]]>
خواطر :
اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

ضريبة اليتم

بواسطة: غادة باسل  |  بتاريخ: 2012-08-26 ، الوقت: 09:02:24
  • تقييم المقالة:

تعددت انواع الرسوم والضرائب التي يدفعها الانسان في وقتنا الحاضر, في زمن العولمة والتطور و حقوق الانسان .....!! لحظة هل تبدو لكم هذه الكلمات كأنها بداية مقال عن الوعي الضريبي او الضرائب التي تهز كيان الجميع ؟ يؤسفني ان اقول كلا, ليس كل ما جال في خاطركم ,انني اتكلم عن قانون سنته الحياة وصاغته الظروف وطبقته الكائنات البشرية اتحدث عن ما اسميته ضريبة اليتم.

نعم هذا النوع الشائع والفريد بآن واحد من الضرائب المبطنة الغير معلنه من قبل الخاضعين لرسومها القاسية والصعبة. حيث يخضع لها كل من فقد اما او اب او كلاهما سواء اشتد عوده او لم يشتد ,سواء كان ذكرا او انثى ,وهنا يجد اليتيم ارثه الحقيقي حصته من الظلم والقسوة ولا ننسى ان نذكر ان هذا الارث يعد الوحيد في العالم الذي يعطي للانثى مثل حظ الذكرين بخلاف ما تعودنا .واذا ما تسائلنا عن نوع هذا الاحتساب الضريبي الطويل الامد فلا نجد سوى كلمة السيطرة .فكل من يحيط باليتيم  يحاول ان يسيطر عليه و على ممتلكاته المادية بالمرتبة الاولى ثم يسيطر على ممتلكاته الصغيرة والخاصة و احيانا كثيرة على ذكرياته محاولا تشويه صورة من فقد ومن جعله يتيما لانه تركه في عهدتهم ومسؤوليتهم ولم يفكر به وبهم ولم يؤمن له حاجاته,فيبدا اليتيم هنا بسماع صوت غريب يقول له : ما خطبك ايها اليتيم الا يكفيهم ما لديهم ليتحملو عبئ يتمك ووحدتك !. لا تعترض او تفكر في ذلك فهذا هو الثمن الذي يتحتم عليك الان ,ويستمر الصوت بالحديث وتستمر الحكاية.

وقت الاستقطاع يبدا بعد ان يبرد جسد الميت خلال مراسم جنازته وفترة الحداد عليه ,يمضي اربعون نهارا على الرحيل  ويبدا التلاشي , فيتلاشى الدم الذي يجري في جسد من اودع في التراب وتتلاشى من عروقك وعروق الجباة صلة القرابة. ويبرد الدمع في مدمعه تماما كما تبرد القهوة في ركوتها حين ينتهي المأتم, فالناس قد توقفو عن البكاء وبداو بالحديث والضحك. هنا تكون لحظات صمتك القاتل قد بدأت مشوارها الطويل , الان استعد جميع المعنين للتكشير عن انيابهم بغية جبي الضرائب, فعليك ايها اليتيم ان تدفع ثمنا مقابل كل ما قدم اليك ابتداءا من دموعهم المزيفة واحزانهم الكاذبة فنفقاتهم المادية فوقفتهم الاجتماعية والاهم من هذا و ذاك وعودهم الزائفة التي يحملوها لك حين تمتد ايديهم القذرة كجذع شجرة متيبس لا امل لاغصانه في الحياة لتحط على كتفك الصغير المعلق بجسدك حديث اليتم كما تحط النسور على جثة فريستها وانت لا تعي شيئا غير انهم معك و سيحلون محل من فقدت ويعرفون حق المعرفة مالذي يعتريك في  مثل هذا الموقف. 

هنا يتوقف الزمن للحظة ويلتقط صورة, ثم يجري مجددا, فأين المفر من جباة الضرائب بانيابهم الحادة وقلوبهم المتحجرة وايديهم المتخشبة .وتبدا رحلة جديدة كانها قصة الف ليله وليلة  فبأقل من مئة ليلة وليلة يجد انه لا بد من النضوج بسرعة كسرعة البرق والاعتماد على النفس حتى يكاد يرى الشيب ببياضه الثلجي قد غطى مرجه الواسع قبل ان يبلغ العشرين. يجب ان يتمكن بوقت قياسي من اعالة اسرته ودفع فواتير مرضهم, واقساط الدراسة اما عن العيد الذي قد يطل عليه دون ان يكون قادرا على اقتناء ملابس جديدة ,فيكتفي بشم رائحة كعك العيد التي سرقتها نسمات الهواء من مطبخ جيرانه , فيستيقظ ورائحة الكعك في ذهنه الشريد وطعم المرار في فمه المطبق ويذهب ليعايد اهله بملابسه المعتادة وبغصة حزن عميقه  غير معتادة .فيمسح من قلبه دمعة حزن ويرسم على خد اخيه الصغير دمعة فرح حين يهديه قميصه القديم الذي اصبح مناسبا لمقاسه, فهو الان يسدد جزءا من الضريبة.

عزيزي اليتيم ,من خلال هذا الرسم الضريبي فقط, قدعرفت المعنى الحقيقي لليتم والذي يتعدى كونه موت اهلك فانت هنا يتيم الام او الاب , ولكن الذي يلي هذا هو اليتم الحقيقي هو موت الضمائر, القلوب, المشاعر وضياع للحق للعدل وانتصار للظلم هو ان تسدد كل هذا من اجمل ايام عمرك واحلى لحظات وجودك لتعود لفراشك البارد متعبا مثقلا بهموم الحياة فتطبق بجفنك الكهل على نهاية يوم آخر من ايامك وتستسلم للنوم رويدا رويدا فتزول صور نهارك المتعب وتتلاشى صور من تحب ان تتذكرهم قبل النوم ولا يبقى في عينيك الدامعتين سوى صورة التقطها الزمان لك يوما ,صورة طفل صغير يقف وحيدا  يبكى ابواه وعيناه لا تنفك تبحث عنهم  فيجتاز بنظره اقدام من يخطون بعيدا عنه ثم يجتاز وجوههم واصواتهم ويصل الى السماء والغيوم فينظر بعقله الصغير الى الرب الذي قد اخبره ابواه عنه  فيطمئن ويغمض عينيه الصغيرتين وكله امل بان يغفر لكل من اخطأ بحقه لكل من اقتطع الضرائب من دمه من اعماقه واحلامه, لكل من ايقن انه يتيم ورغم ذلك زاد في بؤسه ويتمه.

اما حان الوقت ليصمت ذلك الصوت, اما أن الاوان لتعديل دستور حياتنا وشطب ضريبة اليتم من الوجود؟


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق