]]>
خواطر :
يا فؤادي ، سمعت دقات همسا على أبوابك ... أخاف أنك في مستنقع الهوى واقع ... اتركنا من أهوال الهوى ، أسأل أهل الهوى لترى...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الآن فُجِعَت الأمُّ بوليدِها فواحزناه

بواسطة: عبدالله عبدالرؤوف الكمالي  |  بتاريخ: 2011-07-25 ، الوقت: 15:11:13
  • تقييم المقالة:

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم  

ليس الحزن شعورًا سهلًا يقدر على العيش معه كلُّ إنسان، بل هو الذي يجعل الأفئدة تتفطر، والقلوبَ تتصدع، ولا علاجَ له في الطب الحديث، ولا حلَّ معَه حتى مع بذل الجهد الحثيث؛ لأنَّه ليس مرضًا يظهرُ على الأبدان، لكنَّه جيشٌ جرّار يغزو القلبَ فلا تسلْ عن آثاره!   أُصيبَ سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- بالحزن فكان وقعه عليه شديدا، حتى قيل: ذاك عامُ الحزن، فرحمَه الله فرزقه شيئا لم ولن يحصل لأحدٍ من العالمينَ بعدَه: ألا وهو الإسراء إلى قدسِ الخليل، والمعراج إلى حضرةِ الربِّ الجليل.    كان من دعاءِ النبي -صلى الله عليه وسلم-:"اللهم إنّي أعوذ بك من الحزن"؛ لأنَّ النفس البشرية تكرهه، وتمقته، ولا تقوى معه على العمل، وليس لها إلا انتظار الأمل، أو حلول الأجل، فهو يُدمي المُقَل، ويُمرض الجسد، ويقضي عليه للأبد.    إنَّ مسببات الأحزان كثيرة جدًا، فلا تجد أحدًا من الخليقة إلا وقد أصابَه ما يُكدر خاطرَه، ويُحزنُ فؤادَه، لكنَّ الأحزان درجات(أو قل: دركات)، وإليك البيان:    أمٌّ عانت تسعةَ شهورٍ وهي تحملُ في جسدِها الضعيف الهزيل جنينًا تتأملُ أن يكونَ عضدا وعونًا لها في هذا الزمان، ولذلك هي سعيدة رغمَ ما تُقاسي من الآلام، حتى إنَّه من شدةِ ما تجده من أثر الحمل فإنَّها مأذونٌ لها بالفطرِ في رمضان إن خَشِيَت على نفسِها(أو على جنينِها) من الهلاك!    ثم تجد الأم وقد وضعت حملَها، ورأتْ جنينَها الذي عاش في داخلِها يمرح ويلعب، وهي تشقى وتتعب، فاليوم ترتاح، وتقر عينها برؤية وليدِها.    إنَّها الآن اختارت له أحلى الأسماء، انتبه: ليس اسمًا جميلا وحسب، بل تختارُ له أحلى وأجمل اسمٍ تراه في الوجود، لهذا المولود، وما ذاك إلا من فرط حبِّها لهذا الوليد، ورغبتها برؤيته وهو سعيد.    كبر الابن شيئا فشيئا، فهو الآن في أحلى مراحل عمره، إنه في مرحلة البراءة والشقاوة الجميلة، فلا أحدَ أسعدَ به أكثرَ من أمِّه، فهو الوحيد المسموح له بكسر الصحون، ومخالفة القانون، لأنَّ مكانته في القلب عالية، فهو من الجواهر الغالية.   إنَّه في مرحلةٍ يُقلدُ فيها أمَّه، يسمعها تتكلم فيسعى لتقليدِها واكتساب المفردات منها رغمَ أنه لا يعلم ما تقول، لكنه يُحبُّها أيضا كما تُحبُّه، ويهواه قلبُها وربَّما هو لا يحبُّ من الدنيا سواها، ولا يسعد بشيء كما يسعد بحنانها.    ابتسامتُه تُسعد أمَّه، وابتسامةُ أمِّه تُسعده، إنهم في علاقة استثنائية، الحبُّ فيها صادق فلا مجال للزيف، والشهودُ على هذا الحب كُثُر: دمعةٌ صادقة تنزل من عينِها إذا تألمَ وليدُها، وكذلك الليل، فإنَّه يشهدُ لها كم سهرت فيه وعانت جزعًا وحزنًا على مرض وليدِها.  إنَّها تهواه بجنون، حتى إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لمّا أرادَ أن يُبيِّن للصحابة العدول،الرجالِ الفحول، سعةَ رحمة الرحيم الرحمن، قال لهم:"أرأيتم هذه الأم طارحةً وليدَها في النار؟" فربُّ العزة والجلال أرحمُ بعبيده من هذه الأم.    ثم تأتي رياحُ الحزن فتجتثّ هذه العلاقة من جذورها، الابن مات، ثلاثةُ أحرفٍ جلبت ثلاثة أحرف أخرى ألا وهي الحزن.    الآن تُفجَعُ الأمُّ بوليدِها، فالذي كانت تُفكِّر من ستزوجه من أحلى وأحسن بنات الدنيا، قد رحلَ عنها وفارقَها وسبقَها لمكانٍ مهول لا تعرف عنه إلا أنَّه يُفزعُ الكبيرَ قبل الصغير!  حيلَ بينَها وبين من تُحبّ، فقد رحلت البهجة، وهاجرت البسمة، فالولد راح، فالهمُّ-إذًا- لا ينزاح.    اسمُه: فلذة الكبد، ورسمُه: أحلى مخلوقٍ وعبد، ورحيلُه: بكاءٌ وحزنٌ وَوَجْد.  أوّاه أوّاه، فؤادُها اليومَ يتألم، ولو أذنَ له الله لنطق، وقال الصدق والحق، لقالَ: خذوني وادفنوني جنبَه، فما طعمُ الحياة وقد رحل الحبيب؟ أما تسمعون منّي النحيب؟ إذا كان يعقوب -عليه السلام- قد ابيضَّت عيناه من الأحزان، مع أنَّه كان واثقًا بأنَّ ابنَه تحرسه عينُ الرحمن، والرجال أقدرُ على كتم العبرات، وتجاوزِ الأزمات، وإن ضاقت السُّبل، وانقطعت الحِيَل، فكيف تصنعُ تلك الأمُّ المسكينةُ وقد تيَقنت من الفراق، ويَئِسَتْ من اللقاء والعناق؟    إنْ كان كلامي ليس مقنعًا بسبب سوء التعبير، ونقص التحبير، وقلة التدبير، فتأمّل قولَ الحق -جلَّ جلاله-:"وأصبح فؤادُ أمِّ موسى فارغا".  تأمل:  لم يمت ولدها، بل ألقته في اليمِّ بوحيٍ من الله، ومع هذا:"وقالت لأخته قصّيه"، ورغمَ كلِّ هذا:"أصبح فؤادُ أمِّ موسى فارغا"؛ فكيف بمن فقدت ابنَها فليس لها رجاء، بالعودة واللقاء؟    هذه الأحزانُ عن الهجومِ لا تمتنع، لكنَّ دعاءَنا لله لا ينقطع، فإذا ضاقت الدنيا بالهموم، واجتاحَتْكَ جحافلُ الغموم، فاذكر علّام الغيوب، وخفف حزنَك بتذكر مصابنا بفقد حبيب القلوب، فالمصائب بعدَه جَلَلَ، لأنه مرشدُنا لحسنِ العمل، ومنقذُنا من الزلل، فاذكر مصابَك بالنبيِّ محمدِ.    أيتها الأمُّ المكلومة: لا أدري كيف أقولُ لك صبرًا وأنا أتضجرُ من أشياءَ أقلّ من مصابك، ولكن كوني على ثقة بوعدِ الله لكِ:"أيما أحد قبضتُ صفيه من أهل الدنيا ثم صبر إلا كان جزاؤه الجنة".    فهنيئًا لك بالرضوان، وسحائبِ الرحمة والغُفران، من الرب الجليل الرحمن، هل جزاءُ الإحسان إلا الإحسان؟


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق