]]>
خواطر :
انساك ! ده كلام ؟... اهو ده اللي مش ممكن ابدا...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

مواسم الانتحار

بواسطة: Ahmad Khattab  |  بتاريخ: 2012-08-23 ، الوقت: 18:34:08
  • تقييم المقالة:

عندما يبدأ فصل الشتاء..و المطر ينقر زجاج نوافذنا في الليل و نحن متجمعون في سكن الأطباء بالمستشفى نحتسي مشروبنا الساخن ، يقرع العامل بابنا قائلاً "حالة في الاستقبال يا دكتور.." فتزداد توقعاتنا نحن الأطباء النفسيين بورود مرضى الإكتئاب و الإضطراب الوجداني أكثر..

فننزل و نحن نذكر أنفسنا بأهم عرض نتقصى عنه..الرغبة في الموت..

إننا في موسم الإنتحار..!!

فالنفس الصحيحة إن كانت أمارة بالسوء..فالعليلة أمارة بالموت..

نسأله.."شايف الدنيا إزاي..حاسس إنها تستاهل تتعاش..؟!"..

أسئلة تبدو سخيفة ربما أكثرنا حكمة و تعقلاً لجاوب عليها بثقة.."الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة..طبعاً ما تستاهلش.."..

لكننا لا نختار الموت رغم علمنا بدناوة الدنيا..و نفضل أن نستسلم لإختياراته..و نقف في الصف..

أما هؤلاء الذين يسارعون بأنفسهم نحو الموت..مسئوليتي تجاههم أن أقف دون هذا الاختيار القاتل..و أعيدهم إلى طابور الحياة أمام شباك صرف تذاكر الموت حتى يأتي دورهم..

يوماً ما و أنا متدرب في مستشفى الجامعة وقفت في غرفة العمليات..و على طاولة العمليات أحضروا شاباً من حادث سيارة..ينزف الدم من كل جزء فيه..و إنتهت الأشعة المقطعية على رأسه إلى أن النزيف ناتج عن كسر في قاع الجمجمة..و من المؤكد أن الحبل الشوكي قد قطع في منطقة خطرة..و أنه الآن يبادل الحياة أنفاسه الأخيرة معها..

خرج الجميع..

و بقيت مع الشاب في غرفة واحدة..و أنا أنظر إليه و هو يموت..

لم يكن أحد يعرفه..كان وحيداً إلتقطه المارة من الطريق بعد الحادث..

و إلتقطه الموت أمامنا في المستشفى..

كنا في لحظة فارقة صمتنا إعترافاً بالعجز..و تركناه يواجه مصيره وحيداً..

الموت قدر لا يعترف بالنظريات و الشهادات..

الموت حقيقة ثابتة بالتجريب..

و كثيراً كنت حاضراً في حضوره..

أسبلت أعين بشر في غرف العناية المركزة..و جلست أكتب تقارير الوفاة في ملفات من كانوا مرضى..و خرجت على الأهل أقول لهم ، بملامح حزن مصطنعة ، "البقاء لله.."..

لكن يظل الإنتحار رغم ذلك حالة خاصة من حالات الموت..

حقيقة إننا نرى الناس عرايا..فهؤلاء الذين ملئوا الدنيا زهواً و فخراً تجدهم يجلسون أمامك دون هذا كله..يبكي الرجل و هو يتوسلك أن تنقذه من نفسه..فهو لا يستطيع أن يوقف فكرة الإنتحار من التغلغل في عقله و يقول لك "خايف أضعف في لحظة و أنفذ الفكرة..".

أو أنه يسمع صوتاً يقول له "أرمي نفسك من البلكونة.."..فيستجيب للصوت و يلقي بنفسه.

فنجد هذا إمتلأت نفسه بالإكتئاب و ضاعت لذة الحياة و بقي الحزن و القلق و الخوف..فسيطرت عليه فكرة الهروب من تلك الحياة..

و ذاك تفكك عقله و صار مريضاً "فصامياً" لم يعد يميز بين الواقع و الخيال..فإن دعاه الخيال للقفز من فوق سطح منزلهم..سيقول له الخيال أيضاً أن شيئاً لن يحدث له..

و آخر لا يزيد الأمر عن كونه عابثا ً..لا يعاني من شيء يدفعه للموت غير أنه يرى الموت وسيلة ضغط ملائمة على من حوله ليحققوا له ما يشاء..و كأن الموت مفتاح بوابة الأمنيات..و هؤلاء تجد طرق الإنتحار التي يسلكونها ساذجة و غير كافية عادة للوصول إلى النهاية..لكنها تصيب كبد الحياة و تنهيها في أوقات على غير ما كان يتوقع ذاك العابث.

لذا فنحن نجد أنفسنا امام نوعين من المقبلين على الموت..

بشر يعانون..

و بشر عابثون..

 و هناك تقسيم نوعي آخر نرى فيه محاولات الإنتحار تختلف في طريقتها من الرجل عن المرأة..

فهو يختار الوسائل الأكثر عنفاً..

و هي..تبحث عن موت دون ألم..

من هؤلاء من يدرك تلك الخطوة الفارقة و هو بلا شك سيحاسبه الله على هذا الإختيار..

و منهم من لا يستطع التحكم في نفسه و فقد مداركه و تقديره للأمور نرجو له الرحمة..

لكن الإنتحار نفسه..ليس كله موت للجسد..

الإنتحار هو إندفاع للنهاية..وقت تفقد قيمة الأشياء فتندفع إلى ما لا قيمة له..

تندفع نحو وظيفة لا تناسب تعليمك لأنك لم تجد وظيفة ملائمة أكثر..بعدها  فقدت حماسك للبحث مجدداً و لم تخدمك الظروف فتغرق نفسك في عملك الآخر و تظل تقنعها بمميزاته.

تندفع نحو أي فتاة لتهرب من أشباح فتيات الماضي..أو العكس أحياناً..تهرب من كل فتيات المستقبل لجروح خلفها الماضي جعلتك تفقد قيم الحب..

و ذلك السياسي الذي يتخذ قراراً مصيرياً..ينهي مصيره شخصياً به..فينتحر سياسياً.

قديماً في اليابان كان للإنتحار طقوساً تدعى "هاراكيري" أو "السيبوكو" يقوم فيها مقاتل الساموراي بقتل نفسه حال الهزيمة حتى يمحو مرارة العار فتكون ميتته أكثر كرامة..

لكن في عهود لاحقة وجدوا أنهم لم يجنوا أي شيء من هذا الفعل..فإن مات لن يكون بطلاً و إن عاش فلن يجلو العار عنه و سيظل يلاحقه.

لا فرق إذن..

إن بعض الإختيارات في حياتنا عندما نفعلها بعمد و نحن نعلم تماماً أنها إختيارات خاطئة..هي محاولات إنتحار..

اللحظة التي يخطو فيها أحدنا للنهاية تتجمع فيها كل البقع المظلمة في حياته لتغلق كل الممرات سوى ممر واحد..نقول ببساطة "أنا عايز أخلص.."..فنفعل الأمور بتخاذل دون بحث عن بديل فننتهي كما محارب الساموراي المهزوم..لا عاش دون عار و لا مات بمجد..

أجلس كثيراً أستمع لرحلات من مروا من ذاك الممر الأوحد..يتحدثون بوهنٍ و خفوت كأنهم وصلوا للنهاية بالفعل و أصواتهم تلك قادمة من العالم الآخر تحكي محاولاتهم التي فشلت في نقل أجسادهم مع الأرواح هناك..فأرواحهم ماتت و بقيت الأجساد تتعذب في الأرض.

تلك كانت كلها محاولات لا علاقة لها بالمواسم..لأنني لم أصادفها في أوائل الشتاء مع نقرات المطر على زجاج غرفتي كالعادة..لكني دوماً كنت أراها خلف غمامات الدموع في أعين كثير من الناس.


« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق