]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

قارئ كتاب او مخلوق فضائي

بواسطة: غادة باسل  |  بتاريخ: 2012-08-26 ، الوقت: 12:35:26
  • تقييم المقالة:

يمضي الزمان بنا كعادته مسرعا فيغير فينا الكثير ونغير بدورنا الكثير, نثابر هنا وهناك  فيصبح كل ما مضى ماض بحق الكلمة ويصير الحاظر ملكا مؤقتا ويغدو المستقبل مطمعا للجميع.

وفي خضم انشغالنا بالحياة السريعة بايقاعها بثوانيها ودقائقها وساعاتها التي تعدو بسرعة عجيبة حتى كادت تسجل في كتاب غينيس للارقام القياسية على انها الاسرع منذ وجود الخليقة , تهب على حياتنا المتعبة والمنشغلة دائما ريح من الماضي تحمل معها ذرات ذكريات دافئة فتسرق من زماننا العداء العظيم لحظات نصفها بالجميلة قضيناها مع من نحب ونفتقد ,فنفتش في ذاكرتنا على مانستطيع ايجادة نتذوق الحنين لثوان غالبا ما تكون كفيلة باستبدال طعم اي شي صعب ومؤلم في وقتنا الحالي.

,قد نجد صورة يجلس فيها اب عظيم يطالع الجريدة باهتمام وبجانبه منفظة سجائر يتطاير منها الدخان كانه غيمة بيضاء تلف افق الجريدة ,او ربما صورة ام عظيمة تعيد ترتيب الكتب في المكتبة وهي سعيدة جدا باضافة كتاب اخر كما لو انها وضعت مولودا جديدا, وصورة طفل او مراهق ينتظر ان يفرغ الاب من الجريدة كي يتصفحها بشغف او يتناول من يد الام كتابا ما ليقراءه ,قد يفهم شيئا او لا يفهم قد ينظر للصور او العناوين الكبيرة فقط وهو فرح ,تلك الذكريات الوافدة من الماض الذي كانت الصحف والكتب هي الوسيلة الاهم والاوفر للمطالعة والتعلم.

وتنتهي اللحظة حين يقطعها حدث حديث من الحاظر البارد المتجمد كاتصال هاتفي او رسالة نصية على الجوال, لكن يعلق في اذهاننا ذلك الشيء الجميل ونتمنى ان يرانا اطفالنا كما رائينا اهلنا ونعيش اللحظة ذاتها معهم ,هنا نندمج ونعيش الدور فنقرأ ربما نفس الكتاب او كتاب لنفس المؤلف ونجد ان الفرق كبير لاننا الان نفهم ما نقرا نعجب او ننتقد نناقش او نسخر كل ما تقراءه العيون ويراه العقل .

وفجاءة , تحاصرنا نظرات تعجب وتحيط بنا تعابير استغراب فينظر لنا كل من حولنا بعدة طرق , هنا تبداء علامات الاستفهام بالظهور فتلف وتدور حولنا ويتبادر الى اذهاننا المتعبة سؤال وجيه جدا؟ هل مازلت قارئ كتاب ام انني تحولت الى مخلوق فضائي؟

لم ينظر الينا الاخرون بتعجب واستغراب لما قد يقول البعض اننا غريبوا الاطوار, او لما نسمع عبارة من اي كوكب انتم ! او لما ننعت بصفة القديم والمتخلف؟؟؟؟ كل هذا لاننا نقرأ كتاب !

عجبا على الحياة وبعض من فيها,لما يترائ لي ان هولاكو عاد من جديد بحلة تكنلوجية زائفة وملابس متطورة تعري من يرتديها ليجعل نهر دجلة ازرق اللون من جديد, لما انعدم وفائنا للكتب ولما نرغب باستبدالها بشئ اخر ؟ ان من يجلس امام المتعجبين اليوم هو مخلوق فضائي جاء من الماضي وليس من الحاظر هذا المخلوق الغريب الذي احظر من كوكبه البعيد كتابا عظيما يقراءه ويحاول  به جاهدا ان يقنع اهل الارض بمبادءه وان ياخذهم معه الى كوكب العلم والثقافة ليقضي على البشرية الحالية ...ذلك الكائن الذي حاربته قوي التكنلوجيا والتطور الزائف وانتصرت عليه بشتى انواع الموظا وصيحات الشعر الشبيهة بصحن معكرونه او كائن متقنفذ وغلبته اجهزتنا المرئية والمسموعة والملموسة وحررت الارض البشرية منه ومن كتبه وتعليماته وسجنته في رفوف مكتباتنا او اعدمته شنقا حتى الموت في علب كرتونية مهملة يملؤها الغبار البليد .

مفارقات الحياة لا نهاية لها والمفارقة الاهم في حالة المخلوق الفضائي القارئ للكتب انه هبط الان الى الارض البشرية التي تزخر بالتطور وتنادي بالحرية  والمساواة, حرية الفكر والرأي والتصرف , هبط بسلام يحاول ان يتعايش مع البشر الجديد وان يمارس طقوسه الخاصة بالقراءة والتثقف من خلال الكتب والصحف, ولكنه يجد الرفض من قبل المحيطين به ويمنع من ممارسة طقوسه على العلن بحظور الاهل والاصدقاء كي لا يتسبب لهم بالازعاج او يفسد عليهم متعة الحياة التي اختاروها فيجد نفسه بنهاية المطاف متقوقعا وحيدا في غرفته يمارس القراءة والمطالعة على ضوء حياة خافت ويتلحف بغطاء الماضي ليدفئ كلمات الكتب المتجمدة المهملة ومن ثم يتردد خلسة بين الحين والاخر الى سفارة كوكبه على الارض ( المكتبة العامة ) كي يقرأ مع اقرانه وامثاله من الاقليات الفضائية كتب الماضي وعلم الحاظر وتصورات المستقبل .


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق