقت فهو ذو ارتفاع قصير تستطيع أن ترى شجرتك من فوقه

 

      فسكت الرجل ولم يعلق وازعن لرأيها و إنشغل بأمور حياته الأخرى مع استمراره فى عادته من الأستيقاظ مبكرا وصلاة الفجر ثم قرأة ورده بجانب السور قرب الشجره  وكان يحاول أن يهتم بالشجره ولكن مع وجود السور كان يقلل من عزيمته نظرا للمجهود الذى كان يبذله فى تعدية السور فى كل مره

 

       ومرت الأيام وجاء صديق الرجل إلى زيارته وأجلسه معه فى الحديقه فقال له إن حديقتك جميله بل رائعة الجمال ولا ينقسها الا أن تعلو بهذا الجزء من السور الذى ما أن يراه أى من الناس من بعيد يظن انه متهدم  فلم جعلته كذلك, فقال له لأنى أحب هذه الشجره وأحب أن أراها , فقال له صديقه عجبا لك تمتلك كل هذه الحديقه وتنظر الى هذه الشجره انى لا أرى فيها أى أختلاف عن الشجر الأخر الذى بالحديقه على العكس أرى شجر أخر جميل ورائع  يا رجل كن مع ما يألفه الناس وتعودو عليه من تنسيق , بدا على الرجل صاحب الحديقة التردد نظرا لإجتماع الأراء على نفس الموقف وبدأت همته فى الدفاع عن الشجره تقل  ولكن حبة الدفين للشجره جعله يقول بشرود لصديقه مالى وما الناس لهم شئونهم ولى شئونى , وكانت فى هذه الأثناء زوجة الرجل تمر من خلفهم فراق لها رأى صديقه ولكنها رأت ايضا تردد زوجها وعدم أقتناعه ففكرت ودبرت وقالت والله لأحتالن عليه , فكانت كل يوم بعد ان يخرج زوجها الى العمل تقوم ببناء حجر واحد صغير فى السور, ومرت الأيام والأشهر دون أن يلاحظ زوجها ما تقوم به ولم يلاحظ أرتفاع السور رويدا رويدا وأختفاء منظر الشجره التى يحبها وأنشغل بالحياه, واطمئن من حوله جميعا (امه – واخته – وصديقه – وزوجته ) إلى ما ألت إليه حال الحديقه فقد أصبحت ذات منظر جميل تسر كل من يراها ويعجب بها وتشابهت مع اعظم وأجمل الحدائق فى البلاد وكان كل منهم يتباهى على الأخر بما فعله وأن له يد فى هذا العمل الجليل فقد كان لهم الفضل فى التأثير على الرجل واصلاح شكل الحديقه , وفى يوم من الأيام جلس الرجل كعادته بجانب السور ولكن كان على غير عادته فقد كان زائغ العينين  فرفع رأسه ونظر الى اعلى فراى فرع من الشجره يتدلى  على السور وبه زهرتها التى طالما أسرت قلبه بجمالها ولكنه الأن جمال يشوبه الوهن ويد الأهمال عبثت به , أراد الرجل أن يرى الشجره كلها لم يستطع لإرتفاع السور حاول الوقوف لكنه لم يستطع وفجأء أحس  بأنقباض فى قلبه ووهن فى جسده وشخصت عينه وصدر عنه أهة أيقظت كل من فى المنزل , جرت أمه وأخته وزوجته عليه ليروه على هذه الحال , أبتلت أعينهم من الدموع وحاولو إنقاذه ولكنهم عجزو عن ذلك , كان الرجل ممددا على الأرض بجانب السور ونظره موجهه إلى فرع الشجره المتدلى فوقه كما لو كان يد تمتد فى بئر عميق , أغرورقت عيناه وتذكر شجرته المحبوبه وجلوسه أسفلها وأنبهاج قلبه بها وإنشراح صدرة كلما رأها كأنما هى إكسير تحى القلوب , حاول التكلم ولكنه لم يستطع  ,فجأة سقطت زهرة من فرع الشجره المتدلى على فمه وأحس بعسلها يسيل فى فمه ,نقطة صغيرة ولكنه أحس حلاوتها كطعم من الجنة , وسرت فى جسده رعشة أنعشت أعضائه وأحيت خلاياه وأحس بالحياة تعود إليه , فى هذة اللحظه فقط تذكر كلام جده وتوصيته له بهذه الشجره ومرت أمام عينيه ما جرى من أمر الحديقه وأمر الناس وندم علي اتباعه لهم وارضائهم  فيما أرادو فقام وسط فرحة أهله وتوجه الى السور وبدأ فى إزالتة وهدمه ورأى الشجره ولكن حالها كان قد تبدل وامتدت لها يد الاهمال وجفت غصونها وتداعت أوراقها حولها إلا انها لا تزال بها مسحه من الجمال السابق التى أبقى عليها الفرع الوحيد الممتد على السور.

 

                                                                                                              تأليف : د منى

 

                                                                                                                   23 /8/2012


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق