]]>
خواطر :
ما الحياة الدنيا إلا أمواج في مد و جزر مستمر... أرحام تدفع و تراب يبلع...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الأرض تسرق في بتير و من السبب؟

بواسطة: مصطفى بدر  |  بتاريخ: 2012-08-23 ، الوقت: 18:39:04
  • تقييم المقالة:

بقلم: مصطفى بدر

في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي لن يجد الباحث قضيةً تشابه قضية بتير, قريةٌ من أجمل قرى فلسطين, حكمة و ذكاء أبنائها خدع العصابات الصهيونية و حال دون الإستيلاء عليها في حرب عام 1948, و بعد الحرب و قيام دولة الكيان المحتل قامت الدول العربية بتوقيع إتفاقية الهدنة و التي عرفت بإسم إتفاقية "رودس" عام 1949 مع إسرائيل و التي نصّت في الجزء المخصص لبتير على أن يسمح العرب بمرور القطار عبر سكة الحديد التي تمر في الوادي المحاذي للقرية من القدس إلى يافا و عدم المساس به مقابل أن يسمح الإسرائيليون لأهالي القرية بإستخدام أراضيهم الزراعية التي احتلّت و أضحت خلف الخط الأخضر هي و بعض مباني القرية الأخرى و منها مدرستها.

و بالطبع خرق الإسرائيليون المعاهدة مراراً و تكراراً خلال السنوات التي تلت, إلا أن عناد المواطن الفلسطيني و البتيري بشكل خاص و إصراره على فلاحة أرضه و حبه لها حالت دون نجاح تلك المحاولات الصهيونية. و استمر الحال حتى بدأت إسرائيل ببناء جدار الضم و التوسّع الإستيطاني في الضفة الغربية حيث دارت معركةٌ لازالت قائمةً حتى الآن بين أهالي بتير المتمثلين بمجلسها القروي و الحكومة الإسرائيلية داخل قاعات المحاكم.

و بالرغم من عدم وجود مبررات أمنية إسرائيلية لبناء هذا الجدار و عدم وجود أية جدوى أمنية من بنائه فإن القيادة العسكرية للإحتلال تصر على بناء الجدار, و من لا يعرف بتير فإن بتير عبارة عن كنز تاريخي و حضاري و طبيعي عالمي, فهي تحتوي على آثارٍ مهمة لحضاراتٍ عديدة, و كذلك فهي من أوائل المناطق التي مارس فيها الإنسان الزراعة, و من الشواهد على ذلك مدرجاتها الزراعية الأثرية التي بنيت قبل قرونٍ طويلة من ملايين القطع الحجرية بدقة و عناية بالإضافة إلى نظام الريّ فيها و الذي يعتبر أقدم نظام قائم لتوزيع المياه حتى الآن في العالم, هذا بالإضافة إلى خصوبة تربتها و غزارة ينابيعها و جمال طبيعتها الخلابة, و التوع الطبيعي الفريد الموجود في تلك المنطقة, كل هذا سيزول ليأتي مكانه جدارٌ إسمنتي قاتل يقتل الناس و الأرض و الشجر و يحول هذه البلد المباركة إلى خرابة.

و قد أبهرت بتير العالم في العام 2011 عندما فازت تلك القرية الصغيرة جنوب غرب القدس بالمرتبة الأولى عالمياً في جائزة "ميلينا ميركوري" لصون المناظر الطبيعية و التراثية و حسن إدارتها و المقدمة من اليونسكو بعد أن تفوقت على مئات المواقع العالمية, مما شجع ذلك أهالي بتير و مجلسها القروي على المتابعة قدماً في إدخال بتير إلى لائحة التراث العالمي لليونسكو و اعتبارها موروثاً ثقافياً عالمياً خصوصاً بعد نجاح فلسطين لاحقاً في الدخول إلى اليونسكو, و قد دعمت القيادة الفلسطينية هذا التوجه بشكلٍ كامل و بمساندةٍ و أمرٍ مباشر من السيد الرئيس, حيث أن إنضمام بتير إلى الموروث الثقافي العالمي سيكون له التأثير الإيجابي في قضية بتير في المحاكم, و قد يكون السبب الرئيس في فشل المخططات الإستيطانية الإسرائيلية و حماية هذه المنطقة الفريدية بيئياً و تاريخياً, إلا أن الأيادي الخفية كانت بالمرصاد..

فقد قامت بعض الجهات من السلطة الفلسطينية و غيرها بتشكيل حلقاتٍ للضغط على القيادة الفلسطينية لتقديم ملف كنيسة المهد لتكون ضمن لائحة التراث العالمي بدلاً من بتير, مع العلم أن ملف بتير قد كان جاهزاً بشكلٍ كامل بعكس ملف بيت لحم الذي لم يكن مكتملاً رغم 3 سنواتٍ من التحضير, كما أن كنيسة المهد لا يهددها أي خطرٍ مباشر, و يتذرع القائمون على مشروع ضم كنيسة المهد بحججٍ لا تدل إلا على الإهمال العالمي للكنيسة و فلسطين فمن كان يتصور أن مكاناً مقدساً ككنيسة المهد لا يجد من يدعمه بالقليل من المال لترميمه, و لكن الحاجة إلى بعض الترميمات البسيطة لا يعتبر خطراً مباشراً, بعكس الخطر الحقيقي الذي يواجه بتير حيث أن قرار المحكمة الإسرائيلية قد يصدر في أيّة لحظة و قد تكون له نتائج كارثية أبدية تنهي هذا الإرث العالمي الصامد منذ آلاف السنين -لا سمح الله-.

و قد صاحب العمل على إنضمام بتير لليونسكو تغطيةً إعلامية جيدة في بدايتها, حيث قامت قنواتُ محلية و عربية و دولية بعمل تقارير مختلفة و تسليط الضوء على ملف بتير, و قد هاجت بعض الجهات الصحفية الإسرائيلية خوفاً من هذه الخطوة الفلسطينية السبّاقة و الفريدة من نوعها و قد قام بعض الكتّاب اليمينيين الصهاينة بكتابة مقالات تستهزئ بالطلب الفلسطيني و تحاول زعزعة ثقة الفلسطينيين بأنفسهم عن طريق حججٍ تاريخيةٍ كاذبة.

و قد صدمني إنصياع بعض الجهات الفلسطينية لتلك الحجج و البدء بتجاهل قضيّة بتير و الترويج بشكلٍ مفاجئ لملف كنيسة المهد و كأنهم ينفذون الأوامر الإسرائيلية بحذافيرها, و تم التصويت, و وضعوا أوامر السيد الرئيس خلف ظهورهم, و دخلت كنيسة المهد إلى لائحة التراث العالمي, و عاد خطر الجدار يهدد بتير مرة أخرى, و لا يعلم أحدٌ ما إن كانت ستبقى القرية على حالها حتى العام القادم أم لا..

إذاً وصلنا إلى نتيجةٍ مفادها أن المسؤول الفلسطيني بعد كل هذه السنوات لازال عاجزاً عن ترتيب الأولويات, و يبدو أن القيادة بحاجةٍ إلى المزيد من الدروس لتتعلم, و يبدو أن أرضاً جديدة سوف تسرق, و يبدو أننا أصبحنا ماهرين في عمل تكتلاتٍ و لوبياتٍ ضد أنفسنا, لا أحد يعارض إنضمام كنيسة المهد للائحة التراث العالمي, و كلنا فرحنا كفلسطينيين بإنضمامها, و كل فلسطين يجب أن تكون على لائحة التراث العالمي, ليس فقط في التراث و الآثار و الطبيعة و الثقافة, بل أيضاً بالصبر و الجهاد و النضال و التحمل.

أذكر حينما كنت أشاهد أحد التقارير التلفزيونية التي تتحدث عن إنضمام بيت لحم إلى كنيسة المهد مشاهدتي لأستاذي الفاضل جورج سعادة –نائب رئيس بلدية بيت لحم- موجوداً في ذلك التقرير, حينها قلت في نفسي: "يبدو أن دمائنا ستسيل بجانب دماء إبنتك الشهيدة كريستين سعادة و نحن ندافع عن أرضنا".

 

  


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق