]]>
خواطر :
شوهدت ذئاب على أطراف الوديان في فرائس تتحينُ ...مرت عليها البهائم وهي تتعجب... ردت الذئاب على البهائم ، لما العجبُ لولا الفرائسُ لما وُجدت الذئابُ...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . الحياة فصول .. جلوسنا لدقائق , لا يعني إحتوائها تماما هي دقائق نتأملها ..لا غير.   (طيف امرأه) . اختصار الكلام براعة لا يجيدها كل أحد، كما أن الإسهاب فيه فن لا يتقنه إلا القلة، والعبقري من يجمع بين الحُسنين   (محمد النائل) . 

الإسلام جوهر .. ثم مظهر ..

بواسطة: الخضر التهامي الورياشي  |  بتاريخ: 2012-08-25 ، الوقت: 10:33:01
  • تقييم المقالة:

 

أحب أن أسأل هؤلاء ( المسلمين وحدهم ) ، الذين يحصرون الإسلام في نطاق ضيق جدا ، وبالضبط في أمرين اثنين لا غير ، وهما : مظهر الرجل من حيث اللحية ، والجبة ، والعمامة .. ووضع المرأة من حيث الحجاب ، والجلباب ، والنقاب ، والحبس بين أربعة جدران ... هل لو أن الناس استجابوا لهم ، وخضعوا لأحكامهم ، وامتثلوا لأوامرهم ونواهيهم ؛ فترك كل بالغ وشاب لحيته تسترسل وتطول على عواهنها ، ولبس الجبة فوق ثيابه ، ووضع العمامة على رأسه .. وتلفعت كل ناهد وكواعب بالجلباب ، وارتدت الإزار ، والخمار ، والنقاب ، وقعدت في الدار ، لا تبرحها ، حرام عليها حتى أن تتلصص من شقوق النوافذ ... هل لو تحقق هذان الأمران ، اللذان يقيمون الدنيا ، ولا يقعدونها من أجلهما ، ويفرون من المجتمع ، ويهجرون الناس بسببيهما ... هل ستحل الأزمات التي يتخبط فيها الناس على كافة الأصعدة ، وجميع المستويات ، وتتحقق العدالة الاجتماعية المنشودة ، وتزول الفوارق الطبقية الشاسعة ، وتظهر المساواة الاقتصادية المرجوة ، ويرتفع مستوى الفكر ، والوعي ، والحرية ، والرقي ، لدى الأفراد ، ويصبح الناس سواسية كأسنان المشط ، وينال كل ذي حق حقه ، ويحصل كل مؤمن على ما يريد ، وما يصبو إليه من كرامة الحياة ، ورغد العيش ، وكفاية الرزق ، وتحسن الأحوال ، وراحة البال ...؟!

هل لو فعلوا ذلك يظهر الحق ، ويزهق الباطل .. ؟! وينتشر العدل ، ويختفي الظلم .. ؟! ويسود العلم ، ويتبدد الجهل .. ؟! ويلوح الغنى ، ويروح الفقر .. ؟!

هل نصل إلى كل هذه النعم والخيرات والبركات ، بفضل لحى الرجال وأزيائهم العتيقة ، وحجاب النساء واحتجابهن عن الأنظار .. ؟!

إن محمدا ( ص ) عندما جاء برسالة الإسلام الخالدة ، لم يقتصر في دعوته على أن ( يلتحي ) الرجال ، و( يتجلببوا ) ، و( يتعمموا ) ، وكفى ؛ فهم أصلا كانوا كذلك ، بحكم ملابسات العصر ، وظروف البيئة ، التي كانوا يحيون فيها ... ولم يشغل باله وفكره فقط بأن تلزم النساء بيوتهن ، كأنهن جبلن على العار والشنار ؛ فهن محكوم عليهن بالسجن طوال حياتهن ... وإنما دعا أول ما دعا إلى عبادة الله وحده ، ونبذ كافة ضروب الشرك والكفر والنفاق ، ثم بعدها دعا ـ على امتداد بعثته ـ إلى الرفع من مستوى الإنسان ، بما يحقق إنسانيته في الوجود عامة ، وفي حياته خاصة ، وذلك عن طريق الأمور التي يغفل عن ذكرها ، ويتجنب الخوض فيها ـ إما جبنا ، أو جهلا ، أو تلبيسا ـ أولائك ( المسلمون وحدهم ) .

« ويبالغون في الاهتمام بالجزئيات الشرعية ، والمحافظة عليها ، حتى أنهم يفسقون كل من كان في لحيته شيء من القصر عن ذلك القدر المخصوص الذي قد عينوه لطول اللحية ، ويتوعدون بدخول النار كل من أسبل إزاره إلى أسفل من كعبيه قليلا  ، ويكادون يعدون الانحراف عن إتباع الأحكام الفرعية لمذهبهم الفقهي خروجا من دين الله » (1)

وأما تلك الأمور التي ينسونها فهي :

ـ العدالة الاجتماعية .. المساواة الاقتصادية .. الكرامة الإنسانية .. تحسين مستوى عيش الأفراد .. توفير الضروريات والكفاية لكل الناس .. إعطاء لكل صاحب حق حقه .. نشر الفضائل والقيم الايجابية داخل المجتمع ، وليس في الكهوف والجبال .. وغيرها من متطلبات الحياة العادلة والسوية .

إن الأزمة الشاملة التي تأخذ بخناق أفراد المجتمع الحالي ؛ فتدفعهم دفعا إلى أن يتنكبوا الصراط المستقيم ، وينحرفوا عن جادة الصواب ، ويرتكبوا الكبائر والصغائر ، ويقترفوا الآثام والذنوب ، لن تختفي بمجرد ظهور رجال وشبان بلحى طويلة عريضة ، وانتشارهم في مرافق الحياة العامة بجلابيب وعمائم ، واختفاء القوارير من مسرح الحياة ، وإذا ما برزن في الساحات ، برزن كأنهن خيام تمشي في تمثيلية هزلية ...!!!

وإنما تختفي بظهور المصانع ، والمعامل ، والشركات ، وبانتشار الأسواق ، ووسائل الإنتاج المختلفة ، وبتوسيع شبكة عمليات البيع والشراء ، وبإيجاد فرص الشغل لكل أبناء الشعب ، وبالقيام بالمبادرات الحرة من طرف أصحاب رؤوس الأموال ، وباستغلال الأراضي والممتلكات لصالح فئات المجتمع قاطبة ... ناهيك عن وسائل الخير والبر والإحسان ، التي أشاد بها الإسلام ، وحض عليها في أكثر من نص ، سواء في القرآن أو الحديث ...

أو قل لي ما معنى أن يملك هؤلاء ( المسلمون وحدهم ) ـ وغالبا ما يكونون ملاكا كبارا ـ أراضي ، وعقارات ، ومنشآت ، وموارد للرزق متعددة ، اكتسبوها بطريقة أو بأخرى ، يستأثرون بها وحدهم ، ويقضون أيامهم خاملين ، عاطلين ، عن الجهد والكد ، متبلدي الفكر والشعور ، من فرط النعم والطيبات ، لهم من الوقت الفارغ لا أن يحفظوا فيه القرآن ، وما تواتر عن النبي والصحابة من أحاديث فحسب ، بل أن يحفظوا كل كتب السماء المنزلة ، وكتب الأرض المتخصصة في علوم الدين ، ومبادئ الشريعة ، وأصول الفقه والحديث ، وينامون ملء جفونهم ، قد شبعوا حتى التخمة ، وغسلوا أفواههم بملاعق من عسل النحل الخالص .. ثم يحاسبون بعد ذلك كل شخص مسكين ، يصادفونه في الطريق ، قضى سحابة نهاره ، يبحث عن منهل للرزق ، يقيم به أوده وأود عياله ، ويحفظ به ماء وجهه ، ويربأ بنفسه عن ذل الحاجة والسؤال ... يحاسبونه لأنه لم يحفظ سورة البقرة ، والنساء ، والمائدة ، ويتشدقون على مسمعه بالآيات تلو الآيات ، والأحاديث تلو الأحاديث ، ويختمون الموعظة ، غالبا ، بقولهم : « ومن يتق نجعل له مخرجا » .. وهم الذين لا يتقون ، ولا يتورعون أن تطبخ لهم ( نساء ) في لقاءاتهم المتكررة ( بقرة ) « لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها » ، يجتمعون عليها حول ( مائدة )  عامرة ، يأكلون منها ما لذ وطاب ، وتطمئن قلوبهم ، ويكونون عليها من الشاهدين ، لم تشهدها عين ذلك المسكين ، ولم تسمع بها أذنه ، ولم تخطر على قلبه المهموم .. « بينما كان الرسول الكريم يشارك الناس في دنياهم بقدر كاف ، بحيث لا يريد أن يتميز منهم تميزا ظاهرا في شيء من الملبس والمأكل و ما إليهما ، فهو إنساني ، وإنساني جدا ، ولا شيء مما هو إنساني بغريب عنه . » (2)

فهلا فكرتم أيها ( المسلمون وحدهم ) في هذه الأشياء الهامة والهامة جدا، وتعصبتم لها ، قبل أن تتعصبوا لتلك الأشياء الخاصة والخاصة جدا .. ؟

آمل ذلك .. ولو أنه أمل كاذب ؛ لأنهم في الحقيقة ليسوا صادقين في دعوتهم هذه ، وغيرتهم تلك على تعاليم الإسلام ، وغير مخلصين في الدفاع عن شعائره وشرائعه ، فأنا أذكر مرة أن نفرا من هؤلاء ( المسلمين وحدهم ) ، وكان أغلبهم أميين ، تحلقوا ذات ليلة ، حول شيخ في داره ، يحسب نفسه عالما علامة ، وبحرا فهامة ، ينصتون إليه في استسلام مطلق ، وصمت مطبق ، وهو يقول ويعيد في الحديث الذي يقول : « من تشبه بقوم فهو منهم » ، فخلص إلى أن كل من يلبس بنطلونا ، وياقة ، وبذلة ، هو كافر .. !! وظل الليلة كلها يلقي بهذه القشور على مسامع أولائك الحاضرين / الغائبين ، الذين ظلوا بدورهم يحوقلون ، ويستغفرون ، ويستعيدون ، ويستزيدون ... ثم أراد أن يختم موعظته فكان آخر ما ردده المقرئ على مسمعه ـ لسوء حظه ـ تفيد أن كل ملبوس ومركوب من صنع الكفار فهو حرام !! فتريث ، وتروى ، وتلعثم قليلا ، وأحجم عن تفسير وبيان كل مدلول العبارة ، واقتصر فقط في توضيحه على مسألة اللباس ، وتغافل عن مسألة الركوب ؛ لأنه ببساطة يملك هو شخصيا مركوبا ـ وأي مركوب ـ من صنع الكفار !!

فيالها من تمثيلية رديئة !!

« وأشد من ذلك مبعثا للأسى والأسف أن الناس قد رسخ في أذهانهم تصور محدود للإيمان والإسلام ، فيزعمون أنهم يستكملون تقواهم ، ويبلغون أعلى درجاته ، إذا أفرغوا هندامهم وزيهم وجلوسهم وقيامهم وأكلهم وشربهم و ما إليها من الأعمال الظاهرة الأخرى في قالب معين ، ثم يفوزون بأعلى درجات الإحسان إذا اختاروا لأنفسهم قدرا معينا من النوافل والأذكار والأوراد ، وغيرها من الأعمال المستحبة شرعا . ولكن كثيرا ما تشاهدون في حياة هؤلاء المتقين المحسنين ـ بزعمهم ـ أمارات تشهد شهادة ناطقة بأنهم لم يؤسسوا بعد صرح الإيمان على أساس متين محكم . فما دامت هذه الأخطاء باقية ، فلا رجاء في نجاحنا في استكمال أدوات الأخلاق الإسلامية . » (3)  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    أبو الأعلى المودودي . عبد الرحمان بدوي . أبو الأعلى المودودي .

« المقالة السابقة

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق