]]>
خواطر :
قالوا الصبرُ علاج للآلام... فزادت صبرُ السنين للجراح آلاما...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

اهمية البيئة الاجتماعية في تنشئة الاطفال

بواسطة: د. غالب الاسدي  |  بتاريخ: 2012-08-24 ، الوقت: 07:55:14
  • تقييم المقالة:

 

يولد الطفل الانساني بغرائزه الفطرية التي يشترك بها مع العالم الحيواني دون استثناء ، لذا يصفه اصحاب النظرية السلوكية التي تعتمد على المثيرات والاستجابات في اقرار الكيفية التي يتعلم بها الانسان المظاهر السلوكية المختلفة بانه مثل الصفحة البيضاء التي لا احرف ولا سطور مكتوبة فيها ، ولكن كلما تقدم به العمر تبدا هذه الصفحة بالامتلاء بانواع الكلمات والاحرف التي تاتي نتيجة لعمليات التشكيل الاجتماعي التي تبدا بالاسرة ، فعالم الطفل الانساني الصغير هو اسرته بدءأ بالام او الاب او الاخوة الاخرين او بقية الاقارب الذين يعيشون من حوله في بيت واحد مثل الاجداد او الاعمام او الاخوال. وهنا فان كل عمليات التشكيل الاجتماعي ( التربية) في هذه المرحلة العمرية المبكرة  تاتي  عن طريق  هؤلاء المقربين الذين يعيشون حوله لانهم اول واكثر من يحتك بهم  ، ولان  للطفل الانساني او الحيواني  ايضا استعداد فطري  للتعلم فانهما يلاحظان السلوك ويقومان بتقليده ومحاكاته ويعبران عن هذا التعلم بالاصوات والاشارات  المختلفة العشوائية التي تدل على اكتساب هذا السلوك من الاخرين ، ويوجد فرق واحد في كيفية التعبير فيما بينهما هو ان الطفل الانساني يوجد لديه استعداد لانواع التعلم اهمها على الاطلاق هو الاستعداد لتعلم اللغة والتي تتطور كما وسنلاحظ بشكل بدائي الى مراحل اكثر تطورا وتعقيدا في مراحل عمرية متقدمة تمكنه من التعبير اللغوي عن التنشئة الاجتماعية بينما يبقى الطفل الحيواني ضمن المدى الذي يمكنه من التعبير عن عمليات التنشئة بالاصوات او الحركات حتى في مراحل عمرية متقدمه لانه لايمتلك الاستعداد الفطري لتعلم اللغة .

  وقد اشارت نظرية التعلم الاجتماعي للعالم الامريكي البرت باندورا ( Albert Pandora ) الى ان الطفل الانساني يتعلم بملاحظة سلوك الاخرين من حوله وبما ان عالمه الصغير كما قلنا هو الاسرة التي تسكن معه في بيت واحد ، فانه يتعلم المظاهر السلوكية الابتدائية المختلفة عن طريقهم . وهذا يعني انه يلاحظ السلوك ثم يقوم بتقليده ومحاكاته ، ويكون  التقليد  بشكل  ببغائي ودون اي اضافات كما يحدث في مراحل عمرية متقدمة  ، فاذا ابتسمت الام او الاب  مثلا او اي فرد اخر من افراد الاسرة ، فانه يقوم بتقليد الابتسامه والرد بالمثل دون ان يعي معنى الابتسام كمفهوم مجرد في السلوكي الانساني والذي يدل على الفرح  والانشراح والسرور، لذلك يمكن ان يبتسم الطفل الرضيع لاي شيء يتعلم مسبقا عن طريق تعزيز سلوك الابتسام ،  فمجرد رؤية الام احيانا يكون كافيا الى الابتسام او رؤية حيوان اليف  يبتسم له ويوافق على هذه الابتسامة  الاباء  او يرى اخوه او اخته الاكبر منه سنا وهكذا ، وبتكرار هذه العملية وما يلقاه من تعزيز بالربت او الانشراح يتعرف الطفل ان الابتسام دلالة القبول او الرضى او الارتياح ، فاذا كان في موقف مؤلم او مزعج فانه لايبتسم ابدا . وهكذا تبدا عمليات التشكيل الاولية للسلوك بهذا الشكل ومع مرور الايام والاشهر فان الطفل الرضيع يتعلم كثير من المظاهر السلوكية الاجتماعية التي يعبر عنها بقدراته العقلية البسيطة ،اذ انه لم يزل لم يتعلم اللغة او مفرداتها او ماهو مرغوب او غير مرغوب من السلوك ، لذا نراه يعبر عن مظاهره السلوكية المختلفة بالاصوات المختلفة التي يصدرها والتي تعد مرحلة مبكرة لتدريب الاوتار الصوتية واعضاء النطق او ماتسمى ( المناغاة )  واعدادها لمراحل لاحقة يتعلم بها اللغة وهذا ما يميز الكائن الانساني عن بقية الكائنات الحيوانية

      تمتاز هذه المرحلة العمرية المبكرة بانها مرحلة الاتكالية او الاعتمادية  في كل شيء على الوالدين او من ينوب عنهما ، ويمكن ملاحظة ان الطفل الانساني هو اكثر طفل في الكائنات الحية اتكالية واعتمادية على الاخرين لفترة طويلة ربما تصل الى 10 سنين واحيانا تمتد الى سنين اطول اذا كان نمو شخصية الطفل غير مكتملة لاسباب عديدة .

     ويرى علماء التربية ان طول فترة الاعتمادية هذه لها فائدة تربوية  كبيرة تتجاوز سلبياتها بكثير ، اذ ان الطفل الحيواني مثلا كما في اللبائن  بعد ولادته بزمن قصير يبدا الاعتماد على نفسه في بعض جوانب حياته المختلفة مثل البحث عن الطعام او قضاء الحاجة مثل التبول او البراز او استكشاف البيئة الطبيعية وحتى في بعض مظاهر نموه الجسمية مثل المشي وهو مهم جدا في تحقيق الاعتمادية ، فمثلا اطفال اللبائن اول ما تخرج للحياة بعد سويعات قليلة تبدأ بالوقوف على اطرافها ومن ثم المشي . وهنا فان علماء التربية يقولون  لولا هذه الاعتمادية المبكرة لما تمكنا من نقل ثقافة المجتمع من عادات وتقاليد ومعتقدات واعراف اجتماعية ولغة للنشا الجديد ،واول ماينقل من هذه الثقافة  يكون عن طريق الاسرة اثناء عمليات التشكيل الاجتماعي ( التربية ) فما مقبول او غير مقبول ،وما  معيب او غير معيب ، والملبس والمأكل،  وما منظور الاسرة في العبادة او العقائد كلها تلقن للاطفال في هذه المرحلة المبكرة ، وكلها تستغل هذه الاعتمادية او الاتكالية في نقل كل هذا الموروث الثقافي للنشا الجديد .

    ان عمليات التشكيل الاجتماعي المبكرة مهمة جدا في صياغة شخصية الانسان فيما بعد ، ففي بعض الدراسات التي اجريت على الاطفال الذين وجدوا في الغابات وربتهم الحيوانات ( مايسمون بالاطفال المتوحشين وقد وجد عديد منهم في فترات زمنية ماضية لاسيما في البلدان التي فيها غابات كثيفه وحياة سكانها لم تزل بدائية )  انهم بكما لايتكلمون ويسيرون على اربعة اطراف وان  حاسة الشم و السمع و البصر لديهم شديدة مثل الحيوانات ، كما ان سلوكهم في تناول الطعام مماثلا لسلوك الحيوانات،  كذلك سلوك الابتسام والخجل فهم لايعرفون سلوك الابتسام ولايخجلون من المشي عراة ،  ومن اشهر تلك الدراسات التي اجريت  على الاطلاق دراسة حالة الطفلتين الهنديتين ( Kamala & Amala  ) اللتين عاشتا وتربيتا في الغابات ، احداهن كانت بعمر 8 سنوات والاخرى كانت بعمر 18 شهرا ، وكن يتصرفن مثل الذئاب اللاتي تربين معها ولايملكن اي مهارات انسانية على الاطلاق ، بل يمكنهن التواصل مع الحيوانات بلغة الاشارات والاصوات الحيوانية  ولايمكنهن نطق الحروف مثل البشر ، كذلك وجد العلماء انهن يأكلن اللحم نيا ولم يتعرفن على النار او اي ادوات لها علاقة  بالصناعة او الزراعة البدائية  .

         وهناك دراسات اخرى اخذت منحى اخر في اثبات اثر العامل البيئي في اكتساب السلوك ( التربية ) وهي الدراسات التي  تتعلق بالتوائم المتماثلة ( التوائم المتشابهة ) وهي توائم متشابه بالجينات الوراثية وصفاتها تماما لذلك من الصعب جدا ان نميز فيما بينهما، وعادة ما يكونان من جنس واحد عكس التوائم غير المتماثلة واللذان ربما يكونان من جنسين مختلفين ، وذلك لان اصل التوائم المتماثلة هي تلقيح بويضة واحدة ولكنها اثناء الانقسام الخلوي انقسمت الى خليتين مستقلتين بعد التلقيح ، فقد اثبتتت الدراسات التي اجريت على مثل هذه التؤائم وهي كثيرة  الى اهمية العنصر البيئي الاجتماعي والطبيعي في اكتساب السلوك، فعندما يُفصل التؤئمين  و يعيشان في بيئتين اجتماعيتين مختلفتين مثل مجتمع عربي واخر غربي ، فقد لوحظ انه بعد مرور مدد زمنية متباينة ربما تمتد الى 10 سنين انه اذا اجتمع شملهما مرة اخرى وجود فرق واضح فيما بينهما في الثقافة بشكل عام ( العادات والتقاليد والقيم والاعراف الاجتماعية والمعتقدات ) ،وهو ما يؤكد المقولة التي كثيرا ما يرددها علماء التربية وعلم الاجتماع (ان الانسان ابن بيئته ) ، ومن هنا فان على التربويين والمربين في المدارس او البيوت استغلال هذه النتيجة العلمية من اجل غرس افكار تربوية وعادات سلوكية مناسبة كي ننشيء جيل مؤمن بمبادءه وعاداته وتقاليده ولكن يتقبل الاخر والراي المخالف ويتعامل معه بشكل حضاري وهو غاية وهدف يتماشي مع حقيقة وطبيعة ديننا الاسلامي الحنيف ، وهو اسهام ايضا في عالمنا الجديد الذي لايحتمل النزعات والصراعات المسلحة لما وصلت اليه ادوات القتل والدمار والتقدم العلمي من تطور عال ولم يزل ، مما يتطلب السعي الجاد الى نشر ثقافة حوار الحضارات والتصالح والسلم العالمي وابعاد الانسانية عن التشاحن والبغضاء والاعتداء على الاخرين .

 

د. غالب الاسدي          galab_alasadi@Yahoo.com

او التواصل معنا عن طريق الفيس بك   د. غالب الاسدي

 

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق