]]>
خواطر :
الحياة الدنيا مثلها امرأة ، تراها من بعيد جمالا براقا لتكتشف أن كل شيء فيها مصطنع ... من رموش العين إلى احمرار الخدين والشفتين إلى طاقم الأسنان الناصع البياض...   (بلقسام حمدان العربي الإدريسي) . 

الزلزال والثورة

بواسطة: Yassir Tribak  |  بتاريخ: 2012-08-23 ، الوقت: 14:34:11
  • تقييم المقالة:
يعرف علماء الجيولوجيا أن الأرض تتزلزل بفعل طاقة دفينة تخرج إلى السطح بعد أن تبلغ الأرض مداها من التحمّل والاستقرار. إنها ظاهرة طبيعية معروفة عند الإنسان منذ تطوّر تقنيات الجيوفيزياء في القرن ما قبل الماضي حيث أن مخزون الطاقة في الأرض لا ينفرج إلا في مواقع محددة توصف بضعف بنيتها وتواجد الانشقاقات فيها (الفوالق Les failles). لكن هناك شيء يجهله الإنسان أو هو لم يدركه بعد. إنه موعد انطلاق الزلزال من بؤرة ما أو ما يمكن أن نسميه بطريقة علمية "سقف تحمّل الأرض" للطاقة المخزونة في أحشائها، إذ أن أعتى العلماء الجيولوجيين ولو كانوا مجهّزين بأحدث الآليات لا يمكنهم التنبؤ بموعد انطلاق الزلزال رغم أنه قد يتسبب في إحداث دمار كبير في العمران. كل ما يستطيع الإنسان معرفته إذ ذاك هو بؤرة االزلزال أي موقعه ودرجته على سلم ريشتر. ومع ذلك فإن تطور البحث العلمي في هذا المجال لم يقف عند هذا الحد، فقد ذهبت بعض الدراسات اليوم في اليابان والولايات المتحدة وربما في دول أخرى إلى التفكير في إحداث زلازل صناعية على مستوى بعض النقط المحدّدة (نقط التقاء قشرتين أرضيتين) بهدف التنفيس عن الطاقة المخزونة فيها قبل أن تتجمّع فتصير مدمّرة بشكل كبير. وبما أن الظواهر الطبيعية تتشابه فيما بينها من ناحية سعيها الدائم إلى تحقيق التوازن، وبما أن الإنسان جزء لا يتجزّأ من الطبيعة، فلم لا اعتماد مقارنة خاصة بين ظاهرة الزلزال وظاهرة الثورة في المجتمعات الإنسانية؟ في هذا الإطار سنعتبر ضعف بنية الأرض وتشقّقها بمثابة ما يقاس على الاختلالات الاجتماعية والثقافية والسياسية في مجتمعات الثورة. ألم تكن السنوات الطويلة الماضية التي عاشت فيها شعوب المعمور العربي في ظل الحكم المطلق والفساد السياسي والاقتصادي كافية لبلوغها ذلك السقف الذي تحدثنا عنه من التحمّل والاستقرار؟ ألم تتحمّل الشعوب العربية أكثر من طاقتها حتى صارت تتعايش مع الكبت والمعاناة؟ أنا شخصيا أعتقد أن دوافع اندلاع الثورة كانت قائمة عند شعوبنا العربية منذ وقت طويل لكن عوامل كثيرة داخلية وخارجية كانت تحول دون ذلك. لقد خرج المستعمر من بلداننا العربية في أواسط القرن الماضي لكن تأثيره ظل حاضرا لذلك قلنا إننا مازلنا نعيش في ظل التبعية. وهي التبعية التي جعلتنا نواجه صراعا مستمرّا بين الأصالة والتحديث أو بين التقليد والتجديد. لكن هذا لا يعني أن الغرب مسؤول وحده عن أوضاعنا الحالية بما يتطابق مع مفهوم نظرية المؤامرة. بل إن التوجهات السياسية العامة التي تم اعتمادها على المستويين الوطني والدولي هي التي ساهمت بدون شك في تبخيس دور الشعوب العربية وممارسة الوصاية عليها. لكننا اليوم نعيش أمام حقيقة جديدة مفادها أن العالم العربي يعرف اندلاع ثورة شعبية عارمة انطلقت شرارتها الأولى (أي بؤرتها) في تونس الشقيقة ثم انتقلت بسرعة كبيرة إلى أرض الكنانة قبل أن تمتدّ ارتداداتها إلى باقي أرجاء المعمور العربي. نحن اليوم نعيش على إيقاع الإفراج عن تلك الطاقة بعد أن خرجت أخيرا إلى العلن. وستستمر الثورة إن شاء الله إلى غاية تحقيق ذلك التوازن الذي يجب أن يكون بين الحاكم والمحكوم وهو التوازن الذي نسميه في أدبيات العصر بالنظام الديمقراطي. لقد فهم الناس اليوم في العالم كلّه أن طاقة الشعوب العربية لم يعد لها طائل للبقاء مضغوطة مكبوتة لذلك شرعت الدول الغربية الضليعة في دراسة الشعوب في تغيير سياستها اتجاه الأنظمة العربية بالتخلي عن دعمها دعما اقتصاديا وسياسيا. وقد بدا ذلك واضحا في ما سبّبه إصدار وثائق ويكيليكس  وفي توجّه الجزيرة في المنطقة وفي غير ذلك من التجلّيات. ولكن، أفلا يمكن أن نفترض بكثير من الجرأة وقليل من المغامرة أن تكون هناك أياد خفية هنا أو هناك تلعب من خلف الستار وتحاول أن تتحكم في طاقة الزلزال أو أن توجّهه على حسب مصالحها علما أننا لا نقلّل من شأن شعوبنا لأن الثورة كانت آتية لا محالة سواء طال الأمد أو قصر؟ أفلا يمكن أن ينصبّ تفكير البعض إلى التنفيس عن طاقة الشعوب العربية قبل أن تصير دمارا ما فوقه دمارا فتضرّ بمصالحهم الإستراتيجية  والاقتصادية في المنطقة؟ أعتقد أن كل شيء ممكن في هذا الزمن، فهو زمن الفيسبوك والويكيليكس، وهو زمن الحرية الفردية في أقوى تمظهراتها. 
« المقالة السابقة ... المقالة التالية »

» إضافة تعليق :

لكي تتمكن من التعليق يجب عليك تسجيل الدخول
البريد الالكتروني
كلمة السر  
او يمكنك الدخول والتعليق عن طريق فيسبوك او تويتر
 انشر التعليق على حائطي في فيسبوك او على صفحتي بتويتر
علق مع فيسبوك       الدخول عن طريق تويتر
او يمكنك التعليق بإستخادم اسم مستعار
اسمك المستعار:
آضف تعليق