]]>
خواطر :
إني أرى في عينك براءة الذئابُ ... على ضفاف الوديانُ في الفرائسُ تنتظرُ و تنقضضُ ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . لا تلز نفسك بأشياء لا تلزمك حتى لا تقع في الحيرة   (إزدهار) . 

الأجير الفعلي

بواسطة: خالد  |  بتاريخ: 2012-08-25 ، الوقت: 22:52:24
  • تقييم المقالة:

 

 

 

 

           

 

 

 

الأجير الفعلي

من أجل إبرام عقد الشغل الذي يعد تصرفا قانونيا، لابد من توافر الأهلية القانونية، التي تختلف ما بين الحدث الذي لم يصل إلى سن التشغيل والحدث الذي بلغ هذا السن، ففي حالة عدم بلوغ الحدث سن التشغيل القانونية المحددة في خمسة عشر سنة بمقتضى المادة 143 من مدونة الشغل التي تنص على أنه"لا يمكن تشغيل الأحداث ولا قبولهم في المقاولات أو لدى المشغلين قبل بلوغهم سن خمس عشرة سنة" ليكون مصير العقد المبرم من قبله البطلان، لتعلق النص المحدد لسن التشغيل بقاعدة آمرة ومساسها بالنظام العام.

 

وقد ذهب جانب من الفقه، إلى أن إبرام القاصر لعقد الشغل وهو دون سن التشغيل يجعل العقد باطلا ولو وافق عليه الولي، إلا أن ذلك لا يعني حرمان الأجير الحدث من حقوقه المخولة له بسبب عمله، كالتعويض عن حوادث الشغل والأمراض المهنية مثلا، وذلك نظرا لكون عقد الشغل عقد زمنيا، بحيث أن البطلان يترتب عليه الأثر الذي يترتب على الفسخ فقط ويسري على المستقبل ولا يمحو الماضي، ونحن نتفق مع هذا الاتجاه من الفقه وذلك لمنطقيته، بل أكثر من ذلك نعتبر الأجير الحدث الذي يقل سنه من خمسة عشر سنة "أجيرا فعليا".

 

 والسبب في إعطائنا الأجير دون سن 15 سنة وصف أجير فعلي، لأن القواعد القانونية تحدد ما لكل فرد من أفراد المجتمع من حقوق وما عليه من واجبات، أي تحدد المراكز القانونية التي يمكن أن يشغلها الأفراد في المجتمع وشروط شغلهم لهذه المراكز، فيعرف كل فرد ما له من حق فلا يتجاوزه وما عليه من واجب فيلتزم به، إذ أن هذه المراكز القانونية في نظر "محمد سعيد عبد الرحمن" هي "الأصل والأساس الذي يعتد به المشرع ويعول عليه في ضبط وتنظيم علاقات وتصرفات الأفراد في المجتمع، ويرتب على التعامل مع أصحاب هذه المراكز بشأن ما تخوله من سلطات ومكنات ومزايا وتصرفات كافة الآثار التي يقررها القانون، وذلك لأن هذه المراكز يقرها ويحميها القانون، لأنها نشأت وتكونت في إطاره وتتفق مع قواعده وأحكامه".

 

وإلى جانب هذه المراكز القانونية التي تنشأ وتتكون في إطار القانون وتحظى بحمايته، توجد مراكز أخرى يشغلها بعض الأفراد لا تستند في وجودها إلى القانون، فهي تنشأ وتتكون في الواقع الاجتماعي على خلافه، وذلك لأنها تفتقد أحد العناصر اللازمة لاتفاقها مع قواعد القانون وأحكامه ويطلق على هذه المراكز، المراكز الفعلية Les situations de fait.

 

وفي هذه المراكز يظهر الشخص أمام الناس بأنه صاحب حق أو مركز قانوني ويتعاملون معه على هذا الأساس وبهذه الصفة مع أنه في الحقيقة ليس كذلك، ومن ثم فإن صاحب المركز الفعلي يباشر سلطات ومكنات ومزايا ليست له، أي أنه ليس ذا صفة في حيازة هذا المركز، لأنه يغتصب صفة صاحب الحق أو المركز القانوني إما عن قصد أو غير قصد، فحيازة المركز الفعلي لا يستند إلى القانون وإنما إلى الواقع.

 

بل إن هناك جانب من الفقه  من اعتبر المراكز القانونية هي في أصلها مراكز فعلية، وذلك انطلاقا من كون هذه المراكز القانونية منذ نشأتها إنما تمثل في الأصل وقائع ارتدت ثوب الشرعية بتنظيم القانون لها، حيث اقتضت متطلبات الحياة الاجتماعية أن تتخذ شكلا قانونيا من خلال شمولها بتنظيم قانوني بعد انتصارها كفكرة اجتماعية.

 

ومن ثم فإن المراكز الفعلية هي: تلك المراكز التي لا يعترف بها القانون لسبب أو لآخر، لافتقادها العناصر اللازمة لإضفاء وصف القانونية أو الشرعية عليها، حيث تشكل صورا غير مكتملة للمراكز القانونية التي يعترف بها القانون ويتولى تنظيمها، وبعبارة أخرى، فإن المركز الفعلي أو الواقعي هو أحد تطبيقات الوضع الظاهر الذي يتخذ صورة المركز القانوني رغم أنه في الحقيقة ليس كذلك.

 

وطبقا لنظرية الظاهر، تأخذ التصرفات القائمة على مراكز ظاهرة نفس الآثار القانونية للتصرفات المستندة إلى المراكز القانونية الصحيحة التي تعتبر التصرفات الظاهرة تقليدا لها، إذ يتفق معظم الفقهعلى وجوب احترام هذا الظاهر وحماية المصالح المتصلة به رغم ما في ذلك من تضحية بالتطبيق الدقيق والاحترام لمبادئ القانون.

 

وتجدر الإشارة إلى أن فكرة الظاهر ليست جديدة من خلق القوانين الحديثة، ولكنها قديمة فرضتها اعتبارات الواقع والمصلحة منذ قرون طويلة، فقد كان أول ظهور للفكرة في القانون الروماني، حيث اقتضت العدالة إقرار تصرفات صادرة عن أشخاص لا تتوفر لديهم الصفة القانونية، ولعل المثال الذي يطرح تجسيدا لهذا ما أشار إليه الفقيه Ulpienحول عبد يدعى"Barbrius Philippus" هرب من سيده وأقام في روما وظهر بمظهر الأحرار، وبلغ الأمر إلى حد اختياره حاكما قضائيا "Préteur" ولما اكتشف أمره بعد ذلك، أعيد إلى الرق، وثار التساؤل حول قيمة الأحكام القضائية التي أصدرها هذا العبد باعتباره قاضيا، فالمنطق يقضي ببطلانها لصدورها من شخص لا تتوافر فيه الصفة، ومع ذلك لم يتم إقرار الحل المتشدد واعترف بصحة هذه الأحكام القضائية، نظرا لأنه ظهر أمام الكافة بمظهر القاضي، مباشرا العمل دون أي شك في قانونية مركزه مما أضفى الشرعية على الأحكام التي أصدرها، ولعل ذلك تطبيقا للمثال المأثور: الغلط الشائع يولد الحق Error commun fait just.

 

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، نقر أن المشرع منع تشغيل هذه الفئة من الأحداث وذلك بنص صريح ألا وهو المادة 143 من مدونة الشغل والتي تنص على أنه "لا يمكن تشغيل الأحداث ولا قبولهم في المقاولات، أو لدى المشغلين، قبل بلوغهم سن خمس عشرة سنة كاملة..." بل إن المدونة قد رتبت على مخالفة ذلك توقيع عقوبات زجرية حيث جاء في المادة 151 من المدونة "يعاقب بغرامة من 25000 إلى 30000 درهم على مخالفة المادة 143، وفي حالة العود، تضاعف الغرامة والحكم بحبس تتراوح مدته بين 6 أيام و3 الشهر أو بإحدى هاتين العقوبتين".

 

غير أن جانب من الفقه ونحن نتفق معه، يرى بأن تشغيل هذه الفئة خارج إطار القانون من قبل المشغل، يفرض تبعا لذلك، ومعاملة لنقيض قصده عدم حرمان الأجير من الحقوق التي يخولها له قانون الشغل، مادام وبمجرد اشتغاله ولو في وضعية غير قانونية قد اكتسب ما يترتب على عقد الشغل من حقوقه، لأن القول بغير ذلك يحرمه من حقوقه مرتين، فهو من جهة، وبسبب الظروف التي دفعته على ذلك، يمارس عليه نوع من الاستغلال بالعمل دون السن القانوني، ومن جهة ثانية، يحرم من التعويضات التي يكتسبها بعد إبرام عقد الشغل، لسبب وإن كان قد ساهم فيه، إلا أن المشغل قد ساهم فيه أيضا بشكل رئيسي خاصة وان المنع من تشغيل هؤلاء ينصرف إلى المشغل دون الأجير.

 

وما يجعلنا نطمئن إلى هذا التوجه، هو أن مدونة الشغل قد ضمنت في تحديدها لمجال تطبيقها بالإضافة إلى ما يمكن اعتباره بالمعيار الحصري، ما يمكن نعثه معيارا عاما، يفهم منه أن المدونة تطبق على كل من يرتبط مع غيره بعقد شغل مهما كان شكله، حيث ورد في الفقرة الأولى وكذا في الفقرة الأخيرة من المادة الأولى على أنه"تسري أحكام هذا القانون على الأشخاص المرتبطين بعقد شغل آيا كانت طريقة تنفيذه..."

 

"كما تسري أحكام هذا القانون على...، وبشكل عام على الأشخاص الذين ارتبطوا بعقد شغل، ولا يدخل شغلهم في نطاق أي نشاط من النشاطات المشار إليها أعلاه".

 

وما يؤكد وجهة نظرنا هذه، أن مدونة الشغل عرفت الأجير بصيغة العموم لم تفرق بين الحدث وغيره، إذ عرفته المادة السادسة من مدونة الشغل في فقرتها الأولى على أنه:"يعد أجيرا كل شخص التزم ببذل نشاطه المهني، تحت تبعية مشغل واحد أو عدة مشغلين، لقاء أجر أيا كان نوعه، وطريقة أدائه".

 

ويلاحظ أن هذا الإشكال لا يقتصر على هذه الفئة، بل إنه يتعداه إلى فئات أخرى لها نفس الوضعية القانونية كالأجير الذي بلغ سن ستين سنة والأجير الأجنبي الذي لا يتوفر على عقد مكتوب مؤشر عليه من قبل السلطة الحكومية المكلفة بالشغل، مما يجعل البعض يصفون مدونة الشغل بأنها "قانون لمن لا قانون له".

 

وتأسيسا على ما سبق، اتضح لنا جليا على أنه لابد من  إقرار مفهوم "الأجير الفعلي"، سواء بشكل ضمني أو صريح وحمايته، لأننا نرى فيه البديل النظري و العملي للحماية التشريعية و القضائية للأجراء، كما سيغني الباحثين و الاجتهاد القضائي و الفقه على العموم عن البحث عن الذرائع لإنصار الطرف الضعيف في علاقة الشغل، كما سيغنيهم من استعمال المنطق العاطفي ومنطق المركز القانوني لحماية الأجير، فالعدالة القانونية تستبعد الميل العاطفي نحو طرف من الأطراف ولو كان بالفعل ضعيفا لتبرير حمايته، فالشغل حق دستوري و الاستقرار فيه مبدأ أقرته كل التشريعات في نصوص قوانين الشغل، وبالتالي فضمان هذا الحق وحمايته كافيان لحماية صاحب الحق بصرف النظر عن الأوصاف التي تستدر العطف و الإشفاق على صاحبه وعلى مركزه القانوني في علاقة الشغل، كما أن مفهوم الأجير الفعلي من شأنه أيضا أن يسبغ على الأحكام والقرارات القضائية نوع من التجريد والتحرر من التعليلات التي لها ارتباط بالوضعية الاجتماعية للأجير التي يصعب التحقق منها، لاسيما على مستوى قضاء المجلس الأعلى حيث تقتصر على تطبيق القانون وليس على تكييف الوقائع القانونية.                                       

 

   وإذا كنا قد انتصرنا لمفهوم الأجير الفعلي، فإن ذلك مجرد اعتقاد باحث، حاول البحث عن مفهوم حمائي لحماية الأجير ولتخويل القضاء حجة التعليل، ولكن بأية قراءات؟ تلك قضية أخرى!

 

                                     لزعر خالد

 


بحث شخصي


... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق